رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمد سلطان فى حوار العمر: كادت أمي أن تقتلني بـ (كأس رمان) (1-5)

* المهرجانات ستستمر طالما لا يوجد تيار من الغناء الراقي

* الجهل سائد فى الإعلام والثقافة وهناك عدم إدراك لقيمة وحضارة مصر

* أمي حلمت وهى حامل بأنها ستنجب ولدا، وسيكون شبيه بـ (عبدالوهاب)، وعندما قصت رؤياها على والدي سخر منها، وقال لها ضاحكا : (بطلي تخاريف)!

* ما يميز طفولتي الطيبة والخجل والانطواء، وكنت أدندن بصوتي عندما تطفأ الأنوار.

* عشقت (محمد عبدالوهاب) فى صغري، وقابلته بالبيجاما

أحمد السماحي في أثناء حواره مع الموسيقار الكبير محمد سلطان

أجرى الحوار :أحمد السماحي

أدرك الموسيقار المبدع (محمد سلطان) منذ نعومة أظفاره فن تذوق علم الجمال الموسيقي في تجلياته الإبداعية التي ترتبط  بالمشاعر والأحاسيس، فعرف كيف يخاطب الروح والوجدان، وبرع في العزف على أوتار الإحاسيس والمشاعر الإنسانية الدافئة، فتولدت لديه مبكرا حرفة التغيير في حالتنا النفسية من تنشيط أو تثبيط، وأتقن صناعة الانشراح المصحوب بالأمل.

الحوار مع هذا العملاق ممتع ومليئ بالذكريات الحلوة التى تسعد النفس، ويختار كلماته بعناية، ويحدد نقطة البداية والنهاية بمهارة مذهلة، وهو ما جعل لهذا الحوار متعة محببة، تصل بسهولة ويسر إلى القلب والعقل والوجدان، وعلى جناح حكيه الأسطوري الساحرتلمس طيبة قلبه، وصفاء سريرته التي تحدد مسبقا علاقته بالناس والأشياء، طبقا لمساحة مشاعره من الغناء الذي يسيطر على كل كيانه، وهو الذي يصفه بأنه الهواء الذى يتنفسه، ولا يعرف العيش من دونه.

تعالوا معا نغوص في بحر مشواره الطويل في عالم الفن الذي بدأ منذ أكثر من خمسين عاما لنلمس الدرر والنفائس، ونعرف كيف حافظ طوال هذه السنوات على استمراره وتوهجهه الفني الفاتن، وهو الشاهد الحى على تبدل مقاييس العصر إلى حدود الانقلاب، وتحول المستمعين والمشاهدين عن ينابيع الطرب إلى الرقص و(هز البطن)، في زمن كثرت فيه أصوات الضجيج الصادرة من بين الأسنان، أو أطراف الشفاه، وتحول الأغنية من كلمات وألحان شجية تبقى وتعيش إلى أغنية استهلاكية لا تدوم إلا لفترة قصيرة.

* في البداية يهمنا الاطمئنان على صحتك؟

** الحمد الله أنا كويس، وصحتي كويسة بفضل الله سبحانه وتعالى.

فايزة أحمد ومحمد سلطان ثنائي فني في الحياة والغناء والموسيقى

* هل تتابع الساحة الغنائية وما يحدث فيها؟

** بغضب: هى فين الساحة الغنائية دي؟!، ما قدم  خلال الفترة الماضية من أغنيات معظمها يندى له الجبين!، ومعظمها تجارب فاشلة، وفيها كم من الإسفاف والهلس الذي لم تعرفه الأغنية من قبل!، ويكفي حكاية المهرجانات هذه؟! وبصوت عالي قال: يا جماعة، يا شباب الملحنيين، مصر هى المنارة والريادة والقائد، وهى التى تنير جميع أنواع الفنون فى العالم العربي، وحرام أن تعيش بسببكم هذه السنوات السوداء فى الموسيقى والغناء، بسبب جهل بعض المسئولين فى الإعلام والثقافة، وعدم إدراك هؤلاء لقيمة وحضارة مصر.

* هل ظاهرة المهرجانات هذه ستنتهي يا أستاذنا في القريب العاجل؟

** لايستطيع أحد أن يقول متى ستتوقف المهرجانات؟! ستظل مستمرة طالما لا يوجد تيار من الغناء الراقي يقوده مجموعة كبيرة من المطربيين والملحنيين والشعراء للقضاء على المهرجانات أو على الأقل الحدة منها.

* صراحتك وغضبك الشدين يشجعاني على أن أسألك عن شهادتك على عصر الغناء الحالي؟

** يرد بقوة: يعيش أسوأ حالاته، فلا يوجد شيئ ملفت للسمع، أريد واحدا من الملحنيين الموجودين حاليا ويفهم فى الموسيقى كي يناقشني أو يعترض على ما أقوله، فكلهم أو معظمهم يلحنون على (التربيزة) ولا يعرفون المقامات الموسيقية كما ذكرت لك، ويعتمدون فى ألحانهم على الموزعين، بصراحة لم نتوقع عندما بدأنا مشوارنا أن يصل الانهيار للموسيقى والغناء في مصر إلى ما وصل إليه الحال حاليا، فرغم حبي لكل الموجودين، لكن هذه شهادة للتاريخ.

وسبق وقلت لمن أعتمدهم من الجدد وأنا في لجنة الاستماع ( اللي مش فاهم وعايز يتعلم يجيني وأنا أعلمه)، لأن مصر أمانة في رقبتنا جميعا، (وأنا اليوم موجود .. بكره مش موجود)، لهذا أريد أن تكون الأجيال الحالية والقادمة موهوبة ومتعلمة ومثقفة حتى تستمر مصر فى رسالتها الفنية الراقية، لأن الغناء ليس موضة ولا تقليعة، لكن له أصول ولابد أن تتبع، فالفن إبداع وجمال ورقي وشياكة، وهو في الأساس بناء ومسئولية على عاتقنا جميعا وليس مضيعة للوقت أو تسلية، ولابد أن نتطلع للمستقبل وتظهر أجيال أفضل من الأجيال الماضية، لكن للأسف الشديد مازال إبداع الأجيال السابقة هو الذى يتردد فى الشارع المصري والعربي، وسيظل موجودا طالما العبث الحالي منتشرإلى هذا الحد!

* أليست شهادتك تلك تحمل قدرا من القسوة بعض الشيئ؟

** شهادتي واقعية وليست قاسية، والدليل سأسألك سؤال آخر: ما هى الأغاني الحالية التى تتردد فى الشارع؟!، أليست الأغنيات القديمة؟!، وعندما تظهر أغنية جديدة وكما يقولون (وتكسر الدنيا) هل تعيش أكثر من شهر، سنة على الأكثر وسرعان ما تنتهى ولا يتذكرها أحد؟! لكن أغنياتنا مر عليها أكثر من 50 سنة وما زالت تتردد.

لقطة نادرة مع سامي الحفناوي وسيد حجاب وأيمن بهجت قمر

كنت أتمنى أن يظهر جيل من الملحنيين أفضل من جيلنا يكمل مسيرتنا، ومسيرة الأجيال التى سبقتنا، ويقدموا ألحان شرقية خاصة بينا، وليست منهوبة من الغرب، كى تخدم مصر، لكن للأسف ما يقدم الآن يموت فور ولادته لأنه ببساطة بعيد عن وجدان المصريين والعرب.

كما أن المطربيين الحاليين ليس لديهم أدنى ثقافة ولا وعي ولا إدراك لأهمية ما يغنوه، الفن لا يمكن أن ينبع من لا شيئ!، لا يمكن أن تأتي بشخص جديد فارغ أو ليس لديه قدوة، أو مثل أعلى، أو شخص متأثر به، وتقوله اعمل فن، المبني على فراغ سيظل فارغا، والمبني على خلفية أو أصل أو ثقافة سيظل ويستمر ويتجدد، دائما الموهبة تصقل بالثقافة.

* إذا أنت ترى أن الأصوات الغنائية المتميزة الموجودة حاليا ليس لديها نوعا من الوعي و الثقافة؟، أم لديك أسباب آخرى؟

** مصر فيها كم كبير من الأصوات المتميزة، لكن هذه الأصوات لا تجد ملحنيين، ولا شعراء بحجم موهبتهم، فحاليا لا أجد أغنية تصفعني على وجهي وتقول لي أنا أغنية جديدة مختلفة، لهذا ستعيش أغنياتي وأغنيات جيلي سواء العاطفية أو الوطنية منها لأجيال قادمة رغم أنف الجميع، لأن جيلنا والأجيال التى سبقتنا كانوا صادقين ومخلصين للفن، وكانت المنافسة شريفة بينا وقائمة على تقديم كل ما هو جميل وراق، أما السباق اليوم بين المطربيين والملحنيين فمن أجل المكسب السريع والشهرة التى ما تلبث أن تختفي بنفس السرعة.

* ورفقا بحالته الصحية، وحتى لا أثقل عليه قررت أن أبتعدعن شاطئ الغضب من واقع الغناء الحالي، وسألته: هل تسمح لي أن أصطحبك لشاطئ أكثر دفئا وأمانا وأعود بك إلى الماضي بطريقة (الفلاش باك) السينمائي لعمل (نوستالجيا) للحديث عن طفولتك والمميز فيها؟

** ابتسم ابتسامة ودودة كأنه فهم المغزي وقال بهدوء: عشت طفولة سعيدة لأب ضابط، وأم ست بيت، ولدي شقيقين (فؤاد) وهو مهندس يقيم حاليا في سويسرا، و(سعاد) تعيش في ألمانيا، وما يميز طفولتي الطيبة والخجل والانطواء، وقد عشقت الفن منذ نعومة أظافري حتى إنني – وكما قالت لي والدتي – عندما كانت تطفئ الأنوار في غرفتي كنت أدندن بصوتي، رغم أن عمري في هذا الوقت كان لا يزيد عن عامين!.

يقدم باقة ورد لسعاد حسني في أحد أفلامهما معا

* الخجل والإنطواء مفردات تتنافى تماما مع الفن الذى يحتاج إلى جرأة وشجاعة ومواجهة، كيف تغلبت على هذه المشكلة ودخلت الوسط الفني؟

** حبي للموسيقار (محمد عبدالوهاب) كان سببا في دخولي الوسط الفني، وليس فقط دخولي، ولكن كان (عبدالوهاب) عشقي الأول والأخير، ووالداتي ـ الله يرحمها ـ كانت هى الأخرى تعشقه، وحكت لي إنها وهى حامل بي، حلمت بأنها ستنجب ولدا، وسيكون شبيه بـ (عبدالوهاب)، وعندما قصت رؤياها على والدي سخر منها، وقال لها ضاحكا: (بطلي تخاريف هتخلفي ولد! وهيكون كمان زي عبدالوهاب إفرضي جت بنت!) .

وبعد ولادتي مباشرة سألت والدتي صديقاتها: (أعمل ايه  لمحمد) عشان يطلع صوته حلو”! فأشارت عليها واحدة منهن قائلة: (عليك وعصير الرمان إسقيه معلقة)، وبالفعل أعطتني معلقة، فأصبت بنزلة معوية، فاستدعى أبي الطبيب، وسألها الدكتور: ماذا فعلت بمحمد؟! فخافت فى البداية أن تخبره حتى لا يعاقبها والدي، ولكن عندما قال لها الدكتور: (لو ما قلتيش الطفل هيموت)، أخبرته بما فعلت، فهز رأسه وقال لها: (ما تخفيش هيعيش بس هو لسه صغير جدا على شرب أي حاجة!).

كانت رحمة الله عليها لديها إصرار شديد على أن أطلع موسيقار مثل (عبدالوهاب)، لهذا اشترت لي عودا لأعزف عليه وأنا لم أكمل الخامسة من عمري، وفرحت به جدا وتعلمت عليه العزف، وفي سن الثامنة كنت أجيد العزف على العود بدون معلم أو أستاذ!.

* وراء تعرفك بالموسيقار محمد عبدالوهاب قصة طريفة رويتها لي من قبل بحكم صداقتنا، أرجو أن تقصها لجمهورك من القراء؟

** بابتسامة كبيرة قال: تعرفت على الموسيقار (محمد عبدالوهاب) فى الثانية عشر من عمري، يومها كنت ما زلت أرتدى البنطلون (الشورت)، ووراء هذا التعرف قصة طريفة فعلا، فكان – الله يرحمه – معتاد على قضاء إجازة الصيف وبالتحديد شهري يوليو وأغسطس في منطقة (جليم) على بحرالإسكندرية، وأنا كنت أسكن في نفس المنطقة في شارع (مصطفى فهمي)، بين بيتنا وبيته 100 متر، ونظرا لعشقي له كان بمجرد وصوله، كنت أجلس دون أن يراني على سور البحر، أمام الشاليه الخاص به، أتابعه وأراقب خطواته، وفى نهاية اليوم أرجع لبيتنا.

 وفى إحدى السنوات بحثت عن رقم تليفونه في دليل التليفونات، وتجرأت وتحدثت معه، فرحب بي جدا، وسألني عن اسمي، وعمري، ودراستي، وعندما علم أني عاشق لصوته، وأجيد العزف على العود والتلحين، طلب مني أن أزوره في اليوم التالي، ولم أنم ليلتها، وفي الميعاد المحدد كنت أدق بابه، ففاجأني (عم حامد) البواب بأن (محمد بك) لسه خارج حالا للتنزه، فأنهارت كل أحلامي وحزنت جدا وبكيت، وكتبت له خطابا قاسيا أعاتبه فيه وقلت له فى نهايته: (حضرتك كسرت خاطري عشان أنا لسه صغير، ولو عايز تكلمني وتصالحني ده تليفوني: 60958)

مشهد سينمائي يجمعه بنادية لطفي وسعاد حسني وخيرية أحمد

وبعد انتهائي من كتابة الخطاب ذهبت وأعطيته لعم (حامد البواب)، وفي صباح اليوم التالي وجدت والدتي تيقظني من النوم وتقول لي: (فيه واحد إسمه محمد عبدالوهاب عايز يكلمك ضروري)، فانتفضت من السرير وهرولت للتليفون مسرعا، ووجدته يقول لي: (متزعلش يا محمد تعال حالا أنا في انتظارك)، فخرجت ببيجامة النوم، ودخلت عليه فاستقبلني استقبالا طيبا، وفي نهاية حديثنا قال لي: (فين عربيتك يا محمد عشان نخرج نروح عندكم البيت)، فقلت له: (أنا ساكن بجوار حضرتك)، فنادى على السائق الخاص به، وقال لي :(أعطيه عنوان بيتكم)”!.

وركبت بجوار (محمد عبدالوهاب) في سيارته، وأنا أشعر بالفخر والتباهي، لجلوسي بجوار هذا العملاق، وأصحاب المحلات المجاورة لمنزلنا يشاهدوننا، ودققت جرس منزلنا، وعندما قدمت الأستاذ لوالدتي تسمرت ووقفت ثواني صامتة لا تتحدث، فقال لها عبدالوهاب: (أيه يا هانم مش هتقوليلي اتفضل!)، فرحبت به على الفور، وبعد الترحيب قال لها: (احكيلي حكاية محمد مع الموسيقى)، وبعد انتهاء والدتي من الحكي، طلب مني أن يسمع بعض الأغنيات التى أحفظها، ونظرا لأنني لا أحفظ إلا أغنياته، فغنيت له (يا ترى يا نسمة، مين عذبك، بلبل حيران، كليوباترا، الجندول) وغيرها.

ولم أكتف بما غنيته له فكان هناك قصيدة لأمير الشعراء (أحمد بك شوقي) مقررة علينا في المدرسة، قمت من قبل بتلحينها، فأسمعتها له، (إنبسط بها جدا)، وعندما حضر والدي من شغله وبعد الترحيب والسلام قال له: (يا سلطان بك إبنك موهوب جدا فى الموسيقى، ولو ساندته ووقفت بجواره وسفرته لتعلم الموسيقى فى الخارج سيكون موسيقارا كبيرا، وسيصبح أفضل مني!)، لكن والدي كان صارما فقال له: (ابني هيدخل كلية الحقوق يا محمد بك، وسيصبح محاميا شهيرا!)، وبعد انتهاء الزيارة قال لي عبدالوهاب: (أبوك شديد أووى بس خايف عليك، إسمع كلامه!)، وبالفعل سمعت كلام والدي ودرست فى كلية الحقوق، وحصلت على الليسانس.

…………………………………………………………………………………………..

الأسبوع القادم:

نواصل السباحة في بحر مشوار موسيقارنا الكبير محمد سلطان، ونعرف أول أغنية قام بغنائها وتلحينها، وأهم المحطات البارزة فى المشوار، وسر عدم حماسه لصوت سعاد محمد، وسر امتناعه عن تلحين أغنية (ودارت الأيام) لأم كلثوم، وماهي الأغنيات الثلاثة التى لحنها فى ظروف خاصة ولها معزة كبيرة، وسر تعاونه مع عمر بطيشة ونزار قباني وصالح جودت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.