رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: (المؤلف) المصري القديم.. التركيب الحسي  الجمالي للكلمات

بقلم الدكتور: كمال زغلول

التأثير هدف الفن الأساسي، و(المؤلف) المصري القديم كان على وعي تام بأن العملية الفنية هى عملية تأثير يتأثر بها الجمهور المشاهد، ليشعر بالمتعة الجمالية التي هي غاية الفن.

و(المؤلف) المصري القديم، كان يتعامل في مسرحة مع شخصيات تاريخية شعبية، بمعني تشعبها في ذاكرة الشعب المصري، وأن الوجدان المصري القديم تربي على هذه الشخصيات، فهي جزء من ذاكرته الشعبية.

ولهذا عندما ألفها (المؤلف) المصري القديم ، كان يعي ذلك تماما، واستخدم معاني فن التمثيل في تمثيل هذه الشخصيات، فمن معاني فن التمثيل تصوير الشخصية كتابة، من حيث المظهر الخارجي للشخصية.

ومن معانيه أيضا الكلام الذي تنطق به هذه الشخصية، ولما كان فن التمثيل يعمل على إظهار الصورة الفنية التي في عقل المؤلف إلى واقع تدركه الحواس الإنسانية، في مظهر تأثيري للمشاهد.

إقرأ أيضا : كمال زعلول يكتب: (إيزيس) .. والانتصار على ست !

فقد استعمل (المؤلف) التركيب الحسي للجمل الكلامية للشخصيات، بمعني أن كل كلمة داخل كلام الشخصية مركبة في جملة، تعطي صورة جسمانية تدل على الشخصية، أو صورة حسية تدرك بالحواس.

وكلا الصورتان لها تأثير على المشاهد، إما ذهني تخيلي وإما شاعري محسوس، ولكي ندلل على هذا نأخذ بعض الأمثلة التي تشرح لنا كيفية تركيب كلام الشخصيات في النص المصري القديم.

أولا: مشهد تمثيلي ، يصور الصورة الجسدية لحور ، وقوته الجسمانية

حورس: ما اسعد هذا اليوم!، لقد ألقيت حربتي بشهوة!

ما أسعد هذا اليوم ! يدي لديها السيطرة على رأسه!

لقد ألقيت على أبقار فرس النهر في مياه عمقه  ثماني أذرع.

لقد ألقيت حرابي على ثور مصري السفلي في مياه عمقها عشرين ذراعا.

ونصل حربتي طولها أربع أذرع، وحبل طوله  ستين ذراعا.

وفي يدي رمح  طوله ستة عشر ذراعا.

وأنا  شاب طولي  ثمانية أذرع.

لقد ألقيت واقفا في حرب مغلي على ماء عشرين ذراعا.

لقد رميت بيدي اليمنى، وأرجحت بيدي اليسرى.

كما يفعل رجل مستنقع جريء!

يستعرض (المؤلف) القوة الجسمانية لحور

(المؤلف) والقوة الجسمانية

في هذا المشهد يستعرض (المؤلف) القوة الجسمانية لحور، ويختار كلمات وصفية مركبة في جمل ليصور لنا هذا المشهد، فيصف حور بطول ثمانية أذرع ( عملاق ) ويصف الأسلحة التي يحملها دليل القوة.

ويصف فرس النهر (رمز شخصية ست) وضخامته، كل كلمة في هذا الكلام مركب في جملة مقتضبة، وكل جملة مركبة بشكل متسلسل مع الجملة التي تليها بصورة وصفية.

وهذه الجمل الوصفية تأثيرها على المشاهد كبير، فذاكرة المصري أن سكان مملكة الأمنتت، كان طوال القامة ذو قوة (عماليق ) وجميع ما يستخدمه حورس من أسلحة عملاق مناسب لصورته الجسدية العملاقة.

وهذه الجمل الوصفية الكلامية على لسان حورس، تجعل المشاهد يعمل ذهنه في تخيل هذه الشخصيات على طبيعتها، حيث أن ممثل تلك الشخصية لم يكن بالصورة الجسدية لحور.

وعندما يكون كلام الشخصية واصفا لذاته مستعرضا لأسلحته ومستعرضا المعركة، فإن المؤلف يجبر المشاهد على المشاركة بخيالة ليتصور هذه الشخصية على طبيعتها الممثلة ، فـ (المؤلف) أدخل المشاهد إلي قلب الحدث.

إقرأ أيضا : كمال زغلول يكتب: (إيزيس) وست.. الصراع المميت !

وكأنه يراه واقعا من خلال التركيب الكلامي الحسي، وبهذا يحقق المتعة الجمالية للمشاهد، ويجعل تأثير الكلمات عليه، تأثير خيالي في ذهنه.

وبهذا يكون (المؤلف) قد صنع تركيب جمالي للكلمات عن طريق الانتقاء لهذه الكلمات وتركيبها في جمل وصفية.

ثانيا: مثال آخر للتأثير الحسي للكلمات.

إيزيس: أنا إيزيس التي حملت من زوجها وولدت الإله حور، لقد ولدت حور ابن أوزيريس وسط مناقع خميس، واغتبطت من ذلك جدا جدا، لأنى رأيت فيه ذلك الذى سوف يثأر لأبيه.

لقد كنت أخفيه، وبدلت ملامحه مخافة أن يقتل، وهجرت مكاني أطلب رزقا حتى لا يحس العوز، وكنت أمضى اليوم ساعية بينما ظل الطفل وحيدا، وعدت لأقبل حور، ووجدته أي حور الذهبي الجميل.

ذلك الطفل الذى فقد أباه وهو في المهد ، والذى بلل الأرض بماء عينيه ولعاب شفتيه وكأن قلبه هامدا وقلبه لا يحس، وكانت شرايين لحمه لا تنبض.

صرخت قائلة: وابؤساه ها هو ذا طفلي يهلك جوعا وثدياي هواء، وإن فمه ليبدوا فاغرا طلبا للغذاء، واطفلاه لقد نضب المعين.

يستعرض (المؤلف) المصري القديم رحلة إيزيس في تربية ابنها بعد ولادته

(المؤلف) ورحلة إيزيس

كلام إيزيس السابق، يستعرض فيه (المؤلف) رحلة إيزيس في تربية ابنها بعد ولادته، وفي هذا المشهد نجد (المؤلف) صور بالكلمات المشاعر الداخلية لإيزيس، وقد أنتقي تلك الكلمات ببراعة لغوية، وركبها في جمل، حسية تعبيرية.

فإيزيس تصف هنا الكيفية التي أخفت بها ابنها عن (ست) بتغير ملامح وجهه، وكيف أنها تمضي طوال اليوم ساعية لطلب الرزق، لكي تطعم ابنها، والجملتان (إخفاء ملامح الطفل )، و (خروجها لطلب الرزق) الصورة الشاعرية للأم  بهما.

فهما يبرزان المشاعر الداخلية للأمومة في كيفية الحرص الشديد على إخفاء الطفل، والبحث عن الطعام لكي تطعم نفسها، حتى يرضع الطفل، ثم عند عودتها ترى الابن حور في صورة مزرية.

انتقي كلمتها (المؤلف) بعناية، في كلمات تركيبها مؤلم، (بلل الأرض بماء عينية، ولعاب شفتيه) دلاله عن البكاء الشديد للطفل والذي بسببه كاد أن يفقد ماء جسده.

ثم ينتقل المؤلف بكلماته وجمله الحسية على لسان إيزيس، لتعبر على أنها لا تسطيع أن تجد ما يطعمها حتى تطعم الطفل حليب ثدييها، بسبب ذلك سوف يهلك الطفل وتقول وابؤساه.

ها هو ذا طفلي يهلك جوعا وثدياي هواء، أي فارغة من الحليب، ونلاحظ أن الكلمات تعبر عن مشاعر الجوع الشديد الذي يمر به الطفل، وعن معاناة إيزيس في البحث عن غذاء تقتات به حتي يمتلئ صدرها بالحليب.

ولكن محاولتها في الحصول عليه كانت صعبة ولم تجد وبالتالي سوف يهلك الطفل من الجوع لأن صدر أمه فارغ، إن كلام إيزيس صورة شاعرية ممثل بالكتابة، دالة على هول ما فعله بها ست عندما وضعها في المستنقعات.

وهكذا نرى أن المؤلف المصري القديم انتقى واستخدم الكلمات والجمل الحسية (الجمالية) في التعبير التمثيلي، بدقة في الفهم الحقيقي لفن التمثيل وتأثيراته المختلفة على المشاهد.

إن الكلمات التمثيلية الشعورية بتركيبها هى من أقوى الكلمات التي تؤثر في المشاهد ولذلك فانتقاء هذه الكلمات وتركيبها في جملة لها تأثير .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.