رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: (الإخراج).. في المسرح المصري القديم

بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول

يمر العمل التمثيلي بمجموعة من المراحل، إلي أن يظهر في صورة عرض مسرحي، وآخر مرحلة في العمل التمثيل ، تكون من أصعب المراحل ، ويطلق عليها (الإخراج) المسرحي، والتي تشتمل على صورة الأداء الحي للعرض المسرحي ككل.

ويخبرنا التاريخ المسرحي بأن أول من عمل بمهنة (الإخراج) هو الألماني ساكس ميننجن ( 1826 إلي 1914 )، ولكن فن الإخراج المسرحي قد ظهر في العصور القديمة قبل (ساكس ميننجن)، وتعتبر بداية ظهوره في المسرح المصري القديم.

والغريب أنه ظهر بشكل حديث جدا، وهذا يعود إلي أن المسرح المصري القديم، مفهومه، وأسسه، وقواعده تختلف كل الاختلاف عن المفهوم الدرامي للمسرح اليوناني، ولا وجه للقياس بينهما.

وهذا يعود في كون المسرح المصري القديم، اعتمد على فن التمثيل بكل إمكاناته في تقديم عمله المسرحي، بينما اليوناني اعتمد على محاكاة فعل، وكما أوضحنا أن العرض الخاص بالتراجيديا ثابت، والشاعر يؤلف شعره متخذا أسلوب الخطابة على هذا الشكل الثابت.

ولكن في المسرح المصري القديم، كان العرض يعتمد على ظهور الشخصيات، بكل ملامحها الإنسانية (إحساس ، ذهن ، شعور) مع كلمها المعبر عنها، وعن عملها.

ولهذا كان (الإخراج) يعتمد في مصر القديمة على الحركة والإيماءة، وتمثيل مشاهد القتل، والحروب.. إلخ ، فلم يكن العرض ثابت، بل كل عرض من عروض المسرح المصري القديم له طريقة في (الإخراج)، وما وصل إلينا يؤكد ذلك.

فتوجد برديات بها توجيهات للممثلين، ونسوق مثال من بردية برلين رقم 1425، يوضح كيفية اختيار الممثلة التي سوف تقوم بدور إيزيس، والأخرى التي سوف تقوم بدور نفتيس.

ووصف دورهما في افتتاحية عرض من العروض  (تختار امرأتان ممشوقتا القوام، وتجلسان على الأرض أمام البوابة الأولى للقاعة الواسعة (أوسخت)، ويكتب على منكب إحداهما (إيزيس)، وعلى منكب الأخرى (نفتيس).

تغنيان مقطوعة في حضرة الآلهة

مقطوعة في حضرة الآلهة

ويوضع في اليد اليمنى لكليهما إبريق من القاشانى قد ملئ بالماء، كما يوضع في اليد اليسرى لكليتهما أرغفة (خبز منف)، ونجد في بردية المتحف البريطاني رقم ( 1018) نفس وصف إخراج المشهد السابق ولكن باختلاف إخراجي.

فالفتاتان يرتديا باروكة (شعر مستعار) وتمسك كلتاهما بدف في يديها، و(تغنيان مقطوعة في حضرة الآلهة)، والبرديتان كما نرى احتويا، على شكل الممثلتان، مكان وجودهما في العرض المسرحي، أوضاع الممثلتان الحركية الجلوس، أو الوقوف والغناء، المكياج (الباروكة)، الأدوات، الإبريق، آلات إيقاعية الدف.. إلخ.

فهذا بالطبع هو إخراج لبداية عرض وجزء من عرض مسرحي كبير، وأعجب ما في هذه البرية هو وجود ممثلات مصريات داخل العرض المسرحي، فكما وجد في مصر القديمة ممثلين رجال ، وجد أيضا ممثلات نساء (ولكن لم يصل إلينا أسمائهن).

ونسوق مثال آخر يوضح (الإخراج) المسرحي في مصر القديمة من مسرحية (انتصار حورس)، ومشهد الانتصار على (ست)، ونرى كيف تم إخراج هذا المشهد:    

حورس:

الحربة الثالثة عالقة بقوة في رقبته

أشواكها، تنغرس في لحمه

ايزيس:

ألقي الحربة الخاصة بك، أنا أسألك؟

عند تل الوحش المتوحش

كما ترى، أنت على تل خالٍ من الشجيرات

شاطئ خالي من الفرك

لا تخف من فظاعته

لا تهرب بسبب الذين في الماء

دع حربتك تثبت عليه

ابني حورس

لقد سقط أعداؤك تحتك

فأكل لحم الرقبة

كراهة النساء

ضجيج الرثاء في سماء الجنوب

والنحيب في سماء الشمال

ضجيج رثاء أخي سيث

لقد أمسكه ابني حورس بقوة

مسرحية (انتصار حورس) نموذج للإخراج المسرحي

مسرحية (انتصار حورس)

(الإخراج) المسرحي لهذا المشهد: نستطيع استنباطه مما وصلنا عن أماكن العروض المسرحية في مصر القديمة، وهى المعابد المجهزة لعرض العروض التمثيلية، ونرى كيفيه إخراج هذا المشهد من مسرحية (انتصار حورس).

المشهد به: (إيزيس ، وحورس).

المكان المسرحي بحيرة المعبد (ذكرناها سابقا وشرحنا دورها بالتفصيل).

الأدوات المصاحبة لحورس: أسلحة (الحراب الشائكة، قارب).

(إيزيس) واقفة على شاطئ البحيرة، توجه (حورس) بكلامها، وتحفزه على قتل (ست) وتشجعه.

حورس: داخل البحيرة في قاربه، بأدواته الحربية، يصارع ممثل آخر يمثل شخصية (ست)، (الاداء صامت يصور المعركة يصاحبه كلام إيزيس على حركات قتال حورس لست حتي يقضي عليه).

وهكذا نرى كيفية إخراج هذا المشهد، وقد قام المخرج باستخدام البحيرة الملحقة بالمعبد ليمثل فيها.

ونسوق مثال آخر: لنعرف كيف كانت تشتغل الحديقة الموجودة في المعبد في العروض المسرحية، فنرى (إيزيس) في منطقة مستنقعات خميس، وبالطبع المستنقع هو بحيرة حولها بعض الزروع الخضراء، ونستنبط  كيفة استغلال الحديقة كمنطقة أحراش وبجانبها البحيرة التي تمثل المستنقع.

ها هو ذا  (حور) قد لدغ ، ابنك حور يا راع قد لدغ، لدغ حور، لدغ حور وارث وريثك الذى على مملكة شو، لدغ حور فتى خميس، الفتى المقدس لقصر الأمير، لدغ حور الرضيع الذهبي، الطفل الذى فقد أباه و هو فى  المهد.

لدغ حور الذى كان قلقا في المخبأ والذي كان يخاف منذ كان في بطن أمه، ما أشد لهفتي لأن أراه حيا، أنعم به من صديق ذاك الذى يرد إليه الحياة.

(إيزيس) تستنجد بسكان المستنقعات، وهى واقفه تصرخ وتتكلم عن لدغ العقرب لحورس.

والمشهد ليس في احتياج لشرح إخراجي، فنستطيع تخيله بسهولة.

وهكذا تكون مصر من أوائل الدول في العالم القديم التي ظهر فيها مخرج متخصص لإخراج العرض المسرحي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.