رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

النزوة .. براعة الأداء والإخراج أفسدتها الرسالة الأخلاقية

كتب : محمد حبوشة

رغم أن مسلسل (النزوة) المأخوذ عن المسلسل الأمريكي (The Affair) يندرج تحت الأعمال التي تدس السم في العسل من خلال ترسيخ مفهوم الخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية المفتوحة التي تخاصم عادتنا وتقاليدنا وأدياننا بالمقام الأول والأخير، إلا أنني أراه مسلسلا يتسم بالإثارة والتشويق على مستوى الأداء التمثيلي الذي برع فيه كل من (خالد النبوى، عائشة بن أحمد، مراد مكرم، عمر الشناوي، وكشف لنا عن موهبة (سالي شاهين) التي حفرت لنفسها مكانا اسما جديدا في مجال التمثيل، فضلا عن أن المسلسل يحمل في طياته نوعا من البهجة من خلال أماكن التصوير التي تعكس جمال مصر في الغردقة والجونة وغيرها من أماكن.

نجح أمير رمسيس في أولى تحاربة في الدراما التلفزيونية

وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا حول قصة تبدو غريبة على مجتمعنا الشرق، فيحسب للمخرج (أمير رمسيس) أنه انحاز لحكي الحدوتة من خلال تعدد الرواة، وهذا يعتبر عبء شاق وتنفيذ المشاهد بتلك الطريقة ربما يكون صعبا للغاية، بل يتطلب جهدا مضاعفا من جانب مخرج سينمائي كبير لكن يبدو لي أن (أمير) أراد أن  يثبت نفسه ويعيد تقديم نفسه للمشهد الفني المصري على جناح الدراما التلفزيونية، لأن أعماله السابقة رغم قوتها لم تحقق النجاح الجماهيري الكبير، رمسيس بالمناسبة هو مخرج أفلام وثائقية هامة بحجم (عن يهود مصر) بجزئيه الأول والثاني، بالإضافة لآخر أعمال نور الشريف (بتوقيت القاهرة) وأعمال أخرى كثيرة مميزة تستدعي مهاراته من خلف الكاميرا.

لم يعتمد على الكاريزما بل اشتغل على البعد النفسي لشخصية (عمر)

ومما لاشك فيه أن خالد النبوي فنان صاحب كاريزما لا تخطئها العين، لكنه لو كان قد اعتمد على الكاريزما فقط كان مسلسل (النزوة) سيكون مجرد عمل رومانسي عاطفي بدون أي جديد، لكن النبوي هنا اشتغل على البعد النفسي لشخصية (عمر) الكاتب نصف الموهوب ونصف الناجح، الذي يحاول أن يخرج من جلباب أسرة زوجته، الذين هم بالأساس مسيطرون عليه نفسيا وماديا بشكل كبير، فـ (عمر) يدعي أنه يكتب رواية تدور أحداثها في (الجونة والغردقة)، حتى يعطي لنفسه مساحة مؤقتة من الحرية، يعيد اكتشاف نفسه من جديد مع (هالة/ عائشة بن أحمد)، التي تعاني هى الأخرى من زواج غير متكافئ،  لكن الفارق بين أداء عائشة بن أحمد وخالد النبوي كبير، لأن عائشة لعبت على الشخصية من الناحية الشكلية الأنثوية فقط، لكنها من خلال الأحداث سرعان ما بدأت تضع يديها على البعد النفسي للشخصية فبدا أداءها مقنعا.

عائشة بن أحمد .. وضعت يديها على البعد النفسي للشخصية

سالي شاهين القادمة من عالم تقديم البرامج، مشروع ممتاز لفنانة قوية، لكن تحتاج إلى مجهود أكبر حتى نراها في شخصيات لها أبعاد مختلفة عن مجرد الحزن/ الغضب، ونتمنى أن يكون مسلسل (النزوة) هو المشروع الذي يفجر موهبتها التي أصبحنا نراهن على أنها قوية فعلا، كما بدت لنا بأسلوب سهل وسلسل إلى حد الإبهار في التمثيل، أما الحصان الرابح هنا هو (مراد مكرم)، ومراد فنان أكثر من رائع – من وجهة نظري الشخصية – ويزداد تألقا من عمل لآخر خلال الأيام الماضية كما بدا في دوره المركب في مسلسل (الغرفة 207)، وهو ما يدعنا أيضا أن نراهن عليه مستقبلا في تجسيد أدور مميزة في أعماله القادمة، خاصة أنه أصبح لديه تكنيك خاص في الأداء يخالف طبيعته الكوميدية.

سالي شاهين .. حفرت لنفسها اسما جديدا في عالم التمثيل
مراد مكرم .. تطور مذهل في ا‘ماله الأخيرة ومنها (النزوة)

قد تكون طريقة الحكي من خلال تعدد الرواه ليست طريقة جديدة، كما هو موجود في فيلم مثل ( the last duel) الذي اعتمد على نفس طريقة السرد، لكن صناع (النزوة) تغافلوا أن العرض الجانبي لهذه الطريقة ربما يولد شعور المشاهد بالملل، وهو ماشعرنا به بالفعل في بعض المشاهد، لكن الذي قود هذا الشعور بالملل هو اختيار أماكن التصوير، واستغلال رائع للغردقة والجونة، اللتين تعتبران من أجمل مدن العالم، وهو ما انعكس بعذوبة في كل لقطة تصوير خارجي، حيث كانت مريحة لعيوننا وأعصابنا بشكل كبير وهذا يحسب لصناع (النزوة)، وبالتأكيد على رأسهم المخرج المبدع (أمير رمسيس).

وبالتأكيد فإن إعجاني بهذه الصناعة الدرامية الجيدة إلى حد ما لاينفي تحفظي الشديد من خلال بعض الملاحظات التي تتعلق بالسيناريو، بداية: فإن المسلسل من المفترض أنه منقول لمجتمع عربي ولكن كل المحاور التي يمكن مناقشتها وتكون محط معالجة لم تتناول بطريقة نقبلها أبدا على سبيل المثال:

أولا: رد فعل ابنة (عمر) عندما اكتشف والديها أنها كانت حامل بعلاقة غير شرعية وهى مراهقة صغيرة، وحينها قالت: (خلاص أنا اتخلصت منها)، يعني حتى فكرة الخجل من الخطأ التي ارتكبته متغيب تماما، حتى أنني شعرت لوهلة بأني أشاهد مسلسلا أجنبيا صرفا من حيث الشكل والمضمون، يعني تساهل بالخطأ كحدوث يثير الغضب في الحقيقة.

المثال الثاني: علاقة (عمر) وهو رجل متزوج من امرأة يحبها من المفترض وخيانته لها مع (هالة) والمفترض أنها متزوجة أيضا، وممارسة الخيانة بمنزل زوجية خالد النبوي، ورد فعل زوجها عند المعرفة، كل هذه العلاقة تثير الغضب وتشعر وكأن دماغك لا يستوعب، ماذا يفعلون هل يروجون لقبول الخطأ وكأنها حرية شخصية، وهنا المقارنة ليست بمحلها من الأساس ولا يجوز إجرائها، لأن العوامل المؤثرة ليست واحدة، فأنت تعيش بالشرق العربي حيث أكثر الديانات انتشارا (الإسلام) وهو ما يبيح التعدد والطلاق، على عكس الديانات وبعض المذاهب التي يكون الطلاق محرم فعليا كإجراء، لكنه لا يمنع الخيانة بذاتها، أما عن أسباب الطلاق فلا يمكن حصرها بالخيانة فهناك البخل والضرب والإهانة النفسية والجسدية وعدم الإنجاب وغيره.

ثالثا: ربط فكرة الروتين بحياة الكاتب بالملل الذي قد يصل له في أعماله أو عدم قدرته على الكتابة وكأنه يجب أن يعيش في دراما ليكتب الدراما.

رابعا : مسامحة (مها) جاءت له سريعة جدا وكأن الخطأ بسيط يسهل نسيانه، من أكثر المشاهد التي استغربتها، وخاصة أن والد زوجته كاتب أيضا ويقر ويعترف أنه لم ينجح بكتاباته إلا بعد الدخول في علاقة ثانية، يعني ألا يتمكن الكاتب من الكتابة إلا بعيش حالة حب مختلفة، هناك وسائل كثيرة يمكن للكاتب الاعتماد عليها لكسر الروتين بخلاف ذلك.

إجمالا يمكنني القول: يجب أن يتم تطويع العمل المقتبس مع العادات والتقاليد الخاصة بمجتماعاتنا، وليس من الحكمة أن يتم تطبيق المسلسل كما هو فى الغرب تماما نظرا لاختلاف العادات والتقاليد، ربما أننا نحن في المجتمعات العربية لسنا مجتمعات ملائكة، لكن الأفعال المخلة بالحياء تظل محرمة في مجتمعاتنا، وقد يقول قائل: لكن ما جدوى التحريم إذا لم يمنعنا من الاقتراب من كل المحرمات، وديننا الحنيف فصل تفصيلا في هذه المواضيع، وكذلك عندنا ترسانة من القوانين التي تجرم تلك الأفعال المشينة إلى الأخلاق الحميدة، والتي تجلب العار للإنسان، ولكن يبقى المشكل ليس في التحريم أو عدم وجود القوانين التي تعاقب مرتكبي هذه المحرمات، وإنما في كيفية تطبيقها وإيجاد التربة القابلة التطبيق عليها.

لذا ينبغي أن نعيد تأهيل الانسان العربي المسلم، بإعادة النظر في التربية الأسرية والمدرسية والمجتمعية، لكن هذا مرهون بأن نرفض إلصاق (فكرة الخيانة الزوجية) بالمسلسل، لأنه يريد أن يقول إن (الإنسان يمكن أن ينجذب لشخص آخر في أي مرحلة من حياته، خصوصا في فترة منتصف العمر رغم أن البطل يعيش حالة استقرار وليس لديه استعدادا لهدم البيت، لكن الناس تغفل أن النفس البشرية قد تميل إلى روح ثانية)، وهذا ليس معناه أن بطل المسلسل (عمر) يعيش حالة إبداع، وهو غير متوافق مع عائلة زوجته، وفي هذا البيت الأنيق ليس هناك شيء يخصه، وأن تركيبة الشخصية التي تتكشف لنا شيئا فشيئا تشعرنا أنه يحاول البحث عن كيانه وإبداعه، فهو يبدو محاصرا في حياته، كما أن البطلة أيضا شخصية مغرية وبها غموض، وهى لا تسعى للخيانة لكنها شعرت باهتمامه بها، وهو ما تفتقده.

صحيح أن حقق المسلسل الأصلي (ذا آفير – The Affair) حقق نجاحا ملحوظا حتى أنه فاز بـ 3 جوائز (جولدن جلوب) عن (أفضل مسلسل وأفضل ممثلة وأفضل ممثلة مساعدة)، وترشّح لجائزة (إيمي) كما منحه الجمهور تقييما بلغ 7.9 على موقع (آي إم دي بي – IMDb) الفني، لكن هذا ليس كافيا لاستنساخ هذا العمل بالدراما العربية كصورة طبق الأصل، فتلك النوعية من الدراما ربما تناسب المجتمع الأميركي، بمحتواها الجريء، لكنها تخالف عادات المجتمع العربي الذي لا يستطيع التسامح مع حبكة قائمة بأكملها على فكرة الخيانة بين رجل وامرأة كلاهما متزوجان ولا يشعران بالذنب من فداحة ما يرتكبانه بحق شريك الحياة.

لينا شاماميان

وفي النهاية لابد أن أشيد بغناء المطربة السورية لينا شاماميان بكلمات رائعة جاءت على النحو التالي:

مايل

ياغصن شايل

يامتقل غلال وحمايل

يلبي الغريب و يطعم صحاب

سايل

يامنبع جمايل

في الصخر يشق الجداول

بالله حلي بقلبي بحر العذاب

ياريت ملاك من السما يحضن ضلوعك

تخيّم بقلبي وما أراجي رجوعك

ياريتها السما تسيل وتغسل دموعك

تبرد نار الأسى و للخير تفتح أبواب

ياريت يردني الزمان وروح أراضيك

ريتني أقبل أوجاعك أراضيك

وينطفي ظلم الدنيا وأرى ضيك

وماتشوف بيوم الضيم ولايضيمك غياب

مايل

مايل يا نور من السما نازل

شايل يا محمل غلال و جمايل

شايل

مايل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.