رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عمالقة الشر في السينما المصرية .. زكي رستم (1)

يسعد أسرة تحرير بواية (شهريار النجوم) أن تستضيف الكاتب والناقد والمؤرخ السينمائي الكبير (محمود قاسم) ليكتب لنا بداية من هذا الأسبوع سلسلة من الحلقات النقدية والتوثيقية عن (عملاقة الشر في السينما المصرية)، والذين أثروا حياتنا السينمائية المصرية والعربية، ومن قبيل المصادفة أن تواكب حلقته الأولى عن العملاق (زكي رستم) ذكراه الـ (49) هذه الأيام، وتحديدا يوم (15 فيرير 1972).

محمود قاسم

بقلم : محمود قاسم

لو قارنا عدد الأفلام التي مثل فيها زكي رستم بين عامي 1930 و 1967، فهي أقل بكثير مما مثله أقرانه الذين بدءوا معه ، خاصة سراج منير الذي شاركه بطولة أول أفلامها معاً عام 1930، وهو (زينب) رغم أن زكي رستم قد أطال الله في عمره بعد وفاة صديقه بخمسة عشر عاماً .

ورسم هو أهم عباقرة التمثيل بلا منازع في السينما المصرية، فلديه قدرة غريبة على التقمص والاندماج، وأن يقنع المشاهد بأدائه مهما كان حجم الدور الذي يسند إليه، فأنت تصدقه بقوة حين يكون شريراً، وبالقوة نفسها وهو رجل طيب، إنه ممثل يصنع الدور مهماً كان صغيراً أو مهما تباينت أهميته، وقد ساعدته عدة عوامل لأن يتبوء تلك المكانة التي عرفت عنه، فالصورة المنشورة في عام 1925 في إحدى المجلات لشاب مفتول العضلات، كبطل رياضي في الثانية والعشرين من العمر تعكس إلى أي حد ساعده تكوينه الجسماني أن يؤدي دور العمالقة، في الخير والشر معاً، وفي هذا العام كان يعمل في مسرح جورج أبيض، ثم انتقل إلى فرقة رمسيس، وفيما بعد عمل في العديد من المسرحيات مع عزيز عيد .

أجاد أدوار الباشا وكل دور مختلف عن الآخر

أدواته إذن: هى موهبته في الأداء وتكوين جسماني مميز وصوت أجش يستخدمه بمهارة ، فهو واضح الألفاظ ، بطيء النطق إلى حد ما لا يبتلع الحروف، وقد وضعت السينما عيناها عليه ليكون (الوغد، والشرير، والمجرم، والخارج عن القانون) منذ فيلمه الأول (زينب) إخراج محمد كريم عام 1930، فقد أسند إليه دور الزوج حسن الذي يتزوج من زينب وهو يعلم أنها تحب إبراهيم، أي أن قلبها ليس معه، لذا فإنه يتعامل معها بقسوة ملحوظة، وهو رجل ثري يلوي عنقها حتى تحبه ويمنعها من رؤية حبيبها، إنه رجل متسلط لم يهنأ معها بحياة أسرية، فبعد رحيل الحبيب إلى الجهادية، فإن الدرن يخترق رئة الفتاة الريفية وتموت .

وفي عام 1932، قام زكي رستم بدور (برعي) زعيم المخدرات في فيلم (الضحايا) من إخراج إبراهيم لاما ، والذي يتزوج من امرأة جميلة لا تعلم عنه شيئاً بعد أن رفضته مراراً، ومشكلة برعي الزوجية أنه رجل فظ وخارج عن القانون، وأن عروسه تحب ضابط مباحث توكل إليه مهمة القبض على الزوج، وأنه سوف يتزوج من شقيقة الزوجة، وبرعي هنا لا يملك إزاء زوجته سوى أن يعذبها وأن يمنعها من لقاء حبيبها.

شر موظف دراميا

إذن، فنحن أمام دور مشابه وإن كان حسن قد ارتدى ملابس الريفي الثري، فإن برعي هو زعيم العصابة التي يتخفى في زي رجل من أعالي المجتمع ،وإذا كان زكي رستم قد حاول الخروج عن هذه الأدوار التي رأيناه فيها في أفلام مثل (الوردة البيضاء)، فإنه ابتعد عن السينما لأسباب لا نعلمها طوال ثلاث سنوات إلى أن شاهدناه عام 1937 في فيلم (ليلى بنت الصحراء) كي يعمل مجدداً أمام المخرجة الممثلة بهيجة حافظ ليقوم بدور كسرى الذي يعمل على خطف الفتاة البدوية الجميلة ليلى حتى يحترق قلب ابن عم ليلى (البراق)، حيث أن هناك من أبناء القبيلة من يشعر بالحقد والغيرة من البراق، ومن جديد فإن الممثل هنا يؤدي دور الرجل العاجز عن استمالة امرأة إلى قلبه فهي تحب شخصاً آخر، فليلى التي اختطفها تحب البراق، لذا فإنه يقوم بتعذيبها تعبيراً عم في داخله من مشاعر العجز والغل وكسرى هنا لا يمارس قسوته فقط تجاه ليلى بل أيضاً ضد كل من يحاول أن يعيد ليلى إلى قبيلتها وحبيبها، وقد وصل الأمر بليلى أن كسرى قد أمر حراسه بضربها على موطن العفة فأرسلت قصيدة بذلك إلى قبيلتها مما دفع البراق أن يأتي إلى بلاد فارس لإنقاذها .

فرغم تكرار الشخصية الممثلة في ذلك الظالم المستبد المقتدر مالياً، فإن زكي رستم غير ملابسه والمكياج في هذه الأفلام ولم تعرف الرحمة أو التسامح طريقهما إلى قلبه، لكن الممثل لم يشأ أن يحبس نفسه في هذا الإطار، وفي عام 1939 رأيناه في دور الرجل الطيب، رجل الأعمال العصامي الذي يؤمن بدور الشباب في تطوير المجتمع، لكنه يعود مرة أخرى إلى دور العاشق المحروم في فيلم (زليخة تحب عاشور) إخراج أحمد جلال عام 1940، فهو الرجل الذي يأويه قريبه عاشور في بيته ويحاول أن يستميل قلب زوجة عاشور إليه ليدفعها إلى الحب الحرام، لكنه يفاجأ بوفائها لزوجها وإخلاصها له فيدبر للتفريق بين عاشور وزليخة ويدير المكائد، منها دفع فتاة سيرك في طريق الزوج كي تلهيه عن زوجته، إلا أن هذه الفتاة تشعر بمدى طيبة عاشور وتنجح في إعادته إلى زوجته بينما يغادر الغريب الشرير البيت .

محامي في فيلم هذا جناه أبي

وفي فيلم (الشريد ) عام 1942 لهنري بركات، يقوم زكي رستم بدور مشابه فهو حسين الذي يحب الفتاة سهير، إلا أن صديقه محمد يتزوج منها، أي أن هناك فاصلاً دائماً بين الشخصية التي يجسدها الممثل والمرأة التي يحبها، مما يدفع حسين إلى اللهو وقضاء أوقاته بين الميسر والشراب ويسوء حاله ولا ينقذه مما أصابه سوى صديقه محمد (زوج حبيبته)، ويحدث أن يتواصل حسين مع سهير ، ويشتعل حبهما من جديد، ويكتشف محمد خيانة زوجته مع صديقه حسين .

هى إذن نماذج محددة، نمطية، مصنوعة كي يختار ممثل من طراز زكي رستم، وأجزم أنه لم يكن في السينما المصرية ممثل له شعبيته يقوم بأدوار البطولة الثانية يمكنه أن تسند إليه هذه الأدوار سوى زكي رستم، وكما أشرنا فإنه ليس لدينا تفسير محدد للسبب الذي جعل الممثل يعزف عن العمل بالسينما، فهذه الأدوار تدر الكثير من المال والطلب على الممثل، ولا أعتقد أن السبب هو انشغال زكي رستم بالمسرح ولكن التفسير الأمثل أن زكي رستم كان يميل إلى العزلة ولم يكن رجلاً اجتماعياً، لذا فإنه كان يطلب بالاسم لأداء مثل هذه الأدوار وغيرها، فهو يؤدي دور الزوج الطيب في فيلم (المتهمة) لبركات ، المأخوذ عن مسرحية (المرأة المجهولة).

يكفي أن نقول أن زكي رستم لم يعمل بين عامي 1940و1945، أي طوال ست سنوات سوى في ستة أفلام فقط، منها فيلم (ليلى البدوية)، التي أعادت بهجة حافظ إخراج أجزاء منه كي يتناسب مع الظروف السياسية ا لجديدة ومصاهرة إيرانية مصرية، مما يعني أن الممثل لم يعمل سوى في خمسة أفلام فقط، لكن في العام 1945 رأيناه فقط في خمسة أفلام، وسوف يتبع ذلك نشاط ملحوظ له، في السنوات التالية .

وقد تنوعت أدوار زكي رستم في هذه الأفلام الخمسة بشكل ملحوظ ، ففي (الحياة كفاح) لجمال مدكور يقوم بدور الأب الذي يعترض على زواج ابنه الوحيد من ممرضة أحبها فيطرده هو وزوجته من المنزل ليعيشا حياة الشقاء، والأب لا يتراجع قط في موقفه تجاه ابنه إلا بعد أن ينفصل عن زوجته التي لم تشأ لزوجها أن يعيش معها في شقاء، وهو الذي لم يفلح في الكفاح كي يكون مستقلاً، ويظل الأب القاسي على موقفه إلى أن يعرف الزوج الحقيقة فيعود إلى زوجته رغماً عن موقف أبيه .

صابر في معلهش يا زهر

وإذا عدنا إلى التكوين الجسماني لزكي رستم الذي كان سبباً في إسناد هذه الأدوار إليه، فإن الممثل المولود عام 1903، كان أبا لأنور وجدي المولود في العام التالي له، أي أنه يصغره بعام، وقد تكررت هذه الظاهرة بين الممثلين في أفلام تالية، إذن فضخامة جسم الممثل وصلعته وشاربه قد أعطوه الفرصة ليلعب دور الأب لرجل في مثل سنه وكان الاثنان في تلك الآونة قد تجاوزا الأربعين من العمر .

وفي العام نفسه جسد زكي رستم دور الأب المحامي الذي يوكل له صديقه المقرب أن يدافع عن ابنه ضد فتاة تتهمه بأنه أغواها وأنها حامل منه، هذا المحامي الماهر في المرافعات يبدو متشدداً فيما يخص مسألة الشرف، وهو لا يعرف المراجعة في هذا الشأن ويستخدم مفردات لفظية عن الشرف والخطيئة ضد الفتاة التي سلمت شرفها لرجل آخر في قاعة المحكمة، وذلك في فيلم (هذا جناه أبي) لبركات، إلا أنه يكتشف أن الفتاة هى ابنة من امرأة أخطأت معه وماتت وتركت الابنة (صباح) لأسرة تولت تربيتها، ويكتشف أن مسألة الخطيئة تتكرر، ونحن هنا أمام واحد من الأفلام القبلية التي يحدث فيها تحول ملحوظ للشخصية التي يجسدها من التصلب في موقف إلى العكس تماماً، فهو يدافع بالقوة نفسها عن ابنته الخاطئة ضد صديقه الذي سبق أن وكله حتى تتم المصاهرة، وقد أبدع زكي رستم في الموقفين معاً، موقف المحامي الصداح ضد الخطيئة، ثم موقف المحامي الذي يدافع عن خطأ حدث لابنته من شاب لاهي.

ومن المقارنة يمكن أن نكتشف عظمة الممثل، المقارنة بين الأدائين في مشاهد متقاربة ومقارنة ما جسده زكي رستم هنا وبين الدور نفسه الذي جسده فريد شوقي عام 1980 في فيلم (عاصفة من الدموع).

وفي العام نفسه 1945 جسد زكي رستم دور الشرير في فيلم (قصة غرام) إخراج محمد عبدالجواد، فهو الرجل الظالم الشرير الذي استولى على ثروة هدى ويتولى تربيتها ويتفنن في إذلالها وتعذيبها مع قريبها جلال ويتعمد أن تعمل كخادمة في بيته، وتتمكن هدى من الهرب من نير ولي أمرها إلا أن جلال يقع في قبضته فيحبسه في كوخ بالمزرعة ويتفنن في تعذيبه، ربما تعود هدى يوماً ما إلا أن جلال يواجهه ويقاتله بشراسة ملحوظة ويتخلص من سطوته كي يذهب للبحث عن هدى .

مشهد من ثاني أفلامه الضحايا

وفي عام 1946 ظهر زكي رستم مجدداً في خمسة  أفلام، فهو في فيلم (ضحايا المدينة) لنيازي مصطفى، ضابط شرطة يعاني من تذمر زوجته وهو في (النائب العام) رجل قانون إلا أنه يعود إلى دور الزوج البالغ القسوة في فيلم  (هدمت بيتي) إخراج حسين فوزي، فهو شعبان الصيدلي القاسي القلب الذي لا يعرف الرحمة، يعامل أهله المتمثلين في أمه وزوجته وابنه وابنته بمنتهى القسوة، كذلك العاملين بالصيدلية الذين يفضلون أن يتركوا العمل على أن يعملوا معه. 

صارت الأدوار نمطية، لكن زكي رستم يعطيها قيمة ومعنى، فالأب تشتد قسوته حين يعرف أن ابنته أحبت موظفاً يعمل لديه في الصيدلية ويقوم بطرد الموظف، وتبعاً للقسوة التي تشتد في البيت يوماً وراء آخر، فإن الابنة تهرب من المنزل وعلى إثر ذلك تمرض الزوجة وتموت، بينما يفشل الابن في الدراسة ويقرر الانتحار وتسوء الأحوال المهنية بشعبان الذي يصاب بالإفلاس، إنه دور مكرر للممثل الذي يدفع حياة أبناءه ثمناً لقسوته مثلما سنراه يفعل فيما بعد في فيلم (عائشة).

وفي فيلم (الهانم) لبركات أيضاً عام 1947 فإن زكي رستم يعود لدور مهرب المخدرات واسمه هنا حافظ الذي يرق قلبه لامرأة قادمة من الشام  توهم ابنتها أنها صارت ثرية في مصر وتدعوها إلى القاهرة لتقيم لها حفل خطبة وتلجأ إلى حافظ وتحدثه عن ظروفها فيعيرها فيلته، وفي يوم الخطبة تقرر الشرطة مهاجمة الفيلا، وحتى لا يتم إفساد الخطبة فإن حافظ يعترف بنشاطه بشيء من النبل ويرشد الشرطة عن أعماله في مقابل عدم إفساد الحفل .

نحن هنا أمام رجل نبيل وإن كان مهربا للمخدرات وهو يمر بمرحلة من الإجرام إلى الصفاء الذاتي مثلما سبق أن رأيناه في (هذا جناه أبي)، وقد لعب زكي رستم الدور نفسه (تاجر المخدرات) الذي يتوب ويدفع ثمن إجرامه، فهو رب الأسرة الذي يتاجر في المخدرات عندما تهاجم الشرطة البيت فإن الابن يدعي أن المخدرات ملك له ويتم سجن الابن بينما يموت الأب من الحزن والندم، وهذا الدور قام زكي رستم بأدائه مرة أخرى عام 1961 في فيلم (أعز الحبايب).

في نهر الحب

وفي فيلم (خاتم سليمان) لحسن رمزي يلعب الممثل دور بيومي صديق العم الذي يعمل بالعطارة وهو رجل غامض مريب، وعندما يتقدم بيومي لخطبة الفتاة ليلى فإن العم يرفض الطلب بقسوة ويعود بيومي إلى شقته المتواضعة منكسراً ويتمنى لو كان يملك مال الدنيا لينال ليلى وفجأة يعثر على خاتم في بطن سمكة من السمك الذي ينظفه، إنه خاتم سليمان يلبي له طلباته ويتحول إلى حسني باشا الثري ويتقدم مرة أخرى إلى العمل  الثري، ويبدأ في ممارسة سحر شرير على ليلى كي يسلبها إرادتها ، وفيما بعد يدور صراع بين بيومي والعم وسالم لامتلاك الخاتم.

الشرير هنا هو العاشق الذي لا يمكنه امتلاك قلب من يحب حتى وإن كان يمتلك خاتم سليمان، وهو الثري المقتدر فاقد العاطفة الجلف جامد القلب تجاه الآخرين ،وهو كما شرحنا دور أسنده المخرجون دوماً في أفلامهم إلى زكي رستم الذي توقف مجدداً عن التمثيل لمدة ثلاثة أعوام دون أي سبب ظاهر كي يعود في دور الرجل الطيب جداً عام 1950 في (معلهش يا زهر) لبركات ، فهو الأب الذي يواجه المتاعب في البيت والعمل  ثم هو الجد الثري في (ياسمين) لأنور وجدي .

وفي عام 1951 عاد إلى أدوار الشر المؤقت في فيلم (أنا الماضي) لعز الدين ذو الفقار، وهو دور رجل  زج به صديقه في السجن ظلماً، لذا  فحسب قانون الانتقام في السينما فإنه يسعى للانتقام ممن ظلموه وكانوا السبب في حبسه خمسة عشر عاماً، وعندما يخرج حامد من السجن لا يجد صديقه الذي زج به إلى الحبس، ويبدأ حامد في البحث عمن ينتقم منهم فيجدهما قد ماتا ويحدد انتقامه في الشابة سامية التي تصغره بكثير وهي ابنة إلهام التي كانت السبب في سجنه فيحاول إيهام سامية أنها مجنونة ويبث الرعب في قلبها من خلال أشباح مزيفة تساعده في ذلك أخته (نجمة إبراهيم) حتى تصل سامية إلى حافة الجنون، لكن حامد لا يلبث أن يتغير عندما يعرف أن زوجته حامل فيتراجع عن خططه الشريرة .

نحن هنا أمام شرير لا يلبث أن يصفو من مشاعره عندما تتغير الظروف، وهو منذ البداية بريء إذن فهو ليس في حاجة إلى عقاب أسوة بالمجرمين في الأفلام الأخرى، والجدير بالذكر أنه حتى الآن فإن شخصيات الأشرار الذين جسدهم زكي رستم كانوا في طريقهم إلى الصواب والتوبة والصفاء أو الخلاص للأفضل، وكما سنرى فإنها أفلام قليلة تلك التي تنال فيها الشخصية التي يجسدها العقاب على أيدي رجال الشرطةأو بالموت مثلما حدث في فيلم (النمر).

مع عملاق آخر في أدوار الشر محمود المليجي

الدور الذي لعبه زكي رستم في هذا الفيلم عام 1952، كان واحداً من أكثر أعمال عبقرية وشراً، فهو ناحية عامل بار طيب القلب خفيف الظل لكنه على الجانب الآخر ودون أن يعرف أحد يرأس عصابة لتهريب المخدرات ويتصرف بوحشية مع رجاله وخصومه، له ابنة تعمل في الصالة وهى كما سنعرف ابنة زوجته التي أصابها الشلل .

التناقض الحاد بين الشخصيتين لا يمكن أن يحدث الفارق بينهما سوى زكي رستم، فالرعب الذي يسببه لخصومه أو الذين ينشقون عنه، يبدو واضحاً في المشهد الذي يمزق ملامح أحدهم ويبث في قلبه الرعب فهو لا يقتل قتلاً عاداياً، ولكن بدون شفقة وبكل ما يثير الخوف والرعب في القلب .

النمر هنا رجل مزدوج الوجه، إلا أننا كمتفرجين سرعان ما نتعرف على هذين الوجهين، بينما يتعذر ذلك على من يبحثون عنه ومنهم الضابط الذي يتخفى في شخصية صحفي من ناحية  وابنته من ناحية أخرى، كما أن النمر هنا مهرب وقد سبق أن قتل والد الفتاة التي تعتقد أنه أبوها وأصاب زوجته بالشلل من الرعب الذي أحاطها به .

وقد تكررت هذه الشخصية في عام 1952 من خلال (بائعة الخبز) إخراج حسن الإمام عام 1953، وهو هنا يقوم بدور عبدالحكيم رئيس العمال والذي قتل صاحب المصنع عندما ضبطه يسرق الخزانة ويتهم خديجة (أمينة رزق) بأنها أحرقت المصنع، يختفي عبدالحكيم بعدالجريمة كي يعود بعد سنوات في ثوب جديد وباسم غريب أبو شامة، وقد أصبح من الأثرياء ويشتري مصنعاً في البلدة، نحن هنا أمام رجل مزدوج الوجه فهو ناجح في عمله طيب يعمل الخير، لكن ماضيه كقاتل يطارده بقوة، فعندما تخرج خديجة من السجن يصبح عليها أن تكشفه من جديد،  وتتعقد الأحداث هنا فابنة هذا المجرم تقع في حب مدحت الذي سبق للأب أن قتله وتنمو بذرة القاتل القديم في أعمال غريب الذي يحاول قتلها، إلا أن محاولته لا تنجح وتذهب خديجة إلى منزله أمام ابنته وتواجهه ويعترف بأنه هو المجرم الحقيقي ويبريء خديجة، والعقاب هنا أن ابنته تموت بأزمة قلبية بين يديه.

في العام نفسه قام زكي رسم بدور مدبولي (بائع اليانصيب) في فيلم (عائشة) إخراج جمال مدكور وهو رجل شديد القسوة خاصة على أسرته وابنته عائشة التي يجبرها على بيع ورق اليانصيب على المقاهى ويدفع ولداه للعمل في النشل، يرتدي الجلباب الشعبي ويضع الطاقية فوق رأسه، لا يكاد يعرف الرحمة قط  ولا أي مراجعة، كل ما يبغيه الحصول على المال من أجل تدبير ثمن الخمر، وفيما بعد يتفاوض مدبولي مع رجل ثري كي يتبنى ابنته عائشة وهى صديقة لابنة هذا الثري على أن يقوم بتعليمها وتربيتها على أحسن ما يكون مقابل راتب شهري، ويحدث أن يتم القبض على مدبولي في إحدى الجرائم وعند خروجه من السجن يذهب في مشهد بالغ القسوة ليأخذ ابنته من الرغد الذي تعيش فيه كي يعيدها إلى الشوارع تبيع ورق اليانصيب، وهذا المشهد وحده ضمن أعمال زكي رستم كفيل أن يجعلك لا تحبه طيلة عمرك وهو (يجر ابنته) إلى عالم سفلي حقيقي ويدفعها إلى أن ترى الأعمال القديمة وأن تبيع أوراق اليانصيب في المقاهي .

ومدبولي هذا الذي يصدم في وفاة ابنه بشكل مأسوي يتغير تماماً ويتحول إلى شخص آخر يتوب إلى الله ويترك الحرية إلى ابنته أن تتزوج من الشاب الثري الذي أحبته .

وعملاً بمبدأ المقارنة أيضاً، فإن فريد شوقي قام بإعادة هذه الشخصية تحت اسم (رجب الوحش) عام 1985، ومن يود التأكدعلى عبقرية أداء زكي رستم الذي ليس له مثيل أن يشاهد الفيلمين معاً مثلما سبق أن أشرنا عنه في فيلم (هذا جناه أبي).

مع فيروز في (ياسمين)

في العام نفسه قدم فطين عبدالوهاب ممثله زكي رستم في دور الحاكم الظالم في (حكم قراقوش) الذي يسعى إلى استمالة فتاة من الشعب تعترض على الارتباط به لأنها تقف ضد ظلمه، لذا فإن قراقوش يعين والد الفتاة رئيساً للوزارة وتستمر الرحلة ضد الظلم، بما يعني أن زكي رستم قد ارتدى ثوب الشرير في الأفلام التاريخية ومنها (مسمار جحا) عام 1952.

وفي عام 1954 لعب دور الباشا في (صراع في الوادي) ليوسف شاهين، وهو الرجل الذي يحتكر زراعة قصب السكر وتصديره وهو يلعب ضد مصلحة ابنته فيعترض على زواجها من ابن شيخ القرية كي يزوجها لابن أخيه الذي يدبر جريمة قتل يدخل على إثرها شيخ القرية السجن ويتم إعدامه، والشر هنا مشترك بين رجلين الباشا وابن أخيه، والجرائم المرتكبة هنا هى القتل والتحريض على القتل بالإضافة إلى المؤامرات والاحتكار الاقتصادي، وفي نهاية الصراع فإن الباشا يموت على يدي سكرتيره ، أو ابن أخيه.

وفي عام 1955 قام زكي رستم بدور رجل يود الزواج من فتاة صغيرة في فيلم (حب ودموع) لكمال الشيخ من خلال الضغط على أبيها الذي سلمه إيصالاً بمبلغ كبير، أما في (رصيف نمرة 5) في العام 1956 لنيازي مصطفى، فهو أيضاً مهرب المخدرات ذو الوجهين وهو أمام الناس ذلك الطيب الذي يؤدي الصلوات جهراً ، ويتصرف بأريحية مع من حوله في حي الأنفوشي، لكنه في الحقيقة مهرب مخدرات يستخدم الطيور في التهريب ويمكنه أن (يقتل) كل من يعترض طريقه خاصة العريف خميس الذي ينجح في معرفة سره، الشرير هنا يستخدم سلاح القتل والمكائد فهو يذهب بنفسه إلى فراش خميس ليقتله ويقتل امرأته التي نامت بالمصادفة في فراشه في تلك الليلة كما يقتل مساعده قبل أن يعترف باسمه كزعيم عصابة، وفي النهاية تدور معركة شرسة للغاية بين خميس وبين المهرب في الميناء تنتهي بسقوطه في أعماق البحر .

الفتوة أحد أهم أفلامه

ولعل شخصية المعلم أبو زيد في فيلم (الفتوة) لصلاح أبو سيف 1957، تعكس كيف تحول المنافسة غير الشريفة في سوق الجملة أباطرة السوق إلى أشرار يسعون إلى التخلص من بعضهم عن طريق القتل بوسائل غير مألوفة فأبو زيد يسوق أحد رجاله لإغلاق باب ثلاجة الخضروات والفاكهة على هريدي ليلة زفافه كي يموت والاثنان معاً يموتان في الثلاجة نفسها في الصراع الأخير، أي أن الشر هنا لم يكن ضد الخير بل ضد شر مثيل له خلقته لغة المنافسة في السوق .

وشيئاً فشيئاً بدأت أدوار الشر تقل في أعمال زكي رستم الذي قل تواجده بشكل ملحوظ كما أشرنا فهو الإقطاعي بالغ القسوة الذي لن يلبث أن ينهزم اقتصادياً في (لن أبكي أبداً) لحسن الإمام عام 1957، وهو الباشا القديم الذي يود شراء الأرض الصغيرة المجاورة لأراضيه الواسعة في (لحن السعادة) لحلمي رفلة عام 1960، وهو زعيم العصابة الذي يخطف طفلة صغيرة في (ملاك وشيطان) لكمال الشيخ عام 1960، ويرسل رجاله لمطاردة أحد أتباعه الذين قرروا إعادة الطفلة إلى أسرتها، وفي (يوم بلا غد) لبركات عام 1962 كان هو الأب الذي أحب ابنة زوجته الراحلة وحاول أن يقف ضد زواجها، إلا أن المفارقة الظريفة أنه قدم أول وآخر أفلامه الكوميدية وآخر أعماله على الإطلاق عام 1967 باسم (إجازة صيف) لسعد عرفة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.