رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: (المسرح) .. صراع بين قوتين في العرض !

بقلم الدكتور: كمال زغلول

تحدثنا في الحلقة الماضية عن ومن المميز لذلك (المسرح) في مصر القديمة، أن بنيته الداخلية مبنيه على الخيال والتصور والحس والذهن والشعور، وهذه البنية هي المسئولة عن التفاعل الحسي بين الفنانين والمشاهدين للعرض المسرحي في إطار المسرح الشعبي، وتحدثنا عن النص والحبكة واليوم نسكتمل في نفس القضية.

الصراع: كسر الفنان الشعبي في نصوص المحبظين قاعدة الصراع داخل النص المسرحي الشعبي، إذ لم يعد الصراع بين قوتين، أو أشخاص، ولكنه جعل الصراع هنا يخص الشعب.

فمثلا مسرحية الفلاح عوض، نلاحظ أن الصراع الذي اشتملت عليه الحبكة لم يكن بين أشخاص أو قوي، ولكنه صراع بين حالة الفلاح الفقير – أي الفقر بمعناه العام – وبين جبروت السلطة والحكم عليه بالرغم من معرفتها الكاملة بحالته ولكنها لم تراعها في حسبانها.

وهذا ما نلاحظه أيضا في عرض (المسرح) الذي قُدِمَ أمام الرحالة “نيبور”، إذ انصب الصراع بين المحتل للأرض وبين أهل البلد، وذلك عن طريق المرأة التي تستخدم المكر والحيلة في جذب أشخاص من المحتلين إلى خيمتها، ثم تستولي على أموالهم وتضربهم وتطردهم.

إقرأ أيضا : كمال زغلول يكتب: (جب) .. والسياسية الدينية في المسرحية المصرية

ولذلك نجد أن الفنان الشعبي قد جرب على شكل الصراع داخل النص ونجح في ذلك، أما عن طريقة العرض المسرحي فقد كان العرض ممثلا لما عليه (المسرح) القديم من مكان مخصص للعرض وكل ممثل يؤدي دورة وفق النص الأدبي التمثيلي.

بالإضافة إلى  الملابس المسرحية والديكورات والأدوات ، فهو امتداد لـ (المسرح) الشعبي القديم ، ولكن بطريقة بها بعض التغيرات الجزئية في الشكل والمضمون، ثم بعد ذلك يأتي نوع آخر من العروض المسرحية الشعبية، وهو أقواها على الإطلاق ، وهو فن السيرة الهلالية والتي يطلق على عروضها فنون الفرجة.

ولكن هى (المسرح) وفق مفاهيم فن التمثيل، يؤديها ممثل فرد يطلق عليه شاعر السيرة الهلالية، وفي هذا النوع المسرحي الشعبي تم عمل تغيرات كلية على شكل النص والعرض المسرحي والأداء التمثيلي بل والجمهور أيضا ، ونصوص السيرة الهلالية وعروضها تعد من (النصوص وعروضها التجريبية) التي لاقت نجاحاً باهراً من قبل جمهور المسرح الشعبي.

و نجد في هذه النوعية من النصوص في (المسرح) أنها أعدت ليمثلها ممثل فرد، وقد اختلف أسلوب تأليفها عن الأسلوب المتبع في عروض المصري القديم، والمحبظين، على عدة مستويات وهي:

حياة الشخص في المسرح القديم كان هو هدف السيرة

حياة الشخص في (المسرح)

الحبكة: تصوير وتمثيل حياة شخص كاملة من خلال عرض مسرحي شعبي هو هدف مسرح السيرة، وهذا الهدف انصب على النص المسرحي لتلك السير، وإذا كان (المسرح) الشعبي اعتمد على تمثيل جزء من حياة الشخصية في نص تحكمه قواعد وزمن للعرض.

فإن مسرح السيرة اتخذ أسلوباً مغايراً، فقد بنيت الحبكة على أساس أدائها تمثيلا من قبل ممثل فرد، وهذا النوع من الحبكات تم فيه كسر معظم القواعد التي وضعت في تأليف الأدب التمثيلي الشعبي.

ومن أهم القواعد التي كسرت في الحبكة المسرحية الزمن الطويل الذي تدور فيه الأحداث المسرحية الشعبية، إذ أن الزمن هنا يبدأ من قبل ميلاد البطل، ويعرض حياته بسنين عمره بشيء من التفصيل، بمعنى أن بطل السيرة إذا كان عمره مثلا 70 عاما.

إقرأ أيضا : كمال زغلول يكتب: أوزيريس .. أساس الأدب التمثيلي المصري

فإن النص المسرحي يتعرض لتلك الأعوام كاملة في حياة البطل حتى وفاته، ويتعرض أيضا لجميع الشخصيات التي عاونت البطل أو وقفت ضده ، بعكس ما نراه في (المسرح) الشعبي القديم الذي يركز على جزء معين من حياة البطل في زمن لا يتعدي الساعة مثلا.

وبعكس ما نراه في مسرح المحبظين الذي يقدم قضية تخص البطل ويعرضها في صورة رمزية في زمن محدد أيضا، وفي نص السيرة كسر الزمن وأصبح زمنا يعد بعمر البطل.

وليس بجزء يعرض فعلا من أفعال البطل، ومن القواعد التي كسرت وتم التجريب فيها داخل إعداد الحبكة الخاصة بالسيرة دخول فن الحكي في بناء الحبكة التمثيلية،  أي أن الحبكة المسرحية في بنائها يتخللها عنصر الحكي، بمعنى  خروج الممثل للنص التمثيلي  من منطقة التمثيل إلى منطقة الحكي في بعض أجزاء النص.

وذلك للتعليق على بعض الأحداث، أو التعريف ببعض الشخصيات في العمل المسرحي، أو لتوضيح البنية الجسمية لشخصية من الشخصيات التي سوف تصارع البطل أو لتوضيح عادة عند العرب.. إلخ.

المسرح الشعري اعتمد على الحبكة الدرامية

(المسرح) الشعري الشعبي

وأيضا بناء الحبكة اعتمد على ظهور عدد ضخم من الشخصيات على مسرح الأحداث، وهذا العدد من الشخصيات متنوع ما بين شخصيات نسائية، وشخصيات رجالية، والشخصيات المساعدة ، والتي توضح صراع هؤلاء الابطال، أما اللغة فقد ظهرت اللغة الشعرية لأول مرة في  نص مسرحي شعبي.

وهذا يعد بداية لـ (المسرح) الشعري الشعبي، إذ جاءت اللغة في هذا النص لتعبر عن فكر الشخصيات، هذا بالإضافة الى أن تلك الحبكة تحوي تصوير وتمثيل بقية العناصر المسرحية من ديكور، وإضاءة، وملابس، ومكان.. إلخ.

إذ هى حبكة معدة لكي يمثلها ممثل فرد، والممثل يمثل هذه الاشياء أيضا للمُشاهِد أثناء تمثيله للسيرة، وتلك النقطة تنقلنا إلي أداء الشاعر التمثيلي، وهو من أصعب الطرق الأداء التمثيلي إذ يعتمد على ذهن المشاهد في تحيل أحداث السيرة تمثيلا .

إقرأ أيضا : كمال زغلول يكتب: نشأة العرض المسرحي في مصر القديمة

وقد أطلقت على تلك الطريقة (المسرحة الذهنية الشعبية): العملية التمثيلية الشعبية التي تختص بمسرح السيرة الشعبية العربية ، ويعتمد شاعر السيرة الشعبية في أدائه التمثيلي الشعبي، على دور ذهن المُشاهِد الشعبي في تلقي وتخيل أحداث السيرة.

أي أنه يجعل من ذهن المُشاهِد الشعبي  مسرحا ذهنيا لتصوير أحداث السيرة ، معتمداً  في ذلك على أن نصوص السيرة هي جزء من الثقافة الشعبية للمُشاهِد وللشاعر نفسه، يعرفها كلا الطرفين.

ولا تتم هذه العملية التمثيلية الشعبية في (المسرح) إلا من خلال الشاعر الشعبي وجمهوره الشعبي داخل ثقافة شعبية خاصة بمجتمع أو جماعة شعبية ما، معتمدة على الشفاهية في العرض المسرحي الشعبي.

وتلك الطريقة التمثيلية الارتجالية هي تجريب حقيقي في طبيعة النص والأداء التمثيلي ، والعرض المسرحي، ومسرح القصاص لا يختلف كثيرا عن مسرح السيرة الهلالية في طرق التجريب فهو ممثل فرد أيضا.

ولكن موضوع قصصه الذي يؤدي تمثيلا، يقتصر على قصة واحدة أهم ما في حبكتها التركيب النفسي للشخصيات، ويعتمد على مسرحة القصة  من جلال ذهن المشاهد ايضا ، وهكذا نرى أن (المسرح) المصري الشعبي قدم الأشكال التجريبية، والتي مازالت مستمرة إلي يومنا هذا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.