رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

فؤاد عبدالمجيد.. الشيخ الذي عشق العزلة وتحدى الإسفاف فدخل التاريخ الفني

كتب : أحمد السماحي

في ليالي رمضان يحلو السهر ويطيب السمر ويقوم الفن بدور في إحياء هذه الليالي المباركة‏،‏ ولا عجب أن يسهم الفن بدور في رمضان أو يحدو ركاب هذا الموكب الديني العظيم‏، فالدين والفن ينبعان من القلب‏،‏ ويدعوان في النهاية إلى رسالة واحدة هى رسالة الحق والخير والجمال‏، ومن الفنانيين الذين آمنوا بأن رسالة الفن هى الحق والخير والجمال المطرب (فؤاد عبدالمجيد) الذي ظهر في حياتنا فجأة في بداية الثمانينات مع (فرقة رضا) فلفت الانتباه بقوة، لأن البعض تسأل بدوره كيف يغني هذا الشيخ الوقور الذي يظهر على المسرح يشدو بأرق الكلمات وأعذب الألحان، وهو يرتدي (عباءة) فوق ملابسه مع (فرقة رضا) الاستعراضية؟!

حيث ظهر معهم في ليلة رأس السنة الميلادية (1979-1980) وفي أول دقائق السنة الجديدة ظهر مؤسس الفرقة علي رضا وروى قصة الموشحات الثمانية التى لحنها وغناها فؤاد عبدالمجيد، وبعد ذلك ظهرت فرقة رضا بشكل مبهر ترقص على نغمات الموشحات الموزعة توزيعا عصريا وعلى رأسها الراقصة الأولى للفرقة الرائعة (فريدة فهمي).

هذا الأسبوع قررنا في باب (غلاف ألبوم) أن نهدي قارئنا العزيز واحدا من ألبومات فؤاد عبدالمجيد الأربعة التى قدمها عبر مشواره الفني الذي سنستعرضه قريبا من خلال باب (مظاليم الفن)، الألبوم الذي نتوقف عنده هو (دعاني) إنتاج شركة (النهار للصوتيات) لصاحبها الفنان محمد نوح، وكان مهندسوا الصوت في هذا الألبوم (عمر فودة، إرفي مارتان، محب ميلاد)، وتضمن الألبوم 7 موشحات هى (دعاني، حيرني الهوى، هل درى، حبيبتي، ساقي بنت الحان، يا ليل الصب، أمن الفراق)، كتب ولحن معظم الموشحات المطرب نفسه، وتولى التوزيع الموسيقار مصطفى ناجي.

والمفاجأة التى اكتشفناها من غلاف الألبوم أن الفنان التشكيلي الكبير حسين نوح، لعب درامز في هذا اللبوم، ولعب حاتم نديم بيانو وبركشن، ومحمد مدكور عزف على العود، اللافت عند سماعنا لهذا الألبوم التقنية العالية التى استخدمت في أغنيات هذا الألبوم الذي تشعر وكأنه صنع بالأمس القريب وليس قبل 40 عاما.

غلاف البوم دعاني ويظهر فيه الموسيقار مصطفى ناجي مع فؤاد عبدالمجيد

دعاني

عن موشحات هذا الألبوم يقول المايسترو (سليم سحاب) قائد فرقة الموسيقى العربية: (دعاني).. من مقام النهاوند وإيقاعه سماعي ثقيل وهو من الإيقاعات المحببة عند الملحن، ويمتاز بلحنه الجميل الرائع وخطوطه الميلودية الهادئة التي نرى فيها التحام اللحن مع الإيقاع المركب للموشح بشكل تام، ولابد من ذكر المقدمة الهادئة المرسلة (من دون إيقاع) الذي أبدعها الموزع.

المايسترو سليم سحاب

يا ليل الصب

(يا ليل الصب متى غده).. ويمكن اعتباره معارضة لحنية للموشح القديم (يا ليل الصب) على نفس القصيدة الذي جاء على مقام حجاز وإيقاع المصمودي الكبير، لكن فؤاد عبدالمجيد غير اللحن والمقام والإيقاع في موشحه هذا فعلى خلفية المقدمة المرسلة على مقام العجم والموزعة بطريقة حالمة نسمع فيها آلة القيبروفون، يبدأ الموشح على نفس المقام الذي سمعناه العجم وعلى إيقاع السماعي الثقيل.

ساقي بنت ألحان

(ساقي بنت ألحان).. بدأ بمقدمة مرسلة ويأتي على هذه الخلفية إلقاء الملحن بشعر الموشح، والمقدمة من نفس أجواء توزيع مقدمة يا ليل الصب حوار هادئ بين الوتريات دالة القيبروفون التي  تضفي على صوت الوتريات ألوانها المعدنية اللامعة والقصيرة، كل هذا على مقام النهاوند معلنة بذلك عن مقام الموشح قبل دخول المقدمة الموقعة على إيقاع ¾ الثلاثي الأضلاع وكأنه فالسي بطيء، ولكن مقام النهاوند يخفي هنا تلوين جريئا إذ نسمع في نهاية كل جملة وكختام لها جملة موسيقية من مقام النكريز.

وكأن الملحن هنا يريد مفاجأة المستمع بهذا التلوين ذلك أن مقام النهاوند يكون نظريا النصف الأعلى (الجنس الثاني) من مقام النكريز، فتأتي مفاجأة التغيير المقامي بسلاسة مدهشة .

لفت الانتباه بقوة صوته وشجنه

أمن الفراق

(أمن الفراق).. نصل هنا إلى ذروة  كل تراثه من الموشحات. إن هذا الموشح يحتوي على مضمون درامي لم أسمعه في كل الموشحات التي سمعتها أو قدمتها وهى كثيرة، بل أقول إنه من الناحية الدرامية أعتبره أقوى وأعمق موشح درامي في تاريخ الموسيقى العربية التي نعرفها منذ 1903 تاريخ بداية تسجيل الاسطوانات في مصر والعالم العربي، وروى لي فؤاد عبدالمجيد شخصيا قصة تلحين وتأليف هذا الموشح قائلا: كنت أقرأ ديوانا شعريا فيه مجموعة من أبيات الشعر المتنوعة لمجموعة من الشعراء غير المشهورين، فقرأت بيتا أذهلني وظللت أحلم به لغاية ما جاءتني فكرة شرحه بقصيدة موشح هذا البيت هو (هل تعرفين وراءَ الحُبِّ مَنْزِلَة تدني إليك؟/ فإنَّ الحبَّ أقصاني)، فكانت قصيدة أمن الفراق ولكن للأسف لم يدخل فيها هذا البيت في آخر القصيدة لتعارض إيقاعه مع إيقاع اللحن فَغَّيْرته.

ويحتوي لحن هذا الموشح على أبعادٍ موسيقية جديدة جدا على الموشحات لم ترد في أي  موشح تقليدي، مقام الموشح: الكورد هذا المقام الغامض الآتي من صلب مقام النهاوند الحزين والداكن اللون الميال إلى الطابع الدرامي. كل هذا جاء على إيقاع ¾ الفالس الهادئ المتهادي والبطيء الدرامي. وللموشح هذا معي قصة سوف أرويها لاحقا ولابد هنا من التنويه بالتوزيع الذي خدم درامية هذا الموشح بأمانة وعمق مظهرا أعماقه الدرامية ومضمونه الموسيقي الحديث.

كان يشدو بأرق الكلمات وأعذب الألحان

حيرني الهوى

(حيرني الهوى).. من الموشحات المميزة في هذا الشريط ويتميز أولا بمقامه النادر الاستعمال وهو مقامه النكريز الذي يتألف نظريا من مقام النهاوند عند نصفه الأعلى (جنس2) و يستقر على الدرجة الأولى من مقام النكريز(الجنس1).. يمتاز أيضا في استغلال جزء النهاوند من المقام ليبني عليه قسم الليالي (يالالالا) الذي استعمله الوشاحون التقليديون عندما كان البناء الشعري للموشح أقصر من البناء الموسيقي فيكملونه بهذه الليالي، لكن عند فؤاد عبدالمجيد تأتي هذه الليالي كجزء مستقل من البناء اللحني للموشح، بعد هذه الليالي نفاجأ بدخول مقام الراست على قسم (ب) من الموشح من دون أي تهيئة انفعالية ليزيد بذلك من قوة التلوين المقامي والتأثير الانفعالي.

عاش عمرا طويلا بين حدائق وبساتين الموشحات الأندلسية

حبيبتي

(حبيبتي).. وهو معروف عن محبي فؤاد عبدالمجيد باسم لوجهك السني التي يبدأ بها الموشح بها. بعد مقدمة خارجة عن لحن الموشح وطابعه وتأتي على إيقاع يشبه إيقاع القطار السريع يدخل الموشح فجأة بوتيرة بطيئة هادئة على إيقاع ¾ (فالس بطيء) ويجمل لحنية رائعة على مقام النهاوند، ويأتي قسم ب على مقام العجم الفرح والمشرق بشكل تصادمي مع مقام النهاوند القائم والحزين والدرامي.

هل درى

(هل درى).. آخر موشح في هذا الشريط تأتى في المقدمة المرسلة كخلفية لإلقاء الملحن للقصيدة وتطول هذه المرة لتتخطى القصيدة، ويبدأ المغني الغناء وعلى نفس مقام المقدمة (النهاوند) على إيقاع السماعي الثقيل 10/8 بجملة دائرية جديدة في مضمونها وفي نهاية قسم أن يكمل لحن القسم هذا بالليالي ذات كيان موسيقي واضح كما وردت في الموشح السابق. وفي قسم ب يبقى الملحن في نفس المقام لكن مع لحن جديد يطور الجملة الأولى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.