رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمد شمروخ يكتب: ما حدث لـ (نجاة الصغيرة).. تكريم أم إهانة؟!

بقلم: محمد شمروخ

من الآخر كده.. وبدون لف ودوران، فإن ما حدث مع المطربة الكبيرة (نجاة الصغيرة)  لم يسعدنى ولم يبهرنى ولا دخل ذمتى بتلاتة هللة، بل وجدته أقرب للاستعراض والمنظرة بمفاجأة إحضار سيدة بلغ بها العمر أرذلة وتنصيبها على المسرح – بالتيلة – بعد أن بذل الماكيير جهودا جبارة لإصلاح آثار الزمن على وجهها.

لكنهم لم يفلحوا.. إنما الذي أفلح هو الزمن الذي لا يباريه أحد في مضماره.. ومهما تظن أنك خدعته فأنت المخدوع دائما!

وبصراحة.. فإن ما حدث ليس تكريماً وإن أرادوا ان ينسبوا ما حدث إلى شكل من أشكال التكريم، فالتكريم كان لابد – احتراماً لسن ومكانة (نجاة الصغيرة) – أن يتم إما بإعلان تكريمها وهى معززة مكرمة وهي في عقر دارها لا تبرح مكانها.

مع الاكتفاء بإرسال مندوب خاص إليها ليسلمها رمز التكريم والمبلغ المالي المخصص لها، ساعتها كنا سنشعر أن من كرموها يخافون عليها ويحترمون مكانتها ويقدرون ظروفها الصحية والعمرية.

دون تجشيمها وهى في هذا العمر، مشقة الانتقال كل هذه المسافة.

كان يمكن أن ترسل (نجاة الصغيرة) إلى الجمهور المنتظر في موسم الرياض، رسالة صوتية بصوتها الطبيعى المباشر، تذاع عبر سماعات المسرح، مع إمكانية إظهار مجسم لها في صورة (ثري دي) مع إذاعة أشهر أغانيها.

أليس هذا أكرم لها و(لمصر).. بدلاً من الإتيان بها لإثبات أنها مازالت تقاوم وأنها ستظل تغنى حتى الرمق الأخير؟!

وهو ما لم يحدث، لأنه كان واضحاً جدا أن الأغنية تدار (بلاى باك) بينما وقفت هى تفتعل أنها تغنى بملامح جامدة لا أثر للأداء عليها.

وهو ما كان قديما أهم ما يميز أداء (نجاة الصغيرة) ذات الصوت الدافئ المتجاوب مع ملامح الوجه المعبر بعمق عن كل كلمة تغنيها!.

العملية كانت مكشوفة ولكن الرسالة واضحة جداً وسبق أن تم تجريبها فينا مراراً وتكراراً، وقبلها كثيرون ضحوا بأشياء كثيرة (احنا نقدر نعمل كل حاجة بفلوسنا.. حتى لو تحدينا الزمن والعجز!).

استسلام للأيدى التى حملت (نجاة الصغيرة)

نظرة لعينى (نجاة الصغيرة)

لكن نظرة واحدة إلى عينى (نجاة الصغيرة) في تلك اللحظات التى ظهرت فيها، وأنت تعرف أنها نظرات من عينين شبه مطفأتين في حالة انفصال عن الزمان والمكان.

ليس فيهما أدنى أثر للحيوية ولا المقاومة، بل استسلام للأيدى التى حملت (نجاة الصغيرة) من بيتها إلى السيارة ومن السيارة إلى المطار.

ثم نصبتها فوق المسرح كثمثال من الشمع فشل إزميل النحات أن يبث فيه تيار متدفق من الحياة!

انظر إلى صفحة وجهها وكيف بدا منسحبا تائها متسائلا في حيرة صامتة!

فعلوا ذلك وكأن السماح بظهور علامات الشيخوخة عليها كان سينقص من قدرها وقيمته!.

(هل تذكرون محاولة تسجيل أغنية جديدة لها وكيف أنها لم تقابل إلا بالفتور والسخرية؟!).

إقرأ أيضا : محمود حسونة يكتب:(نجاة) وعادل إمام وفيروز.. تكريمات تعكس الشخصيات 

يا عالم ياهوووووه.. إنه الزمن ولا يمكن لأحد أن يقاوم آثار الزمن، بل تبدو قيمة الإنسان أفضل وأكثر احتراما في التجاوب مع الزمن، فشيخوخة (نجاة الصغيرة) التى بذلوا فيها ما بذلوه لطمسها، ليست عيبا ولا يمكن أن تكون، بل قيمة كبرى لابد من احترامها.

ثم إنه بلاش حكاية ان مصر لم تكرمها وتجاهلها المسئولون وإنها لم تأخذ حقها وشغل الصعبنة ده.

(نجاة الصغيرة) أكبر من كل هذا.. بل أكبر من التكريم نفسه، بل أزيدك بأن التكريم في الحقيقة يكون للجهة المانحة له وليس لنجاة!.

ولا أدرى ما حقيقة ما تردد عن أن فيروز رفضت السفر الى هناك ليحدث معها ما حدث مع (نجاة الصغيرة)، فلو كان ذلك كذلك، لوجب أن ننحنى احتراماً لفيروزنا العظيمة.

إن أردتم تكريمها فاذهبوا إليها لا أن ترسلوا باستدعائها وإرسال فريق متخصص لإحضارها، لتفرح بعدها بكومة من الدولارات تلقى إليها.

وإن كان لابد من ضرورة ضبطها وإحضارها لزوم الاستعراض، فأضعف الإيمان أن تجلسوها في مكان مميز في المسرح، مع تسليط الضوء عليها، مع تشغيل أغنيات لها.

(الله يخرب بيت الدولارات التى يبيع الناس بها قيمتهم وقيمهم وتاريخهم).

وأرجوكم أن تكفوا عن الأسطوانة المشروخة بتجاهل (نجاة الصغيرة).

يا أيها السادة إن الفنان الحقيقي تكريمه يحدث يومياً في كل مرة يستمتع فيها الناس بفنه، ولا أحد يستطيع أن يتجاهل (نجاة الصغيرة)، وإن تجاهلها فالسبة تلحق به لا بها.

(نجاة الصغيرة) ..شهوة الاستعراض والدعاية وفرض السيطرة المالية على عالم الفن والإبداع

شهوة الاستعراض والدعاية

ولا يكاد يمر يوم لا أسمع فيه صوت مطربتى الرائعة ومنذ أسابيع كتبت في هذا المكان مقررا أنها تفوقت على أستاذها الكبير موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، في أغنية (لا تكذبي) التى لحنها لها.

كما أنها فاقت (عبد الحليم حافظ) الذي حاول أن يخطف منها الأغنية عندما غناها بعدها، لكن بقيت (لا تكذبي) مرتبطة – وكأنه ارتباط شرطي- بصوت وأداء (نجاة الصغيرة).

ثم هات لى أغنية واحدة لنجاة لم تتفوق فيها أو أن الناس نسوها!

ولا أكف عن ترديد هذا الكلام كلما سنحت الفرصة أو هبت علينا سيرتها ودائما ما أقول لمن حولى إن (فيه ناس كانوا بيحبوا مخصوص علشان يسمعوا أغانى (نجاة الصغيرة).

لكن شهوة الاستعراض والدعاية وفرض السيطرة المالية على عالم الفن والإبداع لاستثماره في أغراض دعائية، تحاول أن تتحكم في كل شيء!.

(كل شيء.. كل شيء!).

وكما قال أمير شعراء الرفض أمل دنقل

(مَنْ يَمْلكُ العُملَةَ يُمْسِكُ بِالوَجْهَيْنِ

والفُقَرَاءُ بَيْنَ بَيْن!).

إقرأ أيضا : بهاء الدين يوسف يكتب: تكريم (نجاة) والهروب الكبير لقوة مصر الناعمة!

………………….

أصارحكم بأننى شعرت بغصة، لا.. بل بإهانة.. حتى الذين قبلوا ما حدث على مضض بررروا قبولهم بأن المبلغ الذي لابد أن (نجاة الصغيرة) تقاضته سوف ينفعها في شيخوختها أو تعين به الأبناء والأحفاد في مواجهة صعوبات الحياة التى صار يصرخ منها الغنى والفقير معا.

أما ما حدث وقد حدث، فرجائى ألا يتكرر مع (فيروز) ما حدث مهما كان من الضغوط والإغراءات.

كذلك أنصح المطرية الكبيرة (عفاف راضي) – لأنى أشعر أن الدور عليها – ألا تكرر ما حدث لو تم عرض الأمر عليها إلا بنا يحفظ كرامتها، كذاك كل فنان وفنانة مصرية أو عربية!.

يا عالم حسسونا أن هناك قيمة فوق سلطان المال، فما نحن فيه ليس سوى نتيجة لطغيان هذا السلطان الذي يحاول فرض سطوته على كل شيء (كل شيء.. كل شيء!).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.