رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

منى واصف .. الأم الحنون للدراما العربية بجدارة الموهبة

بقلم : محمد حبوشة

عقد الماس العتيق.. الأم الحنون للدراما السورية.. إنها (منى واصف)، وهى السنديانة الدمشقية التي اتخذت من الإبداع والاجتهاد دستورا لمسيرتها الفنية الثرية على مدار أكثر من 60 عاما، وبحكم أنها نهلت من الثقافتين العربية والغربية، فقد تزودت مبكرا جدا بحب الوطن والقومية العربية.

ولأنها تمتعت بنشأة دمشقية أصيلة، فقد انصهرت بداخلها القيم الأصيلة والمبادىء السامية والمفاهيم الفكرية والفلسفية العميقة ، حتى أصبحت بمرور الوقت زهرة جبلية تضرب بجذورها العميقة في قلب الصخر، وتزهو بشمم في الوقت ذاته فوق قمم الجبال العتيقة، صامدة بشخصيتها القوية المتفردة، ثرية الألوان الفنية على اختلاف مشاربها، ولديها إطلالة مميزة وذات سحر وبهاء خاص يقودها دوما نحو النور.

سيدة المسرح السوري

(منى واصف) انفتاح نهاية الخمسينات

الفنانة السورية القديرة ضيفة (بروفايل) لهذا الأسبوع (منى واصف) الشهيرة بـ (سيدة المسرح السوري)، و(أم الدراما السورية)، وحتى أنه أطلق عليها (أم الأصول)، وغيرها من الألقاب التي تشهد على تألقها وتفردها، ومغازلتها لعنفوان الذاكرة المسرحية والتلفزيونية والسينمائية العربية.

استغلت (منى واصف) انفتاح نهاية الخمسينات، وتمردت على العادات السائدة، وندمت على عدم استكمال دراسته، لكنها اهتمت بالثقافة والتعلم الذاتي، عانت كأي زوجة وأم، ولم تعرف إحساس الرفاهية والنجومية، فهى ابنة دمشق أو (الشام) التي صنعت القدوة وبدأت مشوارها بعروض الأزياء ثم دخلت الفن من بوابة (العطر الأخضر).

في عنفوان الشباب

صاحبة العطاءً المتدفق

حين نتناول مسيرة الفنانة القديرة (منى واصف)، فإننا حتما لابد أن توقف عند فنانة سورية الأولى، على المستويين الفني والإنساني، فهى صاحبة العطاءً المتدفق، الذي لا ينضب، وحين نعود بالذاكرة إلى الوراء لنعيش معها طفولتها ونشأتها في دمشق العريقة، ونتعرف على بداياتها وروائعها الفنية وجيلها الذي أسس للفن السوري،.ف

لابد لنا أولا أن نقترب من حياتها الأسرية ولحظات السعادة والحزن، والمصاعب والانتصارات المختلفة التي مرت بها، فأصقلت شخصيتها وإبداعها.

ولدت (واصف) عام 1942 بشارع العابد بدمشق لأب سني كردي من الموصل، جاء إلى دمشق في سن الـ 17، وأم مسيحية مارونية من وادي النصارى، فتح والدها دكاناً في شارع العابد، لكنّه كان يمضي فترة طويلة بلا عمل، ما ولد خلافات أدت إلى الطلاق، بينما كانت منى لا تزال في السابعة، وبعد عامين تزوجت الأم مرة ثانيةً وعاشت العائلة في منطقة الشعلان هى وشقيقتاها (اللتان صارتا ممثلتين أيضاً)، وإخوتها من أمها.

الخنساء

تمتعت بحالة من التعايش المشترك

ونظرا لأن (منى واصف) تمتعت بحالة من التعايش المشترك بين المسيحيين والمسلمين في سورية، وذلك باعتبار أن البيئة الدمشقية تتجاور فيها المساجد والكنائس بنفس الحارة، وتتعايش في حالة نادرة من الوفاق والسلام، وكان لهذا الانعكاس الحقيقي لواقع المجتمع السوري الذي تربيت فيه أثره الكبير في تشكيل شخصيتها التي تمتعت بقدر من الهدوء النفسي والتعايش السلمي.

وتجسدت تلك الصورة بعمق في شخصيتها، باعتبار أن  والدها ينتمي إلى الديانة الإسلامية، أما والدتها تنتمي إلى فهى الديانة المسيحية، ومن ثم فإنها في طفولتها كانت تمارس الطقوس الرمضانية التي تنتمي إلى ديانتها الإسلامية بشكل كامل.

وهكذا لعبت تلك الأجواء دوراً كبيراً في تشكيل وجدانها وفكرها، فمنذ نعومة أظفارها تتمتع (منى واصف) بخيال واسع، ومشاعر متدفقة مرهفة الحس، وفي الوقت نفسه تتحلى بالقوة والمثابرة، فقد اشتغلت منذ كانت طالبة في المرحلة الإعدادية بمهن عدة لها علاقة بالجمال والأناقة والحس الأنثوي، فاشتغلت كبائعة أزياء نسائية، وعارضة أزياء.

وشاركت في عروض فلكلورية استعراضية، برفقة (فرقة أمية) التابعة لوزارة الثقافة، ورقصت في فرقة دبكة وفلكلور، ومثلما تشكلت أنوثتها وحس الجمال داخلها في سن صغير، تشكل أيضا وعيها العربي والقومي وحبها للقراءة وثقافتها في هذا السن الصغير، وهو ما انعكس فيما بعد على أدائها وعمق تجسيدها للشخصيات التي تؤديها، بل اختيارها من الأصل لأدوارها الفنية التي تتسم بالجاذبية القوية.

أم جبل شيخ الجبل

كانت تتمنى أن تصبح أديبة

وإذا كانت (منى واصف) قد تركت الدراسة مبكرا، ولم تستكمل تعليمها الجامعي، فإنها لم تتخلى عن هوايتها الأثيرة وهي القراءة – التي ماتزال تمارسها حتى اليوم وتعتبر الكتاب هو الصديق الأهم في حياتها – وكتابة الشعر والخواطر، فكانت تحب كثيرا الكتابة والأدب وهو ربما ما يفسر لماذا؟، حتى بعد أن أصبحت نجمة معروفة كانت تقرأ مختارات ومقطوعات شعرية من تأليفها في بعض الأمسيات مع الأصدقاء الذين كانوا يصفونها بالأديبة.

وربما لا يعرف الكثيرون أنها كانت تتمنى أن تصبح أديبة، وهو ما أعلنت عنه ذات يوم في أحد لقاءاتها قائلة (أنا أغار من كل امرأة تكتب، وأنا طفلة بعمر 13 سنة أي بالمراهقة، كان حلمي بأن أكون كاتبة وإلى الآن أحلم لأن الأحلام جميلة)!

وإذا كان خوض (منى واصف) مجال الأدب والكتابة الشعرية على وجه التحديد، لن يتجاوز حدود الأحلام إلى الحقيقة ولن يخرج إلى النور، إلا أنه فعل الكثير داخلها، وترك آثاراً واضحة في مستقبلها الفني، لأنه جذبها إلى حب اللغة العربية وإجادتها، الأمر الذي لعب دوراً كبيراً فيما بعد في قدرتها على أداء العديد من الأدوار الفنية باللغة الفصحى بطلاقة شديدة.

إلى حد أنه وبحسب وصفها (كثيرون لا يصدقون أنني لست حاصلة على إجازة لغة عربية لطلاقتي باللغة العربية الفصحى، وهذا يعود إلى قراءتي القرآن، ومدرستي في المدرسة التي علمتنى الكثير، وجعلتنى أحب هذه اللغة العظيمة، بالإضافة إلى أن أعمالنا في المسرح القومي والعسكري كانت باللغة الفصحى، وقدمت كثيراً من المسلسلات بها أيضاً مثل الخنساء، دليلة والزيبق، فيلم الرسالة”.

على مدار أكثر من 65 عاماً من النجومية والعطاء قدّمت خلالها الفنانة السورية القديرة منى واصف أهم الأعمال الفنية المتنوعة، وواكبت تطور السينما والدراما السورية، ابتداء  بدور (هند بنت عتبة) في فيلم (الرسالة)، وانتهاءً بدورها (أم جبل شيخ الجبل) في مسلسل (الهيبة).

حتى غدت أهم النجمات السوريات والعربيات على مدار عقود طويلة، حيث قدمت الكثير من الأعمال الفنية المميزة، وحصلت على العديد من الجوائز الفنية والأوسمة خلال مسيرتها و لُقبّت بنجمة العالم العربي.

مع مصطفى العقاد في كواليس فيلم “الرسالة “

الأم الحنون – عن جدارة واستحقاق

في عمر الـ 18 دخلت (منى واصف) مجال التمثيل وكانت انطلاقتها الأولى من مسرح القوات المسلحة، وفي عام 1961 شاركت في أول عملٍ تلفزيوني بعنوان (ميلاد ظل) وانضمت في نفس العام إلى فرقة (أمية) التابعة لوزارة الثقافة.

وفي عام 1964 عملت في (فرقة الفنون الدرامية) التابعة لوزارة الإعلام، حيث تألقت في العام نفسه في مسلسل (أسود وأبيض)، وعام 1966 بمسرحية (طرطوف)، وشاركت بعددٍ من الأعمال في دول الخليج والسينما المصرية، وقدّمت العشرات من الأعمال الكوميدية والدرامية في التلفزيون من بينها مسلسل “الخنساء” عام 1977.

إضافة إلى فيلم (غابة الذئاب) الذي أُنتج في العام نفسه، وبعدها انطلقت في سماء المسرح والسينما والدراما التليفزيونية حتى وصلت لمحطتها الأخيرة في الهيبة.

وبمتابعتي لمسيرتها الدرامية تحديدا فقد لاحظت أنها الأم الحنون – عن جدارة واستحقاق – لكل الدراما العربية وليست السورية فحسب، ولقد تركت أعمال الفنانة السورية (منى واصف) بصمة كبيرة في الفن بسورية والعالم العربي، فهي قيمة وقامة، وهى أيضا ليست مجرد ممثلة تؤدي شخصيات فحسب.

إذ يرى كثير من النقاد إن (منى  واصف) كانت أقوى منها، فهي أقوى بالفعل من الشخصيات التي لعبتها مثل (الخنساء، وهند بنت عتبة)، وأقوى من (لوسي) سارتر في مسرحية (موتي بلا قبور)، وأقوى من (منيرة) في (أسعد الوراق).

وهو ما علقت عليه يوما قائلة : (لا أعرف أيجب أن يؤسفني ذلك أم أفرح له!، أنا مركبّة جدا، لا أركن إلى السطح الأول من الشخصيات، بداخلي شلالٌ من النساء، الحنونة والقوية والمتكبرة والضعيفة والطيبة والقاسية، وحينما ألعب دوراً ما فإنني أضع فيه كل صدقي وإحساسي وخلاصة تجربتي).

ومع عبد الله غيث في “الرسالة”

قوتي في قدرتي على مجابهة العالم

تنزوي معظم الفنانات المخضرمات إلى الأدوار الثانية والثالثة في الأعمال الدرامية، ويلعبن شخصيات هامشية وصغيرة، لكنها وحدها (منى واصف) التي لم تتراجع خطوة واحدة إلى الخلف، صحيح أنه بعد وصولها لكل تلك النجومية التي وصلت إليها في الدراما التلفزيونية مع تقدمها في العمر ظهرت في أعمال كثيرة بمشاهد قليلة العدد وصغيرة المساحة.

إلا أنها شديدة التأثير والأهمية مثل مشهدها الوحيد في مسلسل (ممالك النار)، وحول ذلك علقت ذات يوم قائلة: لا شك أن الفنان بدون (أنا) لا يستطيع النجاح، لكن حين ينجح ويحقق ذاته تصبح الأهمية للعمل، وكل سن له أدوار تناسبه وأنا كفنانة أعتقد أني ذكية كفاية لأسير مع الزمن.

بمعنى أني أدرك أن أدوار البطولة المطلقة لم تعد تناسب سني، وأنا منذ 20 عاماً أعمل على تأهيل نفسي كي لا أكون نجمة، بل ممثلة، لكنهم إلى الآن يقولون النجمة (منى واصف)، وهناك ما خدمني بذلك هو أن لا أحد ينافسني على أدواري في التلفزيون، ومع ذلك أنتظر أن يأتي يوم لا ألعب فيه أي دور، لا صغيرا ولا كبيرا، وأخطط كي لا أهتز لذلك ولا أحزن.

وتضيف: إن قوتي في قدرتي على مجابهة العالم، فنحن نعيش في عالم قاس، وفي كثير من الأحيان تكون الحياة أكثر من قاسية، ولكن قوتي بعملي تكسبني قوة الاستمرار، وعدم الخوف من السنين، فالسنون بالنسبة للمرأة ربما تشكل عبئاً وتقف عائقاً أمام استمرارها.

إلا أن عملي بالفن أعطاني القوة والشجاعة للاستمرار وعدم التفكير والإحساس بعبء السنين، وأكسبني أجمل ما في الحياة، فالفن أعطاني كل شيء، الثقافة، العشق للحياة، أراني بلاد الله الواسعة، حب الشعر، معاني القرآن الكريم، أعطاني النبل، حتى لأشعر أني من طبقة النبلاء، إضافة للارتياح المادي والتوازن.

الهيبة أروع أعمالها

رهافة حس (منى واصف)

ورغم صلابتها تلك، وثباتها الانفعالي، إلا أن ذلك لا ينفي رهافة حس (منى واصف)، وإنسانيتها الشديدة، ويظهر ذلك واضحا حين تتحدث عن أسرتها، اذ وصفت فقدانها لزوجها بأنه كان من أصعب المواقف التي حدثت لها، موضحة أن ذلك الموقف كان واحداً من مواقف خاصة عديدة بعيداً عن الفن واجهتها واصف بصعوبة شديدة، لذلك تصف نفسها بأنها “امرأة حياة”.

ولابد لي أن أذكر أن من أهم ما يميز الفنانة (منى واصف) ثقافتها وتمتعها برؤى ناضجة وعميقة، وهو الأمر الذي انعكس بوضوح على أعمالها الفنية، واختياراتها في أدوارها، وأسلوب أدائها المتقن – كما أشرت لذلك من قبل – وبمرور السنوات أصبح لديها خبرة طويلة، ورؤى أكثر عمقا.

من المهم الاستفادة منها فهي ليست فنانة مخضرمة فحسب، بل تعد مدرسة فنية، ومن ذلك اعتبارها (أن الفن يعد أكثر مرآة معبرة عن الأمم، لأنه متعلق كثيرا بالكلمة أكثر من الصورة، ولا ينبغي نسيان أنه في وقت الحروب والأزمات عادة ما ينتشر الفن الهابط والإغراء كنوع من هروب الناس من العذاب والمحن إلى التسلية).

ومن هنا فهى ترى أن تراجع مستوى الفن في العالم العربي ما هو إلا نتاج طبيعي لما يجري في الساحة في الوقت الحاضر من أزمات، لكن يبقى أن للفن دوراً مهماً في هذه الأوقات الصعبة، صحيح أنه لا يمثل الحلول، لكنه يلقي الضوء على الواقع وعلى أوجاع الناس ومشاكلهم، لنصل إلى حلول.

قراءتي للقرآن أفادتني كثيرا

عقد الماس العتيق

وفي النهاية  فإن (منى واصف) التي تشعر بالخوف والرعب خلال التصوير حتى الآن، وكأنه المشهد الأول لها، تركت أثراً لايمحى في أذهان الجمهور العربي كله، حيث إنها أدت أدوارها بواقعية كما جاء في مسلسليها الأخيرين (تاج وأغمض عينيك).

وهى التي لم تشعر يوما بالظلم، ولم تقاتل ليكتب اسمها أولا في الشارات، ولم تدعمها أية شركة أو أي شخص، ومع ذلك حققت هدفها وكانت أول ممثلة تحمل الهوية السورية بصفة خاصة والعربية بصفة عامة، فكانت مسيرتها الفنية غنية بأكثر من 200 عمل سينمائي وتلفزيوني.

حصدت من خلالها العديد من الألقاب أبرزها (نجمة الدراما السورية)، و(السنديانة الدمشقية)، و(عقد الماس العتيق)، ومع ذلك فهى ماتزال تشعر بمتعة العمل التمثيلي حتى الآن، وتقول: سأنسحب حين أفقدها (تقصد المتعة بالطبع) .. متعها الله بالصحة والعافية لتبقى رمزا وتاجا على رأس الفن السورى، وأيقونة فنية عربية بامتياز، وفوق كل ذلك هى الأم الحنون لكل الدراما العربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.