رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

اكتشاف أغنية مجهولة لبليغ حمدي كتبها ولحنها في رثاء جمال عبد الناصر

محمد دياب

كتب : محمد دياب

تحل اليوم الذكرى الـ 52 لرحيل الزعيم جمال عبد الناصر، وقبل أيام قليلة احتفلنا بالذكرى التاسعة والعشرين لرحيل الموسيقار بليغ حمدي، واحتفاءا باسم (ناصر وبليغ) نكشف في هذا التقرير عن أغنية مجهولة كتبها ولحنها بليغ في رثاء الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970 ولم تخرج الي النور، وعن أغنية أخرى خرجت إلى النور، رثى فيه الزعيم وغنتها المطربة شادية.

يطيب للبعض أن يضع الموسيقار بليغ حمدي في خانة ممكن كانوا يكرهون الزعيم جمال عبد الناصر، ويقولون أن بليغ كان يميل عشقا إلي زمن الملكية، ولد بليغ في العام 1931 وتوفي عام 1993، أي أنه ولد في زمن الملك فؤاد الأول وعاش طفولته وصباه في زمن الملك فاروق الأول ، وعاش فترة شبابة في زمن جمال عبد الناصر، ونضوجه في زمن الرئيس السادات وشيخوخته في زمن الرئيس مبارك الذي توفي بليغ خلاله.

ويدللون على ذلك بأن بليغ لم يذكر اسم عبد الناصر في أية أغنية وطنية له قدمها في عهده، والحقيقية هى أن بليغ وكما ذكر هو نفسه في أكثر من حديث صحفى لم يكن يحب ذلك ولا يستسيغه، وكان يفضل أن يكون الغناء الوطني خالصا للوطن، والدليل على ذلك إنه في عهد السادات لم يذكر اسمه صراحة في أيه اغنية وطنية له، ذلك رغم علاقته الممتازة والطيبة بالسادات، وإن كان أشار إليه في أغنيتان هما (عاش اللي قال للرجال عدوا القنال) التي غناها عبد الحليم حافظ من كلمات محمد حمزة أثناء حرب أكتوبر 1973، وأغنية (عقبال اللي جاي يا أهالينا) التي غنتها زوجته وردة الجزائرية عام 1975 من كلمات عبد الوهاب محمد، وقدمها في مناسبة إعادة الملاحة الدولية لقناة السويس، وفي هذه الاغنية أشار إلى السادات في غناء وردة : (ده اللي عدانا من الأول ياما لسه كمان هيعدينا من مينا لمينا بسلامة).

عبد الناصر

وفي عهد عبد الناصر قدم اغنيتان أيضا، الأولى مجدت (الحركة المباركة)، وهي نشيد (فجر جديد) من كلمات عبد الوهاب محمد، وغناء مجموعة الفنانين (شادية وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة ووردة الجزائرية وفايدة كامل)، قدمه بليغ في العيد العاشر لثورة يوليو عام 1962 وتضمن النشيد عشر مقاطع غنائية، كل مقطع يتحدث عن منجزات الثورة في ذلك العام، يقول مطلع النشيد:

فجر تلاتة وعشرين يولية أول فجر حقيقي

طلع على بلدي الحرة

فجر تلاتة وعشرين يولية أحلى بشير

مع نوره سمعنا أغاني الثورة

الله أكبر ثورة مباركة الله أكبر نصر

الحركة نصرة  لـ 26 يولية.

الأغنية الثانية والتي تضمنت إشارة الي عبد الناصر كانت أغنية (عدينا يامعداوي) التي كتبها عبد الوهاب محمد وغنتها شادية قبل نشوب حرب يونيو 1967 بأيام، تقول كلماتها: (عدينا يامعداوي ما كفاية الواقفة سنين / وصبرنا ياريس ياما وطول بينا الحنين).

الملك الحسن الثاني

ولم يكسر بليغ هذه القاعدة إلا مرتين، الأولى في عام 1968 عندما قدم لحن في عيد ميلاد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وغناه عبد الحليم حافظ خلال جولته في تونس ذلك العام وكان بليغ بصبحته، الاغنية كتبها التونسي عبد الحميد بن جدو، وفي حفل حضره بورقيبة وكان يوم ميلاده غنى حليم: (يامولعين بالسهر هنا يغني العندليب / والليل يزوهو والسهر في عيد ميلاد الحبيب)، وفي العام التالي لحن بليغ لعبد الحليم حافظ ، لحن المصالحة بين ملك  المغرب الحسن وحليم بعد قطيعة ستة أعوام، من كلمات محمد حمزة: (الماء والخضرة والوجه الحسن عرائس تختال في عيد الحسن)، أتبعها بلغ بأكثر من لحن لحليم غناهم في أعياد ميلاد الملك الحسن وأنجاله.

وعلى مايبدو أن بليغ كان يتعاطى مع هذه الأعمال باعتبارها أغنيات مناسبات خاصة ولن تصل إلى مسامع الجمهور في مصر، لكن  التطور التكنولجي والشبكة العنكبوتية جعلت تلك الأعمال اليوم في متناول أسماع الجمهور في كل مكان.

غير أن المفاجأة الكبيرة جاءت في تقرير صحفي نشرته جريدة (الجمهورية) في التاسع من أكتوبر 1970 وبعد رحيل الزعيم جمال عبد الناصر بإحدى عشر يوما، تذكر فيه أن بليغ حمدي قد انتهى من كتابة وتلحين أغنية حزينة في رثاء عبد الناصر، ومما جاء في التقرير: (انفعل الملحن بليغ حمدي بالمشهد الرهيب لوداع الرئيس جمال عبد الناصر فكتب رثاء على شكل أغنية حزينة، تصور صدمة الجماهير عند سماع نبأ الوفاة، وينوى بليغ أن يسجل هذه الأغنية بصوته وبصوت المطربة (عفاف راضي) ثم بأصوات الكورال إلى جانب طبع موسيقاها على اسطوانة).

عبقري النغم بليغ حمدي

وتابعت الجريدة: (وسيشترك بليغ بهذا اللحن في مهرجان (كونتس) الدولي للموسيقي بمدينة طوكيو في نوفمبر القادم، وهو أول مهرجان دولي تقيمه اليابان وتشترك فيه 43 دولة، وسيحضر بليغ المهرجان ترافقه عفاف راضي ليقود الأوركسترا أثناء تقديم الاغنية أمام الجمهور ولجنة التحكيم).

الأغنية التي كتبها بليغ وتعد بمثابة اكتشاف حقيقي، جاءت تحت عنوان (ياعيني)، تقول كلماتها الحزينة:

دق علينا الحزن الباب قال قوموا غابوا الأحباب

قلنا ياريته خبر كداب وحبيبنا ماغاب

فاتنا ياعيتني ف لحظة قوام والله حرام

غاب عن عينا ماقلش سلام والله حرام

كان مالي الدنيا بأمانينا

كان هو الفرحة وأغانينا

أهو راح وفايتنا لوحدينا

ياعيني

قال لينا وياما قال لينا فاكرين كلامه

ولا نسينا ماشيين في طريقنا لأمانينا

وسمعنا صوته ينادينا على مصر بلدنا يوصينا

دي أمانه وفايتها في إيدينا أمانة.

وعلى بساطة كلماتها جاءت بمثابة أول أغنية كاملة يكتب كلماتها بليغ ويلحنها، حيث سيصبح بليغ شاعرا غنائيا بشكل رسمي في النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين، وسيحصل على عضوية جمعية المؤلفين والملحنين كشاعرغنائي تحت اسم مستعار هو (إبن النيل) بالاضافة إلى عضويته المستقلة كملحن.

المدهش أن حليم أجرى في وقت مبكر حورا مع مجلة (الكواكب) تحدث فيه عن قصيدة رابعة كتبها له خصيصا الشاعر صلاح عبد الصبور في رثاء ناصر وأن بليغ حمدي يقوم بتلحينها، وللأسف لم تخرج الأغنية الأولى إلى النور لا بصوت بليغ ولا بصوت عفاف راضي، كما لم تخرج الأغنية الثانية إلى النور أيضا بسبب مرض حليم بالصفراء وإلزام الأطباء له بالخلود إلى الراحة.

السادات

لكن بعد مرور نحو شهرين وتحديدا في الخامس عشر من يناير 1971، وقفت (شادية) في أسوان لتغني في حفل كبير أقيم احتفالا بانتهاء بناء السد العالي وأمام الجموع وفي حضور الرئيس أنور السادات والزعيم السوفيتي نكيتا خروتشوف، وقفت لتغني أغنية (غالية يابلادي) التي لحنها بليغ حمدي وكتبها محمد حمزة، تتنقل فيها مابين الفرح والحزن، الفرح ببناء السد والحزن على الزعيم الذي حارب من أجل بناء السد ولم يتمكن من الفرح باكتمال بناءه، وهي تنشد حزينة:

ماتقلوش الشمعة دابت ماتقلوش ده غاب الضي

مهما يغيب اللي بناه مهما يغيب في قلوبنا حي

عايش زي مصر وزرعها

عايش زي طلعة فجرها

عايش زي ضحكة ولدها

عايش زي نيلها وفجرها

عايش زي الأمل في قلوبنا لكل بكرا جاي

وماتقولوش.

شادية

أخيرا كان بليغ يعلق على حائط مكتبه في الزمالك علم مصر الملكي القديم الأخضر بهلاله ونجماته الثلاث وضع بالقرب منه فونوجراف قديم ، وأذكر أن أصدقاء مقربين من بليغ كانوا يرون أن ذلك الأمر هو بمثابة دلالة مؤكدة على كون بليغ كان يحب العهد الملكي وأنه لم يكن يؤمن بثورة يوليو، لكن غاب عن هؤلاء عشرات الأغاني التي كان بليغ يقدمها عاما بعد آخر في أعياد الثورة لـ (نجاة وحليم وشادية وفايزة أحمد ومحمد رشدي)، وغاب عنهم كذلك أن هذا الديكور الذي اختاره بليغ لمكتبه كان بعد عودته الي مصر عام 1981 من فترة الشتات بعد طلاقة من وردة، متنقلا مابين إمارة أبو ظبي والكويت وبيروت ودمشق والرباط ولندن، وأنه لا يعدو أكثر من كونه نوعا من النوستالجيا لا أكثر.   

يذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر كرم بليغ حمدي في احتفال (عيد العلم) منتصف الستينات ، لكننا للأسف لم نتمكن من الحصول على صورتيهما معا في تلك المناسبة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.