رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(حكايات من زمن فات ) .. تليفون أحمد سالم

بقلم : سامي فريد

المكان مسرح الريحاني في عماد الدين.

والزمان ثلاثينيات القرن الماضي.

رن التليفون في مكتب الأستاذ بديع خيري قبيل الظهر بقليل في أحد أيام الثلاثينيات الأولى منا لقرن الماضي.

رفع الأستاذ بديع خيري السماعة وأجاب على الطالب:

ألو.. أفندم.

حضرتك الأستاذ نجيب الريحاني.

لا والله يا فندم.. أنا بديع.. أيوه.. بديع خيري.

أمال الأستاذ نجيب فين؟

الأستاذ نجيب زمانه على وصول.

ثم سأل الأستاذ بديع من يطلبه.

وحضرتك مين يا افندم؟

أجاب الطالب:

أنا أحمد سالم مدير ستوديو مصر

رد الأستاذ بديع قائلا:

أهلا وسهلا يا أستاذ سالم.. أي خدمة؟، ممكن أحجز لحضرتك في المرسح (هكذا كانوا يسمون المسرح في تلك الأيام) مطرح مطرحين أكتر وفي أي يوم تطلبه حضرتك.. أؤمر.

يا أستاذ بديع أنا مش عاوز أحجز تذاكر.. أنا باتكلم علشان تبلغ الأستاذ نجيب.

ثم استدرك:

وحضرتك طبعا إني عاوزكم في ستوديو مصر بكرة عشرة صباحا تكونوا عندي.

ثم واصل دون أن ينتظر ردا من الأستاذ بديع:

حضرتك تبلغه.. ما تنساش أرجوك.. بكرة الساعة تسعة صباحا حيكون أوتوموبيل الاستوديو منتظركم قدام باب المسرح.. أرجوك.. ما تنساش تبلغه.

ثم استأنف وكان المسألة لا تحتاج نقاشا:

تسعة صباحا.. ما تتاخروش .. مع السلامة.

ثم وضع السماعة دون أن ينتظر ردا.

أصابت الدهشة الأستاذ بديع .. أولا من لهجة الأستاذ احمد سالم الذي يصدر الأوامر للتنفيذ دون أي رد من الطرف الآخر.

وسأل الأستاذ بديع خيري نفسه إن كان قد سأل الأستاذ سالم ما هو الموضوع، ولماذا يطلبهما وتحديدا وفي الساعة التاسعة صباحا.. ثم اتخذا القرار وسيرسل الأوتوموبيل هكذا بدون حتى أن يعرف الأستاذ بديع ما هو الموضوع.. وما هي الحكاية المهمة.. لكنه قرار في النهاية أن يخبر الأستاذ نجيب أو (سي نجيب) كما كان الجميع يطلقون عليه بالأمر وماذا حدث ليرى رأيه.

مضت نصف ساعة أو أكثر قليلا وسمع الأستاذ بديع صوت (سي نجيب) عند باب المسرح يكلم بعض العمال.. دقائق وكان نجيب أمامه يلقى عليه تحية الصباح أو الظهر.

نهض الأستاذ بديع ليحكي للأستاذ نجيب ما حدث.

واندهش سي نجيب وسأله:

ماقالش عايزنا ليه سي سالم ده؟

ماقالش.

غربية دي؟

لحظات قليلة فكر فيها نجيب ترى ماذا سيكون هذا الموضوع المهم الذي يطلبهما فيه والذي قال عنه لبديع.

لما تيجوا حتعرفوا.. ما تتأخروش

سأله سي نجيب:

بس كده.. وتسعة صباحا.. يعني مش حنعرف ننام إن شاء الله

قال الأستاذ بديع يسأله:

ما قلتليش رأيك يا سي نجيب.. إيه العمل.

ورد سي نجيب:

واللهي يا أخي انا مش عارف.. ثم سأل مستفهما:

يعني هو كانت لهجته جنسها إيه؟

أوامر.. دا حتى حط السماعة ف وشي كأني باشتغل عنده.

أصاب الأستاذ بديع لينهي الحيرة:

أنا رأيي اننا نروح.. مادام حيبعت الأوتوموبيل من الباب للباب.. آه وكمان يرجعنا تاني.. أهو.. نروح ونشوف إيه الحكاية مش حنخسر حاجة.

قال سي نجيب:

لأ.. أنا شخصيا حاخسر.. لإني مش ح أنام.. احنا يا بديع يا خويا.. قصدي أنا خصوصا ما بأنامش إلا الساعة واحدة.. اثنين!

التاسعة صباحا كان الأوتوموبيل امام باب المسرح في انتظار الثنائي بديع خيري ونجيب الريحاني الذي يتثاءب لكنه لم ينم كفاية.

في العاشرة صباحا وعشر دقائق كانا في مكتب الأستاذ احمد سالم وكلهما فضول يريدان معرفة الموضوع.

رحب بهما الأستاذ احمد سالم وسألهما ماذا يشربان.

ورد سي نجيب بسرعة.

فنجان قهوة دوبل وحياتك.. ويكون سادة.. وبسرعة..

وجاءت القهوة ثم بدأ الكلام.

قال أحمد سالم لسي نجيب كلاما كثيرا يدعوه فيه للتفكير في فيلم سينمائي لأن الكلام قد زاد وهو كلام لا يليق بشخص ومع أستاذية الأستاذ نجيب.

واندهش نجيب الريحاني وبدا اهتمامه يزداد ورغبته في معرفة حكاية السينما هذه وهى جديدة عليه تماما.

واستانف أحمد سالم كلامه:

يا سي نجيب.. يا أستاذ نجيب ما حدش يقدر يقول حاجة عن استاذيتك في المسرح.. لكن الكلام انك ما عندكش فكرة خالص عن السينما.. المسرحة تخلص بعد شهر.. بعد سنة حتناسها ولازم تعمل غيرها.. صح؟!

وسكت الأستاذ نجيب.

لكن الفيلم لو بعد عشر سنين.. عشرين سنة.. ميت سنة حيعيش والناس تشوفه ونشوف منك وكل اللي ما لحقوش مسرحك حيعرفوا انت مين وانك زي ما انت أستاذ في المسرح.. حتكون كمان أستاذ في السينما..

هيه؟ قلت إيه؟!

ورد الأستاذ نجيب مترددا:

لكن انا يعني.. والله أنا يعني.

وقال سالم:

يعني إيه.. خايف ماتقدرش.. ما احنا معاك.. دا سيناريو ويكون ومخرج وبتوع إضاءة وحاجات كتير وكل الحكاية مشاهد ولقطات بسيطة.. على بعضها تعمل الفيلم

ثم واصل كلامه:

المسألة يا سي نجيب مش محتاجة تفكير.. المهم دلوقتي القصة.. قصة الفيلم ودي اللي لازم نتكلم فيها.. وأهو.. احنا معانا الأستاذ بديع يفكر معانا في الموضوع.

نظر الأستاذ نجيب إلى بديع خيري متسائلا:

إيه  يا بديع رأيك.. عندك فكرة تنفع فيلم في السينما؟

وكان يبدو من سؤاله والذي فسره أحمد سالم بأنه بداية موافقته فقال:

أنا عندي فكرة ممكن أحيكها للاستاذ بديع.. وأنا وهو وحضرتك طبعا بخفة دمك تشترك معانا.. ومشهد ورا مشهد تلاقي نفسك بتعمل أول فيلم.. وبعدين مكسبه حيبقى كويس.. وسريع.

وبدأت فكرة فيلم (سلامة في خير) .. ولم يكن أحد منهم قد فكر في عنوان الفيلم، وبدأت فكرة أحمد سالم بأن يعتمد الفيلم على غلطة يتحول فيها سي نجيب الإنسان البسيط إلى إنسان عظيم.. أمير مثلا.. وهى غلطة غير مقصودة، لكن الأمير الحقيقي يجدها مناسبة ليثبت فيها أمام رئيس ديوانه أن المظاهر والسمعة فقط هى التي يمكن أن يتحول فيها الإنسان البسيط إلى أمير وأنه سيثبت هذا من خلال الفيلم.

ودأبت على كتابة القصة.. يتدخل الاستاذ بديع.. وتعديلات الأستاذ نجيب.. وأحمد سالم بالطبع.. ثم بدا اختيار باقي الممثلين الذي اختارهم بعناية سي نجيب.. فاختار (فردوس محمد وشرفنطح وحسن فايد واستيفان روستي وراقية ابراهيم كوجه نسائي وزوجة خاله وحسين رياض وفؤاد شفيق ومنسي فهمي) ليخرج إلى الناس أول فيلم سينمائي لنجيب الريحاني بسبب كلمة من أحمد سالم استفزت موهبته كممثل مسرحي كبير.. ليصبح نجما سينمائيا .. وكبيرا أيضا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.