رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

فاطمة رشدي : تهدى عزيز عيد كتابها وتقول: إلى الذي جعل مني شيئا عظيما

* الكتاب سرد لحقبة فنية رائعة للمسرح المصري، هذه الحقبة التى كان لها الفضل في توجيه الشعب وتفهمه الروائع العالمية

* سعيد عبده :  كانت لفاطمة رشدي ذاكرة قوية، لا تلبث أن تحفظ الشعر مرة حتى تلقيه دون حاجة إلى ملقن.

سارة برنار الشرق فاطمة رشدي

كتب : أحمد السماحي

تعتبر (فاطمة رشدي) واحدة من الرعيل الأول للسينما المصرية، وواحدة من رائدات السينما والمسرح، وواحدة من أربع فنانات رائدات سبقن نجمات العالم وقمن بمحاولات في حقل الإخراج السينمائي في العشرينات وبداية الثلاثينات، وهؤلاء الأربعة هن (عزيزة أمير) التى أخرجت فيلم (كفري عن خطيئتك)، و(بهيجة حافظ) التى أعادت إخراج (الضحايا)، و(أمينة محمد) التى أخرجت فيلم (تيتا وونج)، و(فاطمة رشدي) التى أخرجت فيلم (الزواج)، ولم يقتصر إخراج (فاطمة) على الإخراج السينمائي فقد أخرجت للمسرح مسرحيتي (أنا كارنينا) و(البعث) لتولستوي، تحت إشراف أستاذها (عزيز عيد).

كان حب الفن يسري في روح (فاطمة رشدي) مسرى الدم في العروق، فوهبته حياتها وضحت من أجله بكل شيئ، والقيمة الفنية لفاطمة رشدي أنها عاشت حياتها كلها على خشبة المسرح، منذ كانت صبية صغيرة في الثانية عشر من عمرها، تغني وترقص وتلقي المنولوجات وتمثل بينما من كن في سنها وقتئذ يمضين أوقاتهن في اللعب.

لقد اقتربت من هذه العملاقة في نهاية حياتها، وشهدت وأنا في بداية مشواري الصحفي عذابها وتنقلها من (بنسيون) لآخر، وأشهد أنها كانت تمتلك ذاكرة ذهبية حتى أنها وهى تقترب من التسعين من عمرها وفي (لقاء الرواد) الذي كان يعده الفنان الكبير (محمود الحديني) في المسرح القومي ألقت قصيدة شعرية طويلة كاملة عبارة عن مونولوج مسرحي للشاعر الكبير (أحمد شوقي)  من رائعته التى مثلتها في شبابها وهى (مصرع كليوباترا) بحضور (أمينة رزق، فردوس عبدالحميد، دكتورة نهاد صليحة، مهدي الحسيني) وغيرهم من المهتمين بالمسرح، وسط إعجابنا وانبهارنا جميعا.

جمال من نوع براق خاص

لم يقتصر عطاء (فاطمة رشدي) على الفن، ولكنها أحترفت الأدب وكتبت كتابين الأول عن أستاذها وزوجها الرائد المسرحي (عزيز عيد) تحت عنوان (الفنان عزيز عيد) صدر من الهيئة العامة للكتاب، والكتاب الثاني هو الذي نستعرضه هذا الأسبوع في باب (نجوم لكن أدباء) والذي صدر باسم (حياتي في المسرح والسينما) الذي صدر من (دار المعارف) عام 1971 وهو من القطع المتوسط وعدد صفحاته 208 صفحة.

وهذا الكتاب سرد لحقبة فنية رائعة للمسرح المصري، هذه الحقبة التى كان لها الفضل في توجيه الشعب وتفهمه الروائع العالمية، والقفز بالمسرح المصري قفزات أتاحت للكتاب والشعراء الفرصة ليساهموا في تطوير الفن، ووضع أسس الثقافة المسرحية الحديثة الحقة، وألهبت شعور العرب بما قدمته من مسرحيات وطنية.

والفنانة (فاطمة رشدي) في هذا الكتاب سجلت هذه النهضة المسرحية التى أرسى قواعدها الفنان العبقري (عزيز عيد)، وألهمت أمير الشعراء أحمد شوقي، وضع المسرحيات الشعرية لأول مرة في تاريخ المسرح.

المخرج العبقري عزيز عيد

إهداء إلى عزيز عيد

قامت الفنانة فاطمة رشدي بإهداء كتابها إلى أستاذها (عزيز عيد) فكتبت : إلى الذي جعل مني شيئا عظيما، وكنت لاشيئ!، ورفعني إلى القمة، إلى الذي جعل العالم يتحدث عني كما يتحدث عن الأساطير، وجعل من الخلق ألسنة حق، مشيدة بي، معجبة بفني، رافعة من شأني، إلى أستاذي عزيز عيد وكفى!.

الدكتور سعيد عبده

بعد الإهداء يكتب مقدمة الكتاب الدكتور (سعيد عبده) هو طبيب أديب وكاتب وشاعر مصري من رواد الأدب السياسي في مصر، كتب قائلا : عاصرت السيدة (فاطمة رشدي) وهى تصعد في سلم رقيها الفني في العشرينات من هذا القرن، بخطو كان يعد سريعا بالنسبة لتلك الحقبة الخصبة في تاريخ المسرح المصري التى أنجبت (جورج أبيض، عزيز عيد، يوسف وهبي، روزاليوسف، حسين رياض) وبقية ذلك الجيل العظيم من الفنانيين الذي لا يزال غرسه تزدان به جنبات المسرح المصري حتى الآن.

عزيزة أمير .. واحدة من أربع فنانات سبقن نجمات العالم في الاتجاه إلى الإخراج
أمينة محمد .. واحدة من اربع مخرجات مصريات سبقن نجمات العالم في الإخراج
بهيجة حافظ .. واحدة من أربع فنانات سبقن نجمات العالم في الإخراج

لقد شقت السيدة (فاطمة رشدي) طريقها إلى المجد الفني وسط هؤلاء العمالقة الكبار، وأثبتت وجودها بينهم على نفس المستوى الرفيع، وصلتى الفنية بالسيدة (فاطمة رشدي) لم تترعرع إلا في آواخر هذه الحقبة حين اختار المغفور له (أحمد شوقي) أمير الشعراء الأستاذ (عزيز عيد) لإخراج أولى مسرحياته الكبرى الخالدة – مصرع كليوباترا – كما اختار السيدة فاطمة لتمثيل هذا الدور الضخم الذي لعبته (كليوباترا) على مسرح الأحداث التى وقعت في تاريخ مصر سنة 30 قبل الميلاد كما تصورها أمير الشعراء.

وكما اختارني لأشهد بروفات المسرحية التى استمرت أكثر من شهر، لأقوم المعوج من ألسنة الممثلين، وأصلح ما قد يقعون فيه من لحن أو أخطاء، فقد كانت هذه أول تجربة لوضع الشعر الجزل الرصين على ألسنة عدد كبير من الممثلين العظماء، ولقد لفت نظري وأنا أشهد هذه البروفات شيئان أساسيان: الأولى هو الحماسة التى كان يبديها عزيز عيد لإخراج المسرحية، أول ما أخرجت على مسرح الأوبرا في أفخم إطار مستطاع، ولعله كان في هذه الحماسة يحاول أن يتوج جهاده الفني بهذا العمل العبقري الجبار، وقد فعل.

والثاني هو الإخلاص الذي كانت تبديه (فاطمة رشدي) لتستفيد من توجيهات (عزيز عيد) وأماليه أكبر فائدة ممكنة، فكانت خير تلميذة لخير أستاذ، لقد كانت ذكية تلتقط هذه التوجيهات والأمالي بأسرع مما يلتقطها أي ممثل آخر، رغم أن دورها كان أكبر الأدوار، ثم كانت لها ذاكرة قوية لا تلبث أن تحفظ الشعر مرة حتى تلقيه دون حاجة إلى ملقن، ثم لا تلبث أن تلقي هذا الشعر بالإيقاع الذي أراده (عزيز عيد) حتى تبقى في حدود هذا الإيقاع لا تتخطاه، وكانت على ثقافتها المحدودة تدرك ما وراء كل بيت من الشعر تلقيه وتناقش عزيزا في أهدافه ومعانيه.

ويستكمل الدكتور سعيد عبده: وفوق ذلك كانت للسيدة (فاطمة رشدي) جمال من نوع براق خاص ساعدها على أن تبدو تحت تاج (كليوباترا) أقرب ما تكون إلى سمت الملكات، لقد كان أكثر الناس يخشون على فاطمة من تمثيل دور ملكة ودور كليوباتر بالأخص من بين الملكات، ولكن مع هذه المزايا ومع توجيهات (عزيز عيد) وأماليه أتقنت (فاطمة) دورها وظهرت في الجلال الذي أراد لها (عزيز) أن تظهر فيه.

إن حياة (فاطمة رشدي) الفنية حياة عامرة بالأحداث والمفاخر والمحن والمغامرات، وذكرياتها تسجل كثيرا من وقائع المسرح المصري في أخصب عشرين سنة مرت عليه في تاريخه القصير.

…………………………………………………………………………………………

في الحلقة القادمة

* مطربة القطرين فتحية أحمد كانت سببا في صعودها على المسرح لأول مرة وهي طفلة

* سيد درويش يسمعها تغني (طلعت يا محلا نورها) فيطلب أن تترك الأسكندرية وتنزل القاهرة

* طلبت من محمد تيمور أن تؤلف رواية وهى لا تجيد القراءة والكتابة فعرفها على أستاذها الأول عزيز عيد!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.