رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

نزيح الستار عن الكواليس المجهولة في مسرحية (سيد درويش) .. (1/ 3)

كتب: أحمد السماحي

من الأعمال الفنية المهمة التى قدمت عن فنان الشعب (سيد درويش) الذي نحيي هذه الأيام الذكرى المئوية لوفاته، المسرحية المتميزة (سيد درويش) تأليف صلاح طنطاوي، وبطولة محمد نوح، ووداد حمدي، وإخراج أحمد طنطاوي ومحمد توفيق.

هذه المسرحية التى قدمت فيها مجموعة كبيرة معروفة ومجهولة من ألحان (سيد درويش)، بداية من هذا الأسبوع ولمدة ثلاث أسابيع قادمة نستعرض كواليس هذه المسرحية كما كتبها مؤلفها صلاح طنطاوي في كتابه النادر (رحلة حب مع سيد درويش) الذي طرح في الأسواق عام 1978.

صلاح طنطاوي : (أعترف بأنني كرهت سيد درويش قبل أن أسمعه!)

سر كراهيتي لـ (سيد درويش)

في البداية يقول صلاح طنطاوي : (أعترف بأنني كرهت السيد درويش قبل أن أسمعه، وسبب الكراهية بالتحديد هو ما كنت أقرأه في المجلات والجرائد عن (سيد درويش)!

سنوات وأنا أقرأ عنه، وأرى اسمه مقرونا بلقب (خالد الذكر)، هذا اللقب الذي كان يقع من أذني موقعا غريبا ويعطيني عن (سيد درويش) انطباعا غامضا غير مفهوم مثل أسماء بعض جماعات الطرق الصوفية.

في كل ما قرأته لم أجد شيئا يفسر لي فن (سيد درويش) أو يوضح دوره في الموسيقى بقدر ما كنت أجد مدحا أو قدحا شخصيا لـ (سيد درويش).

ومرت السنوات وأنا لا أعرف عن (سيد درويش) إلا أنه (خالد الذكر)، ثم طال انتظاري ولم أجد شيئا، ولم أسمع لحنا واحدا، وأين كنت أسمع؟! فانتقلت من الحذر من السيد درويش إلى الإستخفاف به.

إقرأ أيضا : في مئوية (سيد درويش): نكشف عن عمل نادر جمعه بمحمد نوح

أعتبرت أن (سيد درويش) هو خالد الذكر فقط على أساس أن (خالد الذكر) هذه ماركة قديمة ارتبطت به (ماتفهمش ليه؟) كالأعلانات التى ترتبط ببعض الأدوية أو المحلات التجارية.

وإلا فما هي أسباب خلود ذكر (سيد درويش)؟، هكذا سألت نفسي، أنا أعرف أن (بيتهوفن) خالد، وأن (مايكل انجلو) خالد، وأن (أحمد شوقي) خالد.

ولكنني في نفس الوقت أعرف أسباب خلودهم، فقد سمعت موسيقى بيتهوفن، ورأيت لوحات وتماثيل مايكل انجلو، وقرأت دواوين ومسرحيات أحمد شوقي.

 أما سيد درويش فلماذا؟ لم يقدم لي كل ما قرأته عن فن السيد درويش واحدا لخلوده، ولم أسمع جملة موسيقية واحدة له.

إعلان عرض (العشرة الطيبة) للفنان (سيد درويش) على مسرح دار الأوبرا

(سيد درويش) والعشرة الطيبة

يستكمل صلاح طنطاوي حديثه قائلا: في النهاية وصلت بضمير مستريح إلى أن (خالد الذكر) ليس إلا أكذوبة كبيرة خلقتها مبالغات بعض الكتاب الذين يتطرفون دائما في كتاباتهم فلا يقفون إلا فوق سابع سماء، أو تحت سابع أرض، هو أكذوبة إذن!.

ظللت مقتنع بأن (سيد درويش) أكذوبة! حتى قرأت يوما في عام 1959 في الجرائد وفي المجلات وعلى جدران الشوارع إعلانات عن تقديم أوبريت (العشرة الطيبة) على خشبة دار الأوبرا،  بطولة كارم محمود، شهر زاد، شريفة فاضل، إخراج زكي طليمات، قلت لنفسي: حلو قوي، الآن جاءتني الفرصة للحصول على المبرر المادي المنطقي لكراهيتي لـ (سيد درويش).

إقرأ أيضا : تعرف على اللحن الذي حير (سيد درويش) وولد من فم أحد السقايين!

سوف أشاهد الأوبريت، وأسمع الألحان، ثم أخرج بعد ذلك حرا قادرا على الإستمتاع بحياتي دون معاناة البحث عن (سيد درويش)، قادرا أيضا على أن أخرج لساني له، ولكل من يكتب عنه.

هكذا أخذت نفسي وذهبت إلى دار الأوبرا وجلست في الصالة، وبدأ الأوبريت، ووجدتني أجلس منتبها مندهشا متوترا، ثم منجذبا مذهولا مسحورا!.

شعرت أمام هذا الجزء الضئيل الذي شاهدته من فن (سيد درويش) بأنه أجمل موسيقى سمعتها في حياتي على الإطلاق، لم يكن الجمال الفني فقط هو الذي بهرني وسحرني في اللحن.

كان شيئا جديدا كنت أسمعه لأول مرة في لحن غنائي، هذا الشيئ هو الإحساس بأن هذا اللحن لحن مصري دما ولحما وعقلا وقلبا، وعرفت أن الكراهية التى كنت أكرهها لهذا العملاق لم تكن إلا الجهل بأعماله وموسيقاه.

في الصباح التالي استيقظت وأنا أشعر بأن ضوء الشمس أكثر وضوحا وتوهجا وأن الوجود كله أكثر جمالا مما أعرفه، وأنني أحب وطني بشكل ناضج عميق لم أعهده في نفسي من قبل.

وكان لابد أن أعود لمشاهدة الأوبريت مرة أخرى لأتأكد من حقيقة الأكتشاف المزلزل الذي هدم وأعاد بناء مشاعري كلها، وليلة بعد ليلة شاهدت كل ليالي (العشرة الطيبة) وحفظت الألحان، ثم عدت من جديد أفكر في لقب (خالد الذكر) فأدركت أن هذا اللقب أقل بكثير من عبقرية (سيد درويش).

صلاح طنطاوي: لست أدري من أين تسربت لي فكرة كراهية (سيد درويش)

البحث عن (سيد درويش)

بدأت أبحث عن (سيد درويش)، أردت أن أعرف كل شيئ عنه، كيف عاش؟، متى عاش؟، أين عاش؟، كيف صنع ألحانه العظيمة؟ وأردت أن أسمع ألحانا أخرى لـ (سيد درويش)، وقد كان من خلال الجمعية الخاصة به.

و بعد أن اقتربت من عالم (سيد درويش) عن طريق ألحانه، خاصة المجهول منها، سألت نفسي هل أستطيع أن أقوم بدور في سبيل السيد درويش؟!

هذا السؤال وجدته يلح علي بعد أن امتلأت نفسي له بالحب والتقدير حتى شعرت أن صدري يكاد أن ينفجر لشدة ما يتزاحم داخله من مشاعر.

وكتبت مقال وأكثر عن فن (سيد درويش)، لكن ما قيمة ألف مقال أمام عظمة هذا العملاق؟ وهل أنضم أنا أيضا إلى قائمة الذين يكتبون فقط عن هذا الأسطورة.

لابد من عمل شيئ أكثر حيوية وأكثر دلالة، شيئ يمكنني من خلق الفرصة لإذاعة بعض ألحان (سيد درويش)، ولسماع هذه الألحان مع الناس، وعند ذلك بدأت تراودني فكرة كتابة مسرحية عن (سيد درويش).

إقرأ أيضا : نكشف لأول مرة: سر عدم غناء أم كلثوم لـ (سيد درويش)!

كانت تقديم عمل مسرحي عن (سيد درويش) فكرة جريئة أدهشتني وأذهلتني كأنني عرضت على نفسي أن أشيد هرما جديدا مثل هرم خوفو العظيم، ولم يكن خوفي من كتابة مسرحية فقد كتبت قبلها مسرحيتين هما (روض الفرج، خان الخليلي) وعرضهما المسرح بنجاح وأخرجهما لي المتفوق دائما حسين كمال.

كان خوفي من إحساسي بعظمة الشخصية التى أريد تقديمها، وعظمة فنه، وسألت نفسي كيف أجرؤ على الاقتراب من هذه العظمة؟ وماذا أستطيع أن أقول، ولكن الفكرة لازمتني ورفضت أن تفارقني فقلت لنفسي أنه من حق الإنسان أن يحلم، فلأحاول إذن ولأكتب، وأيا كانت النتيجة فيكفيني سعادة معايشتي لـ (سيد درويش) أثناء دراستي لحياته وكتابتي عنه.

وأسعدني أن أعثر على كتابين هامين عن (سيد درويش)، الأول كتاب (قصة سيد درويش) للأديب محمد محمود دوارة، والثاني كتاب (سيد درويش) للدكتور محمود أحمد الحفني.

.. وبدأت رحلتي مع مسرحية (سيد درويش)!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.