رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عصام السيد يكتب: في مهرجان الرحالة.. (بأم عين) غنام غنام!

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد

أقام مهرجان الرحالة الأردني لمسرح الفضاءات المفتوحة حفله الختامي بمقهى (ساقية الدراويش) في جبل اللويبدة بالعاصمة عمان في تقليد يليق بطبيعة المهرجان، وهو المقهى الذى استضاف عرضا من عروض المهرجان إلى جانب الحفل الختامي، لكن الأمر لم يقتصر على هذا، فقد أعلن الفنان والمخرج حكيم حرب رئيس المهرجان عن تعاون صاحب المقهى (عزيز مشايخ) مع فرقة الرحالة بشكل دائم، حيث سيتم نقل مقر الفرقة إلى المقهى، كما ستُفتح ساحاته  وفضاءات مقهى (الجفرة) بوسط عمان الذى يملكه (مشايخ) لكافة الفرق المسرحية لتقديم عروضها وأيضا للتدريبات، في بادرة طيبة تنم عن استنارة صاحب المقهيين و إدراكه لدوره الثقافي و تحقيقا لطبيعة المهرجان .

لكن برغم وجود كافة عروض مهرجان الرحالة خارج المسارح التقليدية إلا أن كثيرا منها أعطانا الإحساس بأنه قد جرى تصميمه على أن يقدم داخل العلبة الإيطالية، بل إن موقع جلوس المتفرجين في معظم العروض كان منفصلا عن مكان تقديم العمل وكأن الجمهور في صالة، والتمثيل على المسرح بالرغم من عدم وجود خشبات للمسارح!!، وهذا ما يؤكد إحساسنا بأن هذه العروض نُقلت  في عجالة من مسرح تقليدى الى مكان مفتوح دون النظر إلى الخصائص المسرحية للأماكن المفتوحة، وفلسفة تقديم عروض بها، فالغرض من وجود عرض في الشارع أو مقهى أو ساحة هو الاقتراب من الجماهير والتمرد على قواعد المشاهدة المنتظمة والمنظمة سلفا للحصول على التفاعل الخلاق للمتفرج، و هو أمر يجب أن يراعيه المهرجان الوليد في دوراته القادمة، فهو مهرجان لعروض السامر والمسرح الاحتفالى والألعاب الشعبية والظواهر المسرحية مثل الأراجوز وخيال الظل وعروض الفولكلور بالدرجة الأولى وعليه أن يسعى لدفع المشاركين فيه إلى تقديم هذه النوعية.

عرض (بأم عيني) لغنام غنام من أقوى عروض مهرجان الرحالة

عروض مهرجان الرحالة

عروض مهرجان الرحالة قليلة كانت بالفعل تتعامل مع المكان بإدراك ووعى أنه مكان مفتوح قابل لتحطيم قواعد المشاهدة من أجل تفاعل الجمهور ومشاركته الإيجابية في العرض، لعل أهم هذه العروض هو عرض (بأم عينى) للكاتب والممثل و المخرج الأردني الجنسية و الفلسطيني الأصل غنام غنام ، الحائز على جائزة فلسطين التقديرية للفنون عام 2022 ، برغم أن العرض لم يكن داخل التسابق بل تم تقديمه في ليلة ختام المهرجان وبعد إعلان الجوائز فكان ختاما رائعا، فقد تم تقديمه وسط حلقة من الجمهور بلا مؤثرات صوتيه أو ضوئية و كأنه يقول هكذا تكون عروض هذا المهرجان.

إقرأ أيضا : عصام السيد  يكتب: سامى خشبة .. مفكر وناقد من عصرنا (1)

في البداية لابد و أن نقر بأن (بأم عينى) ليست مسرحية حسب القواعد المتعارف عليها، و لماذا نحتاج الى القواعد المألوفة و المعروفة في مهرجان يسعى لكسر المعتاد والمألوف؟، وبرغم أن من يقدم العرض ممثل واحد فإنه أيضا لاينتمى لصنف المونودراما، فهذا الصنف له نصيب من اسمه أي أن المونودراما تتبع قواعد الدراما و لكن يقدمها ممثل يندمج في شخصية مختلفة عنه ويجسد لنا مشكلتها بكل أحاسيس تلك الشخصية و تطورها خلال العرض، الذى لابد و أن يحوى صراعا من نوع ما، و لكن عرض (بأم عينى) في مهرجان الرحالة هو ببساطة عرض (حكى) يحكى فيه (غنام) عن تجربة شخصية حدثت له، فلا يتخفى خلف شخصية مسرحية، وحتى عندما يتحدث بلسان آخرين فإنه يقدمهم بطريقة تقليد الحاكى للشخصيات المحكى عنها وليس بأسلوب الممثل الذى يتقمص شخصية .

(سأموت في المنفى).. إحدى تجارب غنام غنام التي سبقت مهرجان الرحالة

غنام ومهرجان الرحالة

اختار (غنام) في هذا العرض في مهرجان الرحالة، أن يكمل ثلاثيته المسرحية حول القضية الفلسطينية – التي كانت عنصرا حاضرا باستمرار في معظم عروضه – والتى بدأها بعرض (عائد الى حيفا)، ثم (سأموت في المنفى) الذى قدمه في كثير من الدول العربية – و كلاهما عرض حكى من نوعية الممثل الواحد، و كأنه قد كتب على نفسه أن يحمل عروضه على ظهره، يجوب بها أرجاء الوطن العربى لتذكير الناس بمعاناة شعب الأرض المحتلة أمام عدو غاشم يسعى لمحو الهوية الفلسطينية وأمام اتفاقيات تطبيع قد تطمس القضية.

عنوان العرض نفسه في مهرجان الرحالة يوحى بالكثير، فهذا العنوان (بأم عينى) هو عنوان أول كتاب للمحامية الإسرائيلية (فيليتسيا لانجر) التي نالت العديد من الجوائز العالمية لكونها أول محامية تدافع عن الأسرى الفلسطينيين في سجون المحتل الغاصب، ووقفت في المحاكم الإسرائيلية ضد أوامر الإبعاد وهدم البيوت والتعذيب والقتل، و قد تحول كتابها الى مسلسل تليفزيونى فيما بعد، ثم أصدرت عدة كتب في نفس الشأن بالإضافة الى مذكراتها، والحقيقة أننى لم أكن لأصدق موقف تلك المرأة أو أيا غيرها من المدافعين الإسرائيليين عن حقوق الشعب الفلسطيني لولا علمى أنها غادرت إسرائيل، فليس هناك دفاع أصدق من أن تترك الأرض لأهلها، و في هذا قالت فى مقابلة مع صحيفة (واشنطن بوست): قررت ألا أكون كورقة التوت لهذا النظام، أريد ترك بلدي ليكون نوعا من التظاهر والتعبير عن اليأس والاشمئزاز.

إقرأ أيضا : عصام السيد يكتب : سامى خشبة .. شجاعته وحُسن إدارته (2)

ولأن عروض الحكى في مهرجان الرحالة، تقوم بالأساس على إيصال كم ضخم من المشاعر للمشاهد وإثارة دهشته تمحور العرض حول مغامرة (غنام) لدخول الأرض المحتلة الممنوع من دخولها – ولم يوضح في العرض أسباب عدم منحه تصريح بالدخول – لزيارة ابنتاه وأحفاده، وكيف تعاون أصدقاء وأقرباء (غنام) في تهريبه إلى داخل الأرض المحتلة التي لا يزور فيها الأهل فحسب، بل يتعدى الأمر إلى جولة طويلة يزور فيها أماكن كثيرة في (حيفا وعكا) منها منزل أسرة الكاتب والصحفى الفلسطيني الأشهر (غسان كنفانى)، والذى عاش فيه طفولته وصباه قبل أن يغادره في نكبة 1948،  ولكن البيت مازال معروفا باسمه رغم كل تلك السنوات.

(بأم عيني).. فجر ثورة البراق في مهرجان الرحالة

ثورة البراق في مهرجان الرحالة

ويزيد غنام مشاعرنا تأججا بسرد زيارته لقبور شهداء ثورة البراق في عكا، وهي الثورة التي قامت عام 1929  في زمن الانتداب البريطاني على فلسطين للنزاع حول حائط البراق بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين احتشدوا يهتفون (الحائط لنا) وينشدون نشيد الحركة الصهيونية في حماية الشرطة البريطانية، في اليوم التالي رد العرب بتنظيم بمظاهرة مضادة من المسجد الأقصى واتجهوا إلى حائط البراق، حماية للمقدسات الإسلامية، ثم اندلعت اشتباكات بين الجانبين وفي الأيام التالية انتقلت الاشتباكات إلى مدن أخرى، فاعتقلت سلطات الانتداب تسعمائة فلسطينيا وأصدرت أحكاماً بالشنق على ثلاث هم (فؤاد حسن حجازى ، و محمد خليل جمجوم ، و عطا احمد الزير)، ليصبح الثلاثة أيقونة من أيقونات الكفاح ضد المحتل تصاغ حولهم القصص و تروى حكايتهم المواويل بعد أن تم تنفيذ الحكم فيهم في سجن مدينة عكا المعروف باسم القلعة.

و يمضى (غنام) في مهرجان الرحالة، على وقع الذكريات ينشد أبيات الشاعر (إبراهيم طوقان) في رائعته الشعرية الثلاثاء الحمراء ويستفز الجمهور ليغنى معه وهو يصر على سرد وقائع رحلته التي خاتل فيها شرطة الاحتلال متسائلا: أين المحتل؟، وكأن هذا النصر الصغير على الآلة الإسرائيلية الجهنمية والذى صنعه البسطاء دليل على قوتهم و قدرتهم على هزيمة تلك الآلة، ولم لا وقد وقف الحجر في وجهها من قبل في انتفاضة غير مسبوقة؟

في رشاقة ومهارة تحرك (غنام) داخل الحلقة حركة سريعة لا هدف منها سوى شد انتباه جميع الأطراف، مخاطبا هذا باسمه وطالبا من ذاك أن يغنى ومذكرا ثالث يعرف الأماكن بما وقع فيها، وتلك قدرة لايستطيعها كثيرون، إنها قدرة الحكاء الشعبى الأصيل، ولكن من وجهة نظرى لو جلس المتفرجون حول (غنام) في شكل مربع ينقص ضلعا لخفف من حركته وقلل من إجهاد نفسه ولجعل متعتنا أكبر وتركيزنا أعلى، فعروض الحكى في مهرجان الرحالة، لاتستلزم الحركة كثيرا، بل حركتها داخل الحدوتة التي تروى والانفعالات التي تنقلها لجموع المشاهدين، حتى يصبحوا مشاركين و ليسوا متفرجين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.