رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: التنوع البنائي لـ (الحبكة) في المسرح المصري القديم

بقلم الدكتور: كمال زغلول

إن جمالية (الحبكة) في أسس بنائها، وهذه الأسس تشمل الزمان، والمكان، والشخصيات.. إلخ.

و(الحبكة) المسرحية هى حبكة مرئية، بمعني أنها صنعت لكي تقدم مشاهد حية من خلال ممثلين، للجمهور المشاهد.

ولذلك عند بنائها يضع المؤلف تركيزه منصب على جمالية (الحبكة)، في بنائها التصاعدي للأحداث، حتى تؤثر جماليا في المشاهد، وهذا هدف الفن التمثيلي.

ونجد أن المؤلف في المسرح المصري القديم استطاع من خلال الأسس التي تبني عليها (الحبكة)، أن ينوع في البناء التمثيلي لها، ويستنبط عدة حبكات تأثيره.

ونحاول في هذا المقال التعريف بالتنوع الجمالي لـ (الحبكة) المسرحية عند المؤلف المصري القديم:

 بداية المصريون القدماء من أوائل الدول في العالم القديم والحديث  الذين قدموا النص التمثيلي ذو الشكل والمضمون والأسس التي بني عليها، فهم أول من قدم الشكل في النص المسرحي، وميزوه عن النصوص الأخرى.

إقرأ أيضا : كمال زغلول يكتب: (المؤلف المسرحي) في مصر القديمة

ونسوق مثال لنتعرف على هذا الشكل:

المرأة: ولكن كيف تعلمين أن ذلك الذى سوف تضعينه في داخل البيضة هو من أجل الإله السيد ووريث آلهة العناصر؟

إيزيس: أنا إيزيس أكثر الآلهة شهرة وقداسة، إن الإله الذى بين أحشائي هو غرس أوزيريس.

فالشكل هنا واضح، في كونه مكون من شخصيات تتكلم، وعندما كتبه المؤلف جعل له شكل بحيث تكون الشخصية المتكلمة حاضرة في النص، وتتكلم بلسان حالها، بطريقة منظمة متصاعدة.

وأي إنسان في العصر الحديث يرى نصا بهذه الطريقة سوف يعرف أنه نص مسرحي، فهم أول من وضعوا شكلا للعمل التمثيلي كنص وأول من وضع بناء جمالي لـ (الحبكة) هم المؤلفون المصريون القدماء.

المصريون القدماء صنعوا البناء التمثيلي لـ (الحبكة) مشتملا على المنظر المسرحي

البناء التمثيلي لـ (الحبكة)

فقد صنعوا البناء التمثيلي لـ (الحبكة) مشتملا على المنظر المسرحي، والزمان  والمكان والشخصيات.. إلخ .

أما عن مضمون (الحبكة)، فهي تتحدث عن إشكالية حمل إيزيس بحور، وتبرهن في مناقشة مع سيدة تحاول لإيزيس، عن كيفية حملها من أوزيريس الميت.

وهذا هو المضمون المراد عرضه أمام المشاهدين في صورة تمثيلية، وهذا الشكل البنائي قد تم عمل تنويعات عليه في أسس بناء (الحبكة) المسرحية.

ونلاحظ هنا أنه لأول مرة في التاريخ ظهور شخصية البطل في (الحبكة) صامتة، تمثيلها يعتمد بشكل أساسي على التمثيل الصامت، وهذا ما نشاهده في مسرحية تصور مقتل (أوزيريس)، ونسوق مثال عليها:

ست: (يظهر ست حامل السلاسل الحديدية التي سوف يستخدمها في قتل أوزيريس، بالإضافة إلى الخنجر وبعض الأسلحة)

أوزيريس: خائفا.. لا تتخلى عن أوزيريس، أيا أتون رع، وإلا فهو هالك لا محالة.

ست: يظهر في مركب قداما هو وأتباعه متجها إلي الشاطئ.

أوزيريس: إني لم أرتكب إثما، لا تجعل بغضك يتفجر ضدي، إنني أمنح، وسأعصيك وفقا لأوامري، ولا تنتزع قلبي من جنياه، فإنني أنا رب الحياة.

ست: يقوم ست مع أعوانه بضرب أوزيريس ضربا مبرحا.

إقرأ أيضا : كمال زعلول يكتب: (إيزيس) .. والانتصار على ست !

وقاموا بتقيده على شجرة الجميز، وقاموا بعمل حبال على الشجرة فيما يشبه المشنقة، وضع أوزيريس على المشنقة، (ست يشعر بالرضا والفخر)، (ست) يتلذذ بمشاهدة أوزيريس) هو يعاني من سكرات الموت.

(ست) يخرج الخنجر من وسطه ويستعد لانتزاع قلب (أوزيريس) الذي مازال ينبض بالحياة، (ست) ينتزع قلب (أوزيريس)، وتكون نهاية أوزيريس المفجعة.

أتباع ست: يهللون ويهتفون به ملكا للبلاد.

ست: يأمر اتباعه بوضعه على محافة خشبية، ويطوفوا به البلاد ويداه ملطختان بالدماء، ليعلن عن انتصاره.

المسرحي المصري القديم،قدم (الحبكة) النفسية التي تصور نفسية (إيزيس) ومعانتها

المسرحي المصري و(الحبكة) النفسية

أيضا نلاحظ هذا التنوع المؤثر في أنواع الحبكات التي ألفها المسرحي المصري القديم، فيقدم (الحبكة) النفسية التي تصور نفسية (إيزيس) ومعانتها في تربية ابنها.

مثال إيزيس: أنا إيزيس التي حملت من زوجها وولدت الإله (حور)، لقد ولدت حور ابن (أوزيريس) وسط مناقع خميس، واغتبطت من ذلك جدا جدا، لأنى رأيت فيه ذلك الذى سوف يثأر لأبيه.

لقد كنت أخفيه، وبدلت ملامحه مخافة أن يقتل، وهجرت مكاني أطلب رزقا حتى لا يحس العوز، وكنت أمضى اليوم ساعية بينما ظل الطفل وحيدا، وعدت لأقبل حور، ووجدته أي حور الذهبي الجميل.

ذلك الطفل الذى فقد أباه وهو في المهد، والذى بلل الأرض بماء عينيه ولعاب شفتيه وكأن قلبه هامدا أوقلبه لا يحس، وكانت شرايين لحمه لا تنبض.

صرخت قائلة: وابؤساه ها هو ذا طفلي يهلك جوعا وثدياي هواء، وإن فمه ليبدوا فاغرا طلبا للغذاء، واطفلاه لقد نضب المعين.

إقرأ أيضا : كمال زغلول يكتب: (إيزيس) وست.. الصراع المميت !

وتصوير شخصية إيزيس في هذه (الحبكة)، يعبر المؤلف فيها عن تلك النفسية لصورة الأم ومعاناتها النفسية مع وليدها حتى تسطيع أن تربية بعيدا عن (ست)، الذى وضع أمامها عراقيل كثيرة كي يتخلص منها ومن وليدها.

ونأتي على حبكة أخرى، وهى حبكة متقدمة جدا، في ذلك العصر وهى الرجوع بالزمن (FLASHBACK) إلى الماضي واستحضار الشخصيات من خلال شخصية القارئ أو المنشد  داخل المسرحية.

في مسرحية (انتصار المنشد): حورس البهديتي الإله العظيم رب السماء، الذي قام نيابة عن والده بمعاقبة الوحش على ما فعله، ينقلب على نفسه في شكل الحربة الباسلة.

ويدوس على ظهور أعدائه.

ثم تظهر شخصية (حور) وكأنها استرجعها من الماضي لتمثل الحدث:

حورس: الحربة الشائكة الوحيدة في يدي اليسرى، الثلاثة الشائكة في قبضتي، دعونا نقتل هذا الشرير بأسلحتنا.

وهكذا استطاع المؤلف المسرحي القديم وضع أسس (الحبكة) المصرية ثم قام بالتنويع في التأليف عليها، مما جعل لكل حبكة مسرحية من الأنواع السابقة لها تأثير جمالي على المشاهد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.