رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عصام السيد يكتب : بيجماليون يطلق فاطمة

عزيز عيد عاش فترات عصيبة بعد طلاقه من فاطمة رشدي

بقلم المخرج المسرحي الكبير : عصام السيد

انفصل عزيز عيد عن فاطمة رشدى .. طلقها فى هدوء بسبب الشائعات – التى ضخمتها الصحافة و خاضت فيها خوضا شديدا – حول علاقتها بالمليونير اللبنانى (مسيو إيلى) الذى كان يمول فرقتها بسخاء شديد ، و هكذا انتهت بينهما الحياة الزوجية بعد ثلاث سنوات فقط !!

طلقها عزيز و هى حبه الوحيد الخالد .. التى ترك من أجلها كل شيئ .. و قدم لها كل شيء .. و صنع منها نجمة تملك كل شيئ ، أو كما تقول الفنانة القديرة (صفاء الطوخى) فى كتابها عنه : كان عزيز هو (بيجماليون) الذى صنع (جالاتيا) و نفخ فيها من روحه و سواها كما أراد و كما أراد خياله و كما عبد بيجماليون تمثاله ، عبد عزيز صنع يديه و أخلص فى عبادته . و أحبته هى كذلك ، أحبت فيه صانعها وخالقها و معلمها و مرشدها.

فاطمة رشدي

و جاء الطلاق ليحطم تلك العلاقة الفريدة ، و لكن شباب فاطمة جعلها تحتمل الصدمة، أما كهولة عزيز فلم تساعده على احتمالها ، فعاش محبا عاشقا محروما ، بعد إسدال الستار على تضحية من أروع التضحيات التى قدمها رجل فى سبيل امرأة ، تضحية لم يعرف سرها أحد ، فإن صاحبها لم ينطق بحرف يجلو غوامضها ، و لكنك كنت إذا لقيته حتى أخريات أيامه و حدثته عن الحب و عن التضحية أغرورقت عيناه بالدموع و أبى أن يزيد على الدموع بيانا آخر.

و رغم الطلاق لم ينفصلا فنيا ، و لم يذهب كل منهما إلى حال سبيله ، بل استمرا معا يواصلان العمل فى الفرقة التى أنشأها عزيز و سماها باسم فاطمة ، ليقدما موسما ثالثا للفرقة من أنجح مواسمها ، و تجلت فى أعمال هذا الموسم عبقرية عزيز – ربما تعويضا عن مأساته العاطفية – فقدم مسرحية (يوليوس قيصر) لشكسبير فى إخراج جديد لم ير مثيله المسرح المصرى من قبل ، حيث استغل صالة المسرح فى تقديم أجزاء من المسرحية ، و بذلك يسجل له التاريخ كسر الحائط الرابع قبل (بريخت) بأعوام طوال . و استمر عرض المسرحية أكثر من شهر – و هو نجاح ساحق بمقاييس ذلك العصر – و لما كانت المسرحية مقررة على طلبة المدارس الثانوية ، فقد قرر عزيز عرضها مجانا فى حفلات نهارية – ماتينيه – يومى الجمعة و الأحد من كل أسبوع للطلاب ، و هكذا اكتسبت فاطمة رشدى لقب ( صديقة الطلبة ).

و فى نهاية الموسم انطلق عزيز إلى خارج الحدود ، حيث طافت الفرقة ببعض الدول العربية ليحقق نجاحا و يؤكد على نجومية فاطمة التى ازدادت تألقا و نجاحا بفضل اختيارات عزيز و توجيهاته و بإتقانه لإخراج أعمال الفرقة ، فجاب بعروضه الشام ( لبنان و سوريا و فلسطين ) و كانت فرقته أول فرقة مصرية تقدم عروضها فى العراق ، الذى استقبلها بحفاوة بالغة حتى قالت فاطمة رشدى فى مذكراتها إن الجمهور العراقى حطم باب المسرح من شدة الازدحام ، و بلغت إيرادات الفرقة مبلغا ضخما، و لكن عزيز أصر على أن تعلن فاطمة التبرع بذلك الإيراد لضحايا فيضان نهر دجلة الذى أغرق البلاد فى ذلك الوقت ، فتعالت الهتافات باسم فاطمة و نالت تصفيقا حادا.

مسرحية (بجماليون) لتوفيق الحكيم

و فى الموسم الرابع حقق عزيز خطوة هامة فى طريق حلمه بمسرح مصرى خالص ، فيقدم ( مصرع كليوباترا ) : أول مسرحية شعرية كاملة من تأليف أمير الشعراء أحمد شوقى ، و التى شارك فيها الموسيقار الشاب ( محمد عبد الوهاب) بدور (إياس) و قام بتلحين المقطوعات الغنائية فيها ، و فى العام التالى قدم درة التاج فى المسرح الشعرى ( مجنون ليلى ) لأحمد شوقى فى شكل جديد مبتكر على المسرح المصرى، تقول عنه فاطمة رشدى: إنها لم تر مثيلا للعبقرية التى أظهرها عزيز فى إخراجه لهذه الدرة الجديدة ، و يكتب أحد النقاد فى مجلة المسرح أن عزيز عيد وصل بإخراجه لهذه المسرحية لذروة مجده الفنى ، و أنها أفضل مسرحية قدمت على المسرح المصرى و أنها و مصرع كليوباترا سجلا لعزيز صفحة مجيدة فى حياة المسرح العربى.

و أقبل الجمهور على المسرحية و كان المار بشارع عماد الدين يرى فى كل مساء مظاهرة تعطل المرور فيه أمام مسرح برنتانيا – كما تقول فاطمة رشدى – فقد اشتد اقبال الجمهور اشتدادا لم نقوا عليه إلا برجال البوليس ، و كنا نغلق شباك التذاكر من منتصف النهار ، و إذا فتحناه بعد الظهر فإنما للحجز للأيام التالية.

و استمر عزيز فى تحقيق حلمه بتمصير المسرح ، فقدم نصوصا مصرية خالصة لمؤلفين جدد ، بعضهم نجوم فى مجالات أخرى غير المسرح ، ففى العام التالى قدم اولى مسرحيات الشاعر بيرم التونسى – و التى كتبها كلها بالزجل – (ليلة من ألف ليلة )، و تبعها بنص آخر لنفس الشاعر هو ( عقيلة ) ، و قدم كلا النصين بالرغم من نفى صاحبهما إلى باريس و منع دخوله مصر بعد نقده اللاذع للملك فؤاد الأول ، فاللقاء بين عزيز و بيرم الذى تم فى باريس جعل عزيز يشفق على حال الرجل فى غربته فطلب منه نصا و اقترح عليه موضوعه و نقده الأجر مقدما فكتب له بيرم نصين !!

توفيق الحكيم

و الحقيقة أن عزيز كثيرا ما كان يصطدم بالسلطة – ربما دون أن يقصد – فنحن نعرف الضجة التى أثارها بإخراجه لعرض العشرة الطيبة و موقف القوى المحافظة و اتباع العودة لمظلة الاحتلال العثمانى منه ، و صداما آخر حدث مع رئيس الوزراء ( محمد محمود باشا ) الذى أوقف عرض ( يوليوس قيصر ) فى ليلة الافتتاح ، برغم أن (فرقة رمسيس) قدمت نفس العرض فى نفس الموسم و لم يتعرض لها أحد ، و بعد تدخل من فاطمة رشدى تم السماح بعرض المسرحية على أن تحذف منها الرقابة ما تشاء فى اليوم التالى .  ثم صداما ثالثا مع الأزهر عندما قدم مسرحية بعنوان ( زليخة أو يوسف الصديق) التى ما كادت إعلاناتها تظهر حتى هاجمتها الأقلام الرجعية فقرر الأزهر أن تنتقل هيئة من علمائه لتشاهد المسرحية فى عرض خاص ، و الغريب أن المسرحية حصلت على موافقة هؤلاء العلماء فى ذلك الزمن – بالرغم من ظهور يوسف الصديق على المسرح –  فى حين أن فيلم المهاجر ليوسف شاهين تم الحكم بمنع عرضه لمدة عام لمجرد تشابه القصة مع قصة سيدنا يوسف !!!

و برغم كل النجاح الساحق لفرقة فاطمة رشدى فى القاهرة و برغم نجاحاتها فى جولاتها سواء داخل مصر – فى الوجهين البحرى أو القبلى – و خارجها فى الشام والعراق و فلسطين و شمال أفريقيا ، إلا أن المليونير اللبنانى ( مسيو إيلى ) ممول الفرقة لم يكن راضيا بل كان غاضبا ثائرا محتجا ، فإصرار عزيز على أن تقدم الفرقة المسرحيات الراقية الضخمة رفيعة المستوى كثيرة التكاليف كان يثير غضبه ، وكثيرا ما طالب بتقديم المسرحيات الخفيفة المضحكة المربحة و لكن فاطمة انحازت إلى وجهة نظر أستاذها و مرشدها.

و هنا قرر ( إيلى ) قرارا صعبا..

و لهذا حديث آخر..

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.