رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

مجدى صادق يكتب: التونسية (كوثر بن هنية).. بين (كاري هوايت) و(بنات ألفة)!

مجدي صادق

بقلم: مجدي صادق

دائما ماترسم (كوثر بن هنية) علامات استفهام كبيرة وعلامات تعجب أكبر سواء فى افلامها القصيرة أو حتى التسجيلية بطعم الدراما أو حتى فيلمها الروائى الوحيد وهو (الرجل الذى باع ظهره).

بقراءه تحمل بعدا فلسفيا واقعيا لحال اللاجئين السوريين ووضعهم المأساوى بحثا عن رحلة (خروج) إلى أوروبا وهو لايملك أى أوراق ثبوتيه!

تذهب بنا المخرجة التونسية المبدعة (كوثر بن هنية) إلى اللامعقول، حينما يسأل أحد التشكيليين الأجانب التقاه فى معرض بلبنان عندما أفصح له عن رغبته فى السفر فقال له ماذا اقدم ؟ هل أقدم روحى؟!

فقال له: أريد ظهرك !! ليرسم لوحة تشكيلية على ظهره ليعرضها هكذا فى اوروبا  احد الطرق اللانسانية للجوء الى اوروبا!!

(كوثر بن هنية) هى (كاري هوايت) فى فيلم الرعب الأمريكى (كاري) عام 1976 فحكايتها مثلما تقول (كوثر بن هنية) تتشابه مع بطلته حتى فى قدرتها الخارقة من وجهة نظرى فى قراءة أو التحكم بالأشياء عن بعد.

فقد قرأت رحلتها السينمائية ونسجت خيوطها فى الخيال قبل أن تنطلق إلى العالمية بداية منذ أن كان عمرها ست سنوات حين اصطحبها والدها (محسن) الذى أطلقت عليه الصحافة التونسية بالأديب العصامى إلى السينما وسط تذمر واعتراض والدتها.

 (كوثر بن هنية) أيضا تمثل من خلال رحلتها السينمائية بالسينمائية العصامية التى كانت تتمنى أن تصبح كاتبة مثل والدها.

إلا أنها تحولت إلى الكاتبة بالصور حين قررت تدريس السيناريو فى جامعة (لا فيميس) بباريس 2005 وقدمت مجموعة من الأفلام الوثائقية والروائية.

وحين ذهبت إلى (سهام بلخوجة) التى قامت بتأسيس أول مدرسة للفنون والسينما بتونس واقنعتها بموهبتها، وأنها لاتملك مصروفات المدرسة.

ودخلت (كوثر بن هنية) المدرسة 2002 وعلى مدى عامين أخرجت ثلاثة أفلام روائية قصيرة وفيلم تسجيلى وهو فيلم (نرجس)، و(نافذة)، وجاء فيلم (الخرق) الذى كان بمثابة إعلان عن ميلادها السينمائى !

(كوثر بن هنية) فى عالم السينما كتبت روايتها الوحيدة

(كوثر بن هنية) فى عالم السينما

قبل أن تنطلق (كوثر بن هنية) فى عالم السينما كتبت روايتها الوحيدة التى لم تنشر (فيتروم بوليسيا)عام 2002، فقد كانت أسيرة رواية الكاتبة الروائية (إيلينا فيرانتى) وروايتها (رباعية نابولي) عام 1943.

وحدت فى الرواية قصة طفولتها حيث واجهت ثقافة التهميش والعنف بأشكاله المختلفة ومثلما قررت رحلة الصديقتين (يلينا وليلا) فى الرواية الإيطالية (بناء حياة) تتجاوز المأساة هكذا فعلت (ابنة) سيدى بوزيد التى شهدت ولادتها عام 1977!

ارتباطها بوالدها وإيمانه بموهبتها كان وراء أول أفلامها (أنا وأختى والشئ) قصة من كتابات الوالد على مدى 14 دقيقة مزجت الأحداث بأهازيج سينمائية ترصد فيه قرية مهمشة قد تكون مكان ولادتها (وهى مازالت مهمشة رغم ثورة الياسمين!)، فى صراع حول مفهوم الذكورة والأنوثة أو مفهوم الجندر!

إقرأ أيضا : مجدى صادق يكتب: (رامي مالك).. ابن سمالوط الذى يزاحم نجوم هوليوود !

حصلت (كوثر بن هنية) على درجة الماجستير من جامعة السوربون حول (مفهوم الخيال مع أو ضد الفيلم الوثائقى)، ربما كانت هذه مدرسة جديدة قادتها (بن جديد) فى أغلب أعمالها السينمائية.

ففى عام 2010 بباريس كان فيلمها (الائمة يذهبون إلى المدرسة)، وهو فيلم افتتح به مهرجان إدفا (مهرجان الفيلم الوثائقى الدولى بامستردام) عروضه العالمية.

وهى مثلما تعودنا منها تبحث عن المسكوت عنه والمكبوت الاجتماعى وتقتحمه بجرأة، حيث تدور أحداث الفيلم على مجموعة من الائمة بباريس تطلب منهم الدولة الانخراط فى دورة تدريبية فى المعهد الكاثوليكى للتعرف على العلمانية والمواطنة وبالتأكيد فيلما فى إطار من الكوميديا السوداء!

السلطة هى من تتصارع عبر أعمالها وتحديدا السلطة الدينية، وهو ماظهر فى فيلم (يد اللوح)، وفيلما آخر طويل لكنه لم يرى النور وهو فيلم (مدينة الرصاص)!.

لذا كان فيلم (شلاط تونس -2014) يرصد ظاهرة (مهووس ديني) يريد تطبيق شرع الله حيث قام بالاعتداء على الفتيات والنساء بنصل سكين، وهى قصة حقيقية عام 2003 مثلما حدثت فى مصر مع صعود تيار (التطرف)!

فيلم (بطيخ الشيخ) الذى حصل على البرونزية فى مهرجان الجونة السينمائى

(كوثر بن هنية).. و(بطيخ الشيخ)

ويأتى فيلم (بطيخ الشيخ) الذى حصل على البرونزية فى مهرجان الجونة السينمائى وهو فيلم قصير تدور حول مفهوم الصراع على السلطة على مدى 23 دقيقة.

حول الشيخ (الطاهر)، وهو شخصية معروفة باعتباره إمام مسجد يحظى بالاحترام والنقاء والتقدير ممن حوله لذا اختارت الاسم (الشيخ الطاهر)، فالمسميات والأسماء ورسم الشخصيات عند (كوثر بن هنية) ليست عفوية حتى أنه ابنيها (هادى وخليل) كانوا ضمن أحداث الفيلم!

إقرأ أيضا : مجدي صادق يكتب: مسامير (مالك نجر) !

لذا رفضت فى فيلمها الروائى عام 2017 (على كف عفريت) أن تصور مشهد اغتصاب فتاة عشرينية على يد من ثلاثة من رجال الشرطة واستخدمت (تكنيك) اللقطة الواحدة.

باعتبار أن مشهد الاغتصاب  لن يضيف شئ، وهى قصة حقيقة حدثت بالفعل فى تونس بعد عام من الثورة.

وقد اختارت ممثلة ناشئة هى (مريم الفرجانى) لدور مريم الفتاة التى تعرضت للاغتصاب وقد حصدت جائزة افضل ممثلة لعام 2017 من مركز السينما العربية!

ومثلما استعانت بالبطل الحقيقى لفيلم (شلاط تونس)، وهو (جلال الدريدى) الذى قدمته فى قالب تسجيلى لفيلم روائى بعد أن تحول فى الحقيقة إلى بطل أسطورى بعد أن تم تبرئته من جرائمة والتى قيدت ضد مجهول!

فقد ظهر بدوره الحقيقى ومعه بعض ضحاياه (!)، هكذا فعلت فى فيلمها الذى ترشحه تونس لجوائز الاوسكار فى مارس المقبل ضمن جوائز الأفلام التسجيلية، وأيضا قائمة افضل فيلم عالمى غير ناطق بالإنجليزية.

وهو فيلم (بنات ألفة)، وهى قصة ايضا حقيقية  اسمها (ألفة) لديها 4 بنات يعيشون حياة فقر مدقع إبان حكم (بن على).

هل يمكن للخيال أن يتفوق على الواقع في (بنات ألفة)؟

(كوثر بن هنية) و(بنات ألفة)

راحت ابنتين منهن  وهن (رحمة، وإفران) إلى الانزلاق إلى التطرف، فاذا وجد الفقر دخل التطرف بحثا عن زواج وحياة رغدة مثلما خدعتهم رسائل (تنظيم داعش) عبر وسائل التواصل الاجتماعى فى اصطياد فرائسهم وضحياهم.

لينتهى بهم المطاف إلى السحن بسبب هروبهما إلى ليبيا وانضمامهم إلى (تنظيم داعش)، بينما وهو يعتبر فيلما داخل فيلم نجحت كعادتها المخرجة التونسية (كوثر بن هنية) أن تستعين بالأم الحقيقية وابنتيها الأصغر سنا ليشاركا فى البطول.

بينما تؤدى الفنانة (هند صبرى) مشاهد روائية للأم مع ممثلتين شابتين هن (نور قروي، وإشراق مطر).  

وأصرت أن يكون ممثل واحد هو الممثل التونسى الشاب  (مجد ستورة) للفيلم يؤدى كافة الأدوار الرجالية كرسالة أن الرجل هو الرجل، وإن تغيرت الأسماء والوظائف والمكانة الاجتماعية!

وهو يطرح التساؤل الأهم لجيل السينمائيين: هل يمكن للخيال أن يتفوق على الواقع؟ هذا الفيلم الذى أتمنى أن يكون بين أفلام مهرجان القاهرة السينمائى المقبل بعد أن حصد (جائزة أفضل فيلم وثائقى) فى حفل (جوائز جونام).

وهى واحدة من أهم الجوائز العالمية التى تكرم السينما المستقلة، وكان فى حفل مهيب أقيم بنويورك، والفيلم حصل على تمويل من (مهرجان البحر الاحمر السينمائى)، وأيضا جائزة قناة (الشرق الوثائقية) فى المهرجان ديسمبر الماضى.

الفيلم إنتاج (تونسى فرنسى ألمانى سعودى) مشترك، وهى تجربة أمام جيل السينمائيين المصريين الشبان.

علامات الاستفهام والتعجب التى ترسمها المخرجة التونسية (كوثر بن هنية) حول كل عمل سينمائى، لكن فى هذا الفيلم كان السؤال أكثر حيرة ولا يوجد له تفسير حول انزلاق الفتاتين إلى التطرف.

ويبدو أن مشكلة الخوف زرعتها الثورة التونسية التى قلبت الموازين فى البلاد لياتى بالإخوان على رأس السلطة ومحاول فرض الحكم الثيوقراطى الذى يمثل قمة الديكتاتورية، وهى ذات ديكتاتورية الأم والفقر معا!

حاولت (كوثر بن هنية) الإطاحة ومحاصرة الفكر الراديكالى التى زرعته تلك الجماعات المتطرفة عبر أغلب أفلامها، سواء التسجيلية بطعم الدراما أو القصيرة والروائية بحثا عن الجذور والانتماء والحرية.

حيث كانت تحلم بتأسيس قناة للأفلام التسجيلية ومثلما تقول دوما: (أنا  دائما بحسب الحسبة فى مخي)، وهذه هى (كاري هوايت) تونس !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.