رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

 ماجدة الرومي .. ملاك الطرب العربي الذي يحلق عاليا

الفن بالنسبة لى هو اختيار الأفضل

بقلم : محمد حبوشة

الصوت كان وما زال وسيلة اتصال بيننا وبين البشر، نستطيع عن طريقه نقل مشاعرنا وأحاسيسنا المختلفة.. فرحا أو حزنا .. حبا.. كراهية، كل ألوان وأشكال المشاعر التي نحملها في نفوسنا ننقلها عبر نغمات الصوت، ومن هنا وعبر أصواتنا يعرفنا ويتعرف علينا الآخرون، فلكل واحد منا نغمة صوتية معينة لا يمكن أن تشبه نغمة أو حركة صوت هذا الشخص أو ذاك.. كل واحد منا يحمل علامات معينة تدل عليه من خلال صوته، لهذا فإننا لا نستطيع أن ننسى بعض الأصوات العزيزة علينا.. وما أكثرها في حياتنا.. فأنت لا يمكن أن تنسى صوت إنسان أو إنسانة تحتل مساحة كبيرة في قلبك، لسبب بسيط هو ارتباط هذا الصوت ببعض الأحاسيس والذكريات الحلوة، لكن لماذا نطرب لصوت معين، ما الذي يجعل صوتا ما يمس مشاعرنا وأحاسيسنا؟، ولماذا نعشق نبرة مطرب أو مطربة معينة ويصبح هو الأقرب للتعبير عن أفراحنا وأشجاننا؟، هناك عدة عوامل تلعب دورا مهما في تحبيب أذن المستمع إلى صوت ما، من أهم هذه العوامل: قوة الصوت، ودفء الإحساس، والتمرس في الأداء.

وضيفتنا في باب (بروفايل) لهذا الأسبوع النجمة الكبيرة (ماجدة الرومي) هى واحدة من أجمل الأصوات العربية على مستوى (قوة الصوت، ودفء الإحساس، والتمرس في الأداء)، فهى طوق ياسمين لايزبل عن الصوت الشجي المعبر بحيث تبقى الست (ماجدة) إحدى أجمل الأصوات النسائية على مدار تاريخ الأغنية العربية الحديثة، وإحدى أيقونات الموسيقى اللبنانية، على مدار مايقرب من خمسة عقود و14 ألبوما هى حصيلة مشوارها، وإن تطرقنا للحديث عن أيقونات الموسيقى اللبنانية، بالطبع ستكون في مقدمة الأسماء الساحرة ماجدة الرومي، صاحبة الصوت الطربي الآسر الأوبرالي، صوت ترانيم معابد بعلبك، وكنائس حريصا، وسيدة لبنان، وجبال الأرز، وخرير وادي قاديشا، الصوت الذي شدى للعشق والحرية والحياة والتسامح والسلام.

في أغانِ راقية، طالما أطلت علينا بإحساس مرهف، وبحضور أنيق مكنها من أن تصبح إحدى نجمات الجيل الذهبي حتى نستطيع أن نكتشف أن صوتها يؤثر في المستمع إليه.. وربما استطاع صوتها التأثير فيه أكثر من شكلها، يقول الخبير الأمريكي (وليم وانس) إن صوتك هو العنصر المميز الجذاب لشخصيتك، وباستطاعتك أن تتحكم فيه إلى حد ما مشكلا نبراته ليكون صوتا فرحا حنونا عطوفا ولطيفا.. والمرأة – كما يؤكد هذا الخبير – في الأصوات أقدر من الرجل على عملية تكييف صوتها.. فهي عندما تريد منك شيئا ما تجدها تتحدث برقة وعذوبة لا تقاوم، أما في حالة الغضب فصوتها يكون حزيناً راجياً يستدر الرحمة، وغير ذلك من التأثيرات الأخرى.

تشدو كن صديقي

صوت رقيق جميل

إذن الصوت الجميل يظل جميلا حتى النهاية.. وهكذا نجد أن الصوت الجميل خاصة لمن يمارس الطرب والغناء مثل (ماجدة الرومي) قد حقق لصاحبته الشهرة والمال وحتى المجد.. فالصوت أذن ثروة.. إلا أن عملية الحظ واستغلال هذه الثروة بطريقة ذكية سوف تحقق لصاحبها المزيد من الخير، والصوت الرقيق الجميل يوحي للمبدعين بأشياء كثيرة أشياء مثيرة، فتراهم يترجمون هذه الأشياء ضمن إبداعاتهم المختلفة، يحاولون جاهدين التعبير عن ذلك وأكثر من ذلك.. فكم من قصيدة كتبها الشعراء نتيجة لسماعهم صوتا عذبا لا يمكن مقاومة سحره، يقول شاعرنا القديم عن مثل هذا الصوت (والأذن تعشق قبل العين أحياناً..)، فكم من واحد في حياتنا عشق وأحب نتيجة لسماعه صوتاً رقيقاً..؟!.

عشاق الموسيقى المسافرة عبر الأزمنة، ليسوا بحاجة لانتظار أغنيات فقاعية وألبومات ضاربة، بل يكتفون بالارتواء بين الفينة والأخرى بالحضور الطاغي لتوليفة موسيقية خارج الزمان والمكان، وكذلك ماجدة الرومي صاحبة طوق الياسمين الذي لا يذبل، إنها امرأة ناعمة مثل (الدانتيلا) صوتها ناعم مثل (المخمل)، لا تتخلى عن أحلامها بسهولة، لكن كيف يضم ذلك الصوت الملائكى كل هذا النحيب والشجن والبهجة والإصرار.. وكأنه (صوت بحجم وطن) .. إنها سيدة المقام الرفيع (ماجدة الرمى)، والتي لا يزال حضورها الفني يقطف زهر النجاح في مهرجانات تحتفي بغناء يطوف في ذاكرة الموسيقى نافضاً غبار نغمات خارج النوتة، ولا يعلو ضجيج الحياة اليومية على أمسيات كتلك الأخيرة التي أحيتها ماجدة الرومي، في حفل مهرجان جرش بالأردن مؤخرا ، وشدت فيه الماجدة ببياض الياسمين قديمها العصري وجديدها الأصيل، مثل قفزات الفراشة التي أجادتها في حفل دام ساعتين ضم أغاني وطنية وعاطفية تنقلت خلالها على السلم الموسيقي بسلاسة ماهرة.

في مرحلة النضج الفني

ستوديو الفن البداية

لقد بدت شابة الأمس (ماجدة الرومي) في هذا الحفل تشبه امرأة اليوم بخطوطها العريضة، بل وتضفي عليها نضجا موسيقيا، فبعد ظهورها الأول كموهبة فنية في برنامج الهواة الأشهر في لبنان (أستوديو الفن)، خطت ماجدة نحو إطلالتها الغنائية الأولى عام 1975 بأغنية (عم بحلمك يا حلم يا لبنان) التي كانت بوابةً نحو دُنيا الموسيقى والفن، وقدمت بعدها عملاً سينمائياً وحيداً مع المخرج الراحل يوسف شاهين بعنوان (عودة الابن الضال) استمرت بعدها في المضي نحو النجاح بروائع حملت تواقيع كبار الشعراء والملحنين، وجاءت في مساء أردني حنون بنبرة صوتها الحنون الذي يأتي فيسقط نجم من السماء يرسم في قلوب عشاقها واو ودال يلف جوانب الكون الصامت، عدا نبرة صوتها المبحوح يتوقف الكرون عن شدوه حياء من جمال تمتماتها بالميم والنون.

عندما أطلت (ماجدة الرومي) مؤخرا في سماء الأردن كانت طلتها كما البدر الذي يخبو خلف الغيوم خجلا، ومن بهاك الصوت مثل بلسم الروح لتصبح طلتها ترياق الحياة، حينذا كانت القلوب التواقة لفنها الراقي تقول:  يا مرسل الصوت صوتك هيج شجوني أنفاس مسائي غدت تشتاق أنفاسك، أنت الوحيد الذي تفرح له عيوني، افتقدتك حين يأتي الليل بلا صوتك وبلا طيفك وأبحث عنك في رداء القمر ولا أجدك وأغفو كالطفل الجريح فوق صدر المساء، الحنين أن يتسلق المساء صوتك غائب فيتدلى كنجمة شاردة تشق صدر السماء في تيه وخيلاء، ياحيا تلك البحة اللي كأنها صوت الوتر والناي ياحيا البحه التي من نغمها يطرب العصفور .. هلا يا بحتٍ تفرد حجاجيني وتهز أعضاي وتـشرح صدري المتضايق و تجبر خاطري المكسور.

عيناك ليال شتوية

فرحة ولهفة ورعشة

وكأن لسان حال جمهور جرش يقول كيف جعلتنى أحبك إلى هذا الحد يا (الماجدة)؟، كيف خلقت بداخلى تلك اللهفة المشتغلة فى عينى و كيانى قد جعلتنى أجن بك عندما اتذكر صورتك وأنت تتحركين كفراشة تواقة للضوء، حتى أنني اتخيلك فى كل شئ، اتخيل وجهك فى وجوة جميل الحاضرين و أسمع صوتك فى كل لحظة، أشعر بقربك فى كل مكان، ماذا لو أتاني المساء بك وكانت قهوتي ممزوجه بمذاق صوتك العذب والنسيم العليل مختلط بأنفاسك .. أحبك عصفورتي، ياحلو صوتك وهو مليان بالبرد في نبرته فرحة ولهفة ورعشة .. من هب صوتك امتلى مسمعي ورد الله .. يالك في مساء الشوق وحشة.. هدوء المساء خفوت الرحيل حفيف الرياح خطوات .. نعم هى بوصف الشاعر:

في صوتها ذاب الجمال عذوبة

لله در الصوت ما أحلاه

لولا مخافة أن يقال بأنني

بالغت في وصف الذي أهواه

لحلفت قد خلق الكلام لأجلها

والصمت حكم واجب لسواها.

هى (ماجدة حليم الرومي) المولودة لعائلة فنية كبيرة من مدينة صور في جنوب لبنان، فوالدها هو الموسيقار حليم الرومي، أحد أسباب سطوع أسطورة الغناء فيروز، تأثرت منذ طفولتها بعمالقة الفن أمثال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وأسمهان وليلى مراد وغيرهم، وأصقل هذا التأثر موهبتها التي ظهرت، ولاحظها كل من حولها، من العائلة إلى الجيران، حتى إنها رافقت والدها في لقاء على تليفزيون لبنان، وهى في الرابعة عشرة من عمرها، وغنت حينها أغان لأم كلثوم، على الرغم من كون والدها واحدا من الموسيقيين اللبنانيين المعروفين، إلا أنه رفض في بداية الأمر احتراف نجلته الغناء، لكنه بعد ذلك وافق على أن تتقدم إلى برنامج اكتشاف المواهب (استديو الفن) عام 1974، أذهلت الفتاة التي لم تتجاوز السابعة عشرة ربيعا، لجنة التحكيم بأدائها المتميز لأغنيتي (أنا قلبي دليى) لليلى مراد، و(يا طيور) لأسمهان، ما سمح لها بتجاوز زملائها في البرنامج لتثبت لوالدها أنها تستحق الدعم، فبارك خطواتها في عالم الفن، لكنه اشترط عليها إنهاء دراستها الجامعية، فحصلت على شهادة البكالوريوس في الأدب العربي من الجامعة اللبنانية.

في أثناء مرحلة تصوير (عودة الابن الضال)

عودة الابن الضال

كان أول تسجيل غنائي لماجدة الرومي هو ترتيل كنسي بعنوان (ميلادك) وسجلت أيضا (الهوا هوايا، وعيون القلب) كما غنت للوطن والمحبة والسلام، إلا أن أول أغنية خاصة لها صدرت في العام 1975 هى (عم بحلمك يا حلم يا لبنان)، وهى كلمات الشاعر سعيد عقل وألحان إلياس الرحباني، وذلك إثر مجزرة عين الرمانة، وفي العام التالي لفتت نظر المخرج العالمي يوسف شاهين، فقدمها رغم صغر سنها في فيلمها الوحيد (عودة الابن الضال 1976)، ولم تكرر التجربة بعد ذلك، إلا من خلال مرور غنائي برائعة (آدم وحنان) في فيلم (الآخر) عام 1999.

أول ألبومات (ماجدة الرومي) كان (خدني حبيبي) الذي صدر في عام 1977، والذي تضمن أغنيات ما زالت حية حتى اليوم، مثل (يا نبع المحبة)، و(ما حدا بيعبي مطرحك بقلبي) من كلمات مارون كرم وألحان إحسان المنذر، أما الأغنية التي تحمل اسم الألبوم أي (خدني حبيبي) فهي للشاعر هنري زغيب والملحن نور الملاح، وبعد خمسة أعوام، أصدرت ماجدة الرومي ألبوما آخر هو (من زمان 1982)، اتبعته بـ (العصفورة 1983) و(يا ساكن أفكاري 1986)، و(ضوي يا قمر 1988)، ثم غابت ثلاثة أعوام لتعود بألبومها (كلمات 1991)، الذي غنت فيه قصيدة (كلمات ليست كالكلمات، ويا بيروت يا ست الدنيا) والأخيرة تعد من أجمل الأغنيات التي تغنت بالعاصمة اللبنانية، فأرخت حربها وحزنها وقوتها، والأغنيتين للشاعر نزار قباني.

في العام 1994 أصدرت ألبوم (ابحث عني) ومن أغانيها فيه (غنوا معي، كن صديقي، مررت في خيالي)، ثم ألبوم (رسائل 1996)، وضم إحدى أشهر أغنياتها (عيناك ليالِ صيفية)، ثم (أحبك وبعد 1998)، ومن أغانيها فيه (القلب المفتوح، أنت الماضي، سيدي الرئيس)، ثم انقطعت نحو 5 أعوام، وعادت في 2003 بألبوم ديني (قيثارة السماء)، وفي العام التالي أيضا ألبوم (ارحمني يا الله) الديني أيضا، ثم (اعتزلت الغرام 2006)، وضم أغنيات (غني للحب، في ليلك الساري، بالقلب خليني، كيف، نشيد الزفاف)، وغيرها.

على المسرح تشدو : أنا اعتزلت الغرام

ملاك الطرب العربي

ولماجدة الرومي 14 ألبوما، كانت ملامحهم الرئيسية تميزها في أغان كشفت المقدرات الأوبرالية لصوتها، كأغنية (طوق الياسمين)، وبرعت بأداء القصائد بشكل خاص، فغنت لنزار قباني وسعاد الصباح ومحمود درويش، ومن هذه الأعمال: (كن صديقي، مع الجريدة، سقط القناع، وعدتك)، وغيرها، وغنت للعديد من الشعراء والملحنين وأمام العديد من الملوك والرؤساء، وفي كل المهرجانات الكبرى في العالم العربي، وأطلقت عليها عدة ألقاب، منها (ملاك الطرب العربي، ومطربة المثقفين)، وتربعت ماجدة الرومي على العرش بلا منازع كأميرة متوجة بالقصائد والموسيقى والأغاني الأوبرالية والصوت الجبلي الساحر، حتى آخر ألبوماتها (نور من نور) الذي صدر عام 2013.

ويأتي (نور من نور) كشعلة مضاءة من مغارة المحبة مجبولا بالمهنية والاحتراف والدقة، فجاء مضمونه نغمات ترتقي إلى العلويات، كلمات تسبح الرب بصوت ملائكي يعلو ليصيب الآذان الصماء التي أبت أن تنصت إلى أنين الظلمة والظلام ويخفت ليلامس القلوب المتحجرة علها تتضع لتتحسس واقع الضعفاء والفقراء والنازحين، أرادت السيدة ماجدة الرومي من خلال هذا العمل الميلادي أن تكون ذاك الصوت الحق الصارخ في البرية حيث تسود شريعة الغاب، وجاء هذا الأبوم ليتضمن 12 ترتيلة دينية من إنتاجها الخاص، حيث كتبت العديد من كلماتها بجرعة زائدة من الاحاسيس والمحبة، وتعاونت من خلالها مع عدد من الشعراء والملحنين مثل (هنري زغيب وجوزف خليفة) وغيرهما.

سأعمل على إسعاد من حولي والناس الذين هم بجاجة إلى ذلك

أنشودة بيت لحم

أما عن التراتيل فهى: (ولد المسيح هلليلويا، دق بوابن، سهرة عيد، مين اللي طل، راس السنة، يا ريتك بهالميلاد، بيت لحم، شو حلو ليل المدينة، نور العالم، فيي رجا،ينعاد عليكم، نشيد الحب)، هذه التراتيل التي تعتبر جرعة زائدة من الحب والتفاؤل والأمل والفرح تشعر من يستمع إليها بنشوة ترفعه بعيدا من واقعنا الأليم، هنالك حيث لا وجع ولا ألم ولا ظالم ولا مظلوم، فقد حرصت الماجدة وفريق عملها على انتقاء النغمات والجمل الموسيقية السلسة والعابقة ببريق الفرح الذي لا يخلو من مسحة حزينة، ارتدتها كلمات مرصوفة من أبجدية الإنسانية ومعها نردد (قلا يا أحزان فلي هى ليلة عيد الميلاد/ خلي الناس اليوم تصلي وخلي الضحكة للولاد) ومع أنشودة بيت لحم التي أنارت قنديلها وصوت الأرض يهلل لها علها ترأف بقدسها على شعبنا العربي الذي يعاني الأزمة تلو الأخرى، وأجمل ما في العيد ليل المدينة عندما تزوره الأعياد فيرتدي الأحمر والزينة علّ الأفئدة التي تشعر بالاشتياق لتستودع الفادي بقلب مشتاق.

لا يعلو ضجيج الحياة اليومية على أمسيات كتلك التي أحيتها ماجدة الرومي يوم الجمعة 2 أبريل 2021، أولى الحفلات الغنائية في حديقة قصر القبة الأثري بعدما ظل استخدامه مقتصراً لعقود على المناسبات الرسمية واستقبال ضيوف مصر الكبار، ورغم الأسعار المرتفعة نسبيا لبطاقات الحضور امتلأ الحفل عن آخره بشخصيات عامة ومسؤولين وفنانين وإعلاميين ورجال أعمال، جاؤوا للاستماع إلى المطربة ذات الصوت القوي الشجي التي ارتبطت بوجدانهم منذ أن ظهرت على شاشة السينما في فيلم (عودة الابن الضال) بسبعينيات القرن الماضي، فيما أطلَت ماجدة الرومي على المسرح بثوب أبيض مطرز، قائلة للجمهور قبل بداية الحفل، إن بيروت ستعود وتقوم، فهي (ليست المرة الأولى التي نقع فيها، ولن تكون الأخيرة)، وذلك في إشارة إلى حادث انفجار مرفأ بيروت، في شهر أغسطس 2020، والذي أودى بحياة نحو 200 شخص، وما تلاه من تأزم للوضع السياسي في لبنان.

التجاهل يمكن أن يؤدي إلى الفقر، والفقر هو وقود الحرب

لنا حق بالسيادة والحرية

كما أنها لم تتمالك دموعها التي انهمرت حزنا على وطنها عندما غنَت في الحفل أغنية (يا بيروت.. ست الدنيا يا بيروت)، التي كتب كلماتها الشاعر السوري الراحل نزار قباني، حيث قالت متأثرة: (غريب أمر هذا الشعب، مهما انذبح يرجع يقف، ولا يوم كسر جناحه اليأس، لنا حق بالسيادة والحرية والاستقلال، نحن لسنا شعب خلقنا لكي نموت.. نحن خلقنا لكي نعيش، ونحن شعب يستحق كل أوسمة الحرية)، وشدت الماجدة ببياض الياسمين قديمها العصري وجديدها الأصيل، فضلا عن أغاني وطنية وعاطفية تنقلت خلالها على السلم الموسيقي بسلاسة ماهرة، فبدت أيضا شابة الأمس تشبه امرأة اليوم بخطوطها العريضة، بل وتضفي عليها نضجا موسيقيا كلما مر الزمان واختلفت الأماكن.

كما أنها في كل مرة تعتلي فيها مسرح الغناء في مصر لا تخفي حبها لأم الدنيا (مصر) حيث تقول دوما (مصر روح روحي ودائما في حالة اشتياق لأعود لهذا البلد الذي هو بلد أمي فهى مصرية، وأنا أحب مصر كثيرا وأعشق نيلها وأرضها وكل شيء حلو أعطته للحياة)، لذا فقد أشادت في حفل قصر القبة أيضا بالتاريخ المصري، قائلة: (مع موكب المومياوات سينحني التاريخ لمصر احتراماً لتاريخها الكبير. مصر أعطت التاريخ دروساً كبيرة في الحضارة)، وذلك في إيماءة إلى الحدث الذي نظمته مصر، السبت بعد حفلها بيوم واحد وتابعه الملايين حول العالم بنقل 22 مومياء ملكية من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف القومي للحضارة للمصرية بالفسطاط، كما لاتخفي حبها واحتراما كبيريين للرئيس السيسي، عندما قالت أكثر من مرة (إنها تدعو للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كل صلاة، وإنها تطلب من الله أن يأخذ بيده ليس فقط في حماية المصريين وإنما في حماية كل العرب).

من يحب (ماجدة الرومي) سيتابعها دون التعرض لحياتها الخاصة أو مواقفها السياسية، أو ما يطلق حول طلاقها من إشاعات، هى التي أجادت التعامل بذكاء مع الصحافة ووسائل الإعلام حول تفاصيل انفصالها عن زوجها، وخلافا لكل الظروف العائلية الصعبة بدت ماجدة أكثر تألقاً ونضارة في حفل زفاف ابنتها الكبرى (هلا)، وتوحد إحساس الأم وحس المطربة في (نشيد الزفاف) الذي شدت به في الحفل، ليصبح نشيدا دائما على أدندة كل عروسين عربيين في ليلة رفافهما، لذا ستظل ماجدة موسيقى خارج النص تستند إلى تاريخ لا يزال حاضرا، وستظل أيضا طوق الياسمين الذي لا يذبل مع مرور الأيام والسنين.

تغني وفي يدها طوق الياسمين

أشهر أقوال ماجدة الرومي:

** لا يوجد مقابل مادي لمشاركتي في هذه الجهود الإنسانية، فالأشياء المادية لا تجلب السعادة.

** بإمكان الموسيقا أن تعبر بشكل أبلغ من الكلمات.. سأسخر صوتي وموسيقاي لأتحدث باسم الناس المحتاجين والجائعين في كل مكان.

** لست مع السياسة الأمريكية، بل أنا ضدها ورافضةٌ لها تماما فلبنان ظلم كثيرا من هذه السياسة، وأعمالي الغنائية لها خصوصيتها.

** التجاهل يمكن أن يؤدي إلى الفقر، والفقر هو وقود الحرب، إضافة إلى العنف والفساد.

** سأعمل على إسعاد من حولي والناس الذين هم بجاجة إلى ذلك، كل ما يحصل هو عبارة عن جريمة بكل معنى الكلمة.

** الحقيقة أنني لا أشعر بأن أي أغنية وطنية سيكون لها رد فعل أو من الممكن أن تفعل شيئا بلبنان لأن الوضع بات صعبا من كثرة الحكي وأن الكل يهاجمون بعضهم البعض بشكل سلبي وكأن القلب امتلأ ولم يعد لديه القدرة على أن يحتمل المزيد، لذا أرى أننا بحاجة إلى أفعال، تخرجنا من الرمل المتحرك.

** مصر بداخلنا مثلما هى فى قلوب المصريين هكذا اشعر وهكذا يقول لى إحساسى، وبالتالى أنا دائما قلقة عليها، كما أنا قلقة على لبنان.

** الفن بالنسبة لى هو اختيار الافضل، وانا أتعب كثيرا حتى أجد الأغنية التى تعبر عنى، كما أننى أفتش فى كل الأماكن عن عمل يعبر عنى وعن الأصالة وفى نفس الوقت يصل للشباب، فأنا يهمنى كفنانة أن أكون بين كل الناس.

مصر بداخلنا مثلما هى فى قلوب المصريين

وفي النهاية لابد لي من تحية تقدير واحترام لنجمة الغناء العربي الكبيرة  ماجدة الرومي التي ظلت طوال مايزيد عن 4 عقود في أن تكتب اسمها بحروف مضيئة في سجل العمالقة، ونالت العديد من الجوائز والتكريمات، أهمها، الدرع الوطني للأرز، رتبة فارس من رئاسة الجمهورية اللبنانية عام 1994، والدرع من الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1993، ودرع التكريم من الملكة نور الحسين في الأردن عام 2002، ويبقى صوتها من أجمل الأصوات في ذاكرة الغناء العربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.