رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمد شمروخ يكتب: (ماسبيرو).. تجربة للقتل صبراً !

بقلم: محمد شمروخ

كما توقعت في آخر زيارة لى إلى مبني الإذاعة والتلفزيون في (ماسبيرو)، أن الحال إلى ما هو أسوأ من آخر مرة زرت فيها هذا المكان.

هكذا نبأتنى الروائح الكريهة وتآكل الأرضيات ونشع الجدران.

لكن هذه المرة لم أكتف بإطلاق المشاعر للحزن والاستعانة بالتراث الشعري الجاهلي في البكاء على أطلال (ماسبيرو)

(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل )…

فلنكن أكثر صراحة.. لأن ما يحدث في (ماسبيرو) ليس مجرد إهمال متعمد، إنما هو شيء شبيه بما يسمى تاريخيا (القتل صبرا)، أو بحسب التعبير جنائياً (القتل بالترك). وهو أن يتم منع الغذاء والماء أو الدواء أو ما كل ما يعين على الحياة، عن المقصود قتله حتى يموت البطيء، وتلك لم تعد أمور خافيه بل هو ما يشعر به العاملون ويتهامسون به فى طرقات مبنى (ماسبيرو)، ومعهم أيضاً المراقبون والمهتمون بالشأن الإعلامي.

إقرأ أيضا : على عبد الرحمن يكتب : ماسبيرو .. كنز وطني للبيع !

ولا نجد فاعلاً واضحاً تفصح عنه السلطات المسئولة عن الإعلام في الدولة، ولا يخفى أيضا ان قتل (ماسبيرو) صبراً تم ويتم لصالح مؤسسات أخرى جرى فرضها كبديل لماسيبيرو.

لكن مع ذلك ومع كل هذا (الإصرار والترصد) على أن تكون تلك المؤسسات التى هى الواجهة الإعلامية للدولة، إلا أنها لم تستطع حتى الآن، أن تملأ الفراغ الذي نتج عن تغييب (ماسبيرو) قسراً.

لو دخلت مبنى الإذاعة والتلفزيون الآن، فسوف ترى مظاهر الإهمال في كل ركن، حتى أنك ترى القطط تنتشر في الطرقات وأمام الاستديوهات، كذلك لن تعدم وجود كلاب ضالة بالقرب من المداخل.

هذا مع أن العمل يجرى بانتظام في القنوات والإذاعات التى لم تزل تعمل بجد وبإصرار وعزيمة من جانب العاملين الذين يكابدون الكثير من المشاق لإتمام أعمالهم. مع أنهم يعلمون جيداً أن الدولة قد انصرفت عنهم ولم تعد تهتم إلا بالعمل الروتيني والذي يضمن سير العمل برتابة خانقة وألا تحدث مشكلات تعكر الصفو من جانب العاملين من ذوى الوجوه الشاحبة الذين يصارعون اليأس كل ساعة.

تعقيم مبنى ماسبيرو من الروائح الكريهة

الروائح الكريهة في (ماسبير)

وهذا ليتمكنوا من أداء واجباتهم، تحت ضغوط كان يمكن تلافيها – لو توفرت إرادة واعية – وبخطط حقيقية يمكنها أن تستغل أو تستعين بهذا التراث الهائل العريض الممتد في تاريخ الإذاعة والتليفزيون!

وكانت النتيجة أن انصرف المشاهدون عن القنوات التلفزيونية المصرية الرسمية، في الوقت نفسه لم تنجح قنوات الإعلام الموازي في سد الفراغ لا على مستوى البرامج والدراما ولا الأخبار والبرامج المتعلقة بالأحداث!

تلك الروائح الكريهة التى تشمها بمجرد دخولك من باب 4 وحتى الخروج من باب 16 في (ماسبيرو)، تؤكد ان ما يجرى ليس مجرد إهمال إنما خطة محكمة بعيدة المدى للتخلص من ماسبيرو!.

…………………

المبنى الذي كان حتى وقت قريب، أهم وأخطر مبنى في مصر والوطن العربي

ملحوظة عارضة:

أظن أن الإبقاء على تمثال لرأس الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في مدخل (ماسبيرو)، له دلالة ما، أو رسالة موجهة إلى الداخلين إلى المبنى.

ذلك المبنى الذي كان حتى وقت قريب، أهم وأخطر مبنى في مصر والوطن العربي ويمكنك أن تضيف إفريقيا كذلك!.

(انتهت الملحوظة).

…………………

إن كان من حق أجهزة الدولة المسئولة عن الإعلام المصري أن تبحث عن قنوات مؤثرة بعد أن رأت فقدان المشاهدين الثقة في الإعلام الرسمي – هذا إن صح الافتراض ان الفقدان تم بعيداً عن مسئولية تلك الأجهزة.

لكن هل أفلحت تلك الأجهزة نفسها، في صنع البديل لـ (ماسبيرو) أو أنها أفلحت أن تستعيد ثقة الرأي العام في إعلام معبر عن الدولة بما تخرج به علينا من قنوات ومنصات بديلة؟!.

لا أظن أن هناك من لديه الشجاعة أن يجيب بنعم!

وكانت النتيجة أن دخلت قنوات تحمل (جنسيات أخرى) صارت تحمل اسم (مصر) في أغرب تصرف في تاريخ الإعلام في العالم من جانب دول تجاه دول أخرى لغير غرض التشويه.

لكن تلك القنوات التى يقوم عليها مصريون (وإن حملوا مؤخرا جنسيات أخرى إضافة إلى الجنسية المصرية، بل وتفاخروا بها واعتبروها مكافآت على حسن تعاونهم!).

لكن في النهاية لا يمكن أن يكون الإعلام المعبر عن الدولة، يتم صناعته في استوديوهات تابعة لسلطات دولة مهما كانت قريبة، وبواسطة أيدى تحمل جنسيات مختلطة!

إقرأ أيضا : حسين نوح يكتب : حلم عودة ماسبيرو المصري

ويمكنك ان تراهن بضمان المكسب أنه حتماً سيأتى يوم لابد فيه من اتخاذ إجراءات للحد من سطوة المال الآخر بسبب ما يشكله من خطورة على وعى المواطن المصري، وقد سبق أن جربناه فيما كان يسمى بالقنوات السلفية!

وهذا الوعى لم يزل معرضاً لأن تحدث له عقبات وخيمة ونتائج كارثية، أقلها فقدان الاتصال بين عقل المشاهد المصري وبين إعلام وطنى حقيقي يعبر عن هويته!

فما حدث ويحدث من تدمير بطئ للمؤسسة الإعلامية الرسمية المصرية في (ماسبيرو)، سوف يوقع بوعي المواطن المصري في براثن شبكات أخرى لها أهدافها.

ولا يمكن عند الحديث عن الهوية، أن نفترض حسن النية من أى جهة مهماً بلغ من قربها من مصر!

إيجاد بدائل لإعلام (ماسبيرو) ضرورة حتمية

إيجاد بدائل لإعلام (ماسبيرو)

والحقيقة التى لا يمكن إنكارها هى أن الأموال التى جرى ضخها في سبيل إيجاد بدائل لإعلام (ماسبيرو)، لو وجهت لإصلاح الإذاعة والتلفزيون لكانت كافية لاستعادة الريادة الإعلامية والفنية التى جرى سحبها رويداً.

حتى لم يعد للإعلام المصري مكانته السابقة والتى يعرفها الجميع وأولهم من يريدون وراثة دور الإعلام والفن المصريين، بسد الفراغ الناتج عن تدمير (ماسبيرو)، سواء بجريمة سابقة بيع الأرشيف كتفريط متعمد في التاريخ، أو بسياسة التمويت البطيء التى تفرط في المستقبل!

وكانت تلك الهرولة التى تحولت إلى سباق محموم نحو الأموال الساخنة التى صارت تنفق بسخاء لممارسة دور الرعاية الرسمية للفن والإعلام المصريين!

ويحق لنا أن نسأل إن كان هذا هو سبب ما يحدث من تمويت لـ (ماسبيرو) كأشهر مبنى إعلامى وفنى في المنطقة العربية؟!

فها هي استديوهاته تنتظر البوم والخفافيش، وشركات إنتاجه صارت أثرا بعد عين، وكوادره التى هجرته اختيارا أو قسرا، مع كل تاريخه المهدر!

حتى الأعمال الدرامية التى تم إنتاجها بعيدا عن (ماسبيرو)، لم تعد تعبر عن الشخصية ولا الواقع المصريين، فإما تنتج أعمالاً درامية عن حياة فئات مخملية لا نكاد نراها في الشارع المصري، أو عن مجتمعات العشوائية المفعمة بالفساد والبلطجة.

إقرأ أيضا : علي عبد الرحمن يكتب : ماسبيرو .. المشكله .. والحل

فلم تعد تلك المسلسلات التى تعرض للحياة الاجتماعية للعائلة المصرية بما تحمله من قيم حضارية وتراث أخلاقى قدمته هدية للعالم كله وخصوصاً للمنطقة العربية.

وذلك عبر العائلات الدرامية التى عشنا معا في مسلسلات (ماسبيرو) منذ أن بدأ إنتاج تلك المسلسلات في مرحلة الأبيض والأسود وحتى عهد قريب!

انظر واسمع ما يتم إنتاجه من مسلسلات وأغان ومسرحيات وأفلام، تراها تقدم صوراً مزيفة لحياة فئات غارقة في الرفاهية تدور أحداثها ما بين السيارات الفارهة والنوادي والمولات والمنتجعات والشواطئ والمساكن الفاخرة.

أبطالها شخصيات هشة لا هم لها إلا استعراض مظاهر الثراء وكأنما يقصد منتجوها إغاظة المصريين المطحونين في حياتهم اليومية وعندما يهرعون الى شاشات التلفزيون للترويح عن أنفسهم.

أو غسل تعب نفوسهم بدراما تحترم عقولهم وتنافس واقعهم وتعينهم على تحمل المعاناة، فإذا بهم يجدون موضوعات أبعد ما تكون عن حياتهم لأن القائمين على تلك الأعمال لم يعد يهمهم هذا حقيقة هذا الواقع ولا طبيعة هذه الحياة!

إن ما يحدث في (ماسبيرو) ستشعر به في مؤسسات أخرى إعلامية وغير إعلامية، والتفريط يتم بانتظام ومنهجية في طمس معالم الهوية.

حتى أنه في حديث مع أحد الأصدقاء بدا متعجباً من إقدام الأجهزة المسئولة عن المحليات في القاهرة والجيزة والإسكندرية وفي مدن أخرى على قطع الأشجار المعمرة بلا أى داع، ليضعوا مكانها أشجارا قزمية مجهولة الهوية.

لا تلبث إلا أن يصيبها الهزال ثم الجفاف ثم الموت في مكانها.. وهذا بالضبط ما يحدث في (ماسبيرو) !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.