رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

 حسين نوح يكتب: هذا مخرج عبقري خارج الدائرة

حسين كمال

بقلم الفنان التشكيلي الكبير : حسين نوح

في سهرة في برنامج الفن السابع لقناة نايل سينما، تم استدعائي للحديث عن المخرج حسين كمال الذي أعتبره من أهم عشرة مخرجين في تاريخ السينما المصرية،  فالرجل أخرج حوالي 37 فيلما، تم اختيار ستة منهم من أهم مائة فيلماً في السينما المصرية.

حسين كمال الذي درس في معهد باريس للسينما وأتم دراسة الإخراج المسرحي والدراما  في إيطاليا، بعد فيلم قصير باسم المعطف  لنجيب محفوظ لفت اليه الأنظار

ثم سنة 1965 اختار عمل للدكتور مصطفي محمود وظهر فيلم  المستحيل  بالأبيض والأسود وهو أساس السينما من قبل ظهور الألوان، وأذكركم أن المخرج الأمريكي العبقري (ستيفن سبيلبرج) حين حقق نجاحا كبيرا تجاريا بأفلام كبيرة وعظيمة ملونة عاد ليؤكد لذاته وللسينمائيين قدراته  فأخرج (قائمة شندلر) بالأبيض وأسود فبهما تظهر عبقرية الضوء والظل.

المستحيل

قائمة شندلر

فيلم (المستحيل) من بطولة (ناديه لطفي وكمال الشناوي وصلاح منصور والمبدعة سناء جميل) أكد حسين كمال أنه مختلف عبقري متأثر بحركه السينما الحديثة في الغرب (كلود ليلوش) في فرنسا وأنطونيوني المخرج الإيطالي في Blow up 1966. استعمل حسين كمال في فيلم (المستحيل) الإضاءة والظلال والزجاج في مشاهد الخيالات النفسية لـ ناديه لطفي (ناني) وهى تُزف قهراً بالملابس السوداء وريتم الزفاف  الحزين  بعبقرية مخرج مختلف اختار موضوع شديد الصعوبة، وهو الجبر والاختيار وهى أسئلة  أرَقًت  الكاتب المبدع مصطفي محمود في مرحله من حياته وهو يبحث في الوجود واليقين.

إننا أمام عبقري ومبدع حقيقي بداية من اختيار المواضيع  لكبار الكتاب وعياً واستنارة إلى استخدامات الضوء مع القدير عبد العزيز فهمي، وموسيقي محمد عبد الوهاب، وشاعرية يوسف فرنسيس مشاركاً في السيناريو، وبالرغم من عدم نجاح الفيلم جماهيرياً حين تم عرضه ولكنه يعد علامة إبداعية في تاريخ المخرج الواعي حسين كمال وتاريخ السينما المصرية.

البوسطجي

اختار حسين كمال فيلماً آخر عن رواية بنفس الاسم  للقدير يحيي حقي (البوسطجي 1968) وهو عن البوسطجي (عباس ) شكري سرحان ينقل الي أطراف الصعيد مسئولاً عن مكتب بريد في  قرية كوم النحل، والناس بها كالنحل يلدغون بعضهم البعض وهو ما حدث لعباس  (شكري سرحان) استغلالاً  وكرهاً له من أهل القرية من العمدة وكبير القرية وهنا يقرر (البوسطجي) الانتقام فيفتح  جوابات القرية متلصصاً.

قصه درامية اختار لها المبدع حسين كمال أماكن تصوير تتناسب مع نوعية أخلاق القرية فهي جبلية جرداء دون زرع ولا خضار جبال وفراغ ونساء متشحة بالسواد ورجال كالضباع الجائعة ظاهرها غير باطنها، فوالد الفتاه يدعي الشرف وهو يطارد الشغالة بمنزله ويغتصبها ويتسبب في قتلها.

وكان اختيار المخرج  بطلة للعمل تمتلك وجه بريء وصوت ناعم، فكانت زيزي مصطفي خير اختيار لدور الفتاه الضحية والتي تقتل علي يد والدها ويحملها علي يديه سائراً في أنحاء القرية وسط صراخ  الام والأهالي، وينهار عباس حين يدرك أنه تسبب في مقتل الفتاة بسبب تأخره في تسليمها خطاب من حبيبها.

والجدير بالذكر هنا أن فيلم (البوسطجي) حذر من التلصص والتربص بالآخرين ونحن الآن نتابع حالات لمن يصور سيدة ترقص في رحلة أو سيدة أوكرانية تخرج إلى شرفة منزلها بملابس لا تتوافق مع اخلاقنا، ولكنه  التلصص ونتائجه التي تعرض لها يحيي حقي في (البوسطجي)، فهل لنا أن نتعظ من فيلم في الستينات.

لقد كنت ومنذ زمن بعيد أتابع أعماله وخصوصا وأنا شاب منبهر بالفن السابع والذي من عشقي له مارست معظم مفردات الفنون من موسيقي وتشكيل وكتابة وديكور. 

شيئ من الخوف

حين شاهدت فيلم (شيئ من الخوف 1969) أدركت أنني أمام مخرج مختلف خصوصاً في مشاهد تحريك المجاميع، واختيار العبقري موتسارت العرب بليغ حمدي لعمل الموسيقي فتكون أوركسترالية الأداء تعبر عن زمن الحدث وشخوصه ومضيفة للدراما مع الغناء وأصوات المجاميع تردد خلف شيخ البلد (يحيي شاهين) جملة  جواز عتريس من فؤادة باطل في شكل ملحمي وتكوينات بشرية تشكيلية في خدمة توصيف الحدث المأساوي.

ويلحن بليغ كلمة (أهو) لتقديم شخص عتريس (أهو بالخلقة دي بالبصة دي مالي الدهاشنة الخوف)، من كلمات الشاعر عبد الرحمن الابنودي، ثم كيف تتحول الموسيقي إلى راقصة حين تفتح فؤادة الهويس وتنطلق المياه فيرقص الفلاحين فرحاً، فهي مصدر الخير والنماء بل الحياة، ويدرك المخرج الواعي قيمة بليغ ويتعاون معه في  أكثر  من عمل.

 لقد أبدع حسين كمال في تنفيذ فيلم شيئ من الخوف من اختيار مواقع التصوير وحركة الكاميرا ومصدر الضوء في المشاهد الداخليه وديكور منزل عتريس واستخدام المشربيات وملابس شادية والأداء العبقري للقدير محمود مرسي  كان عبقرياً وملفتاً.

حين  تم اختياري لأتحدث عن حسين كمال، لم أتردد فالرجل يستحق كتباً ومقالات ودراسات وأبحاثا وأنا دائماً أردد أننا ينقصنا النقد المهني وغير الانطباعي رغم وجود عظماء من النقاد، لكن يوجد الكثير من النقد الطيب  كلمات مثل: كان المخرج ممسكاً بأدواته والإضاءة رائعة والنجمة متقمصة ومتميزة، وقد يضيف ولابسة الشخصية.  

وهذا في اعتقادي ليس نقداً إنه انطباع ساذج بعيد عن النقد الحقيقي والذي يؤثر علي المبدعين ويجدوه نبراساً  للتجويد، فالنقد السينمائي  مبني على تأثير الصورة ويحتاج  وعياً بالمعني لحركة الكامير والضوء والظل والتشكيل وعلوم الصوتيات  والاكويستك  والوعي الثقافي وقيمة النص والسيناريو.

ان النقد الواعي والمهني من أهم عوامل الإبداع وهو المنوط بالإضافات والتجديد لاكتشاف عوالم إبداعية جديدة.

ثرثرة فوق النيل

وحين نشاهد حسين كمال في (ثرثرة فوق  النيل 1971) فقد أكد قدراته، فمثلا حين اختار أن تكون شلة العوامة والمزاج والحشيش والبنت المتحررة من كل القيم والباحثة فقط عن الحرية المقلدة للغرب، فنجد المخرج يجعلهم جميعاً فوق تمثال رمسيس العملاق وتقترب الفتاة الماجنة من شفتي التمثال العريق الضخم فيحدث التباين بين الحضارة الكبيرة وضألة حجم أفراد شلة الحشيش والمجون والانسحاب، وتكون النهاية عند حسين كمال أن تنطلق المركب بهم الي المجهول، و بأمثال هؤلاء الفاسقين كانت نتائج 1967 التي تخلصنا منها في نصر أكتوبر 1973، مؤكدين أننا أحفاد القدماء العظماء المصريين.

أبي فوق الشجرة
إمبراطوية ميم

ثم ينطلق حسين كمال ليؤكد نجاحه للجماهير  فيقدم فيلم (أبي فوق الشجرة) عمل تجاري ناجح وبكل مواصفات التركيبة التجارية حين تتم بمخرج واعي قدير، فمعه عبد الحليم حافظ بعد غياب طويل ونادية لطفي  وعماد حمدي في فيلم استعراضي شديد الحرفية، فنشاهد مثلا استعراض الشماسي الملونة علي الشاطيئ والشباب يرقص ويغني عبد الحليم والجميلة ميرفت أمين، ويغني حليم لمرفت أمين (يا خلي القلب) والخلفية نجوم في السماء في حالة رومانسية، وأجد نفس المشهد في فيلم أمريكي حقق نجاحاً كبيرا عرض في السينمات المصريه باسم (اللالالاند انتاج 2016)، وهذا المشهد يؤكد عبقرية وحذق حسين كمال، لقد أكد لذاته وللجمهور قدرته علي عمل أفلام جماهيرية واستعراضية بشكل مهني ومحترف، فقد استمر (أبي فوق الشجرة) 57 أسبوعا بنجاح منقطع النظير، ويتكررفي (إمبراطورية ميم  1972) لإحسان عبد القدوس  وبطولة فاتن حمامه وأحمد مظهر.

تلك سته أفلام من إخراج حسين كمال، تم اختيارهم ضمن أهم مائة فيلماً في السينما المصرية.

وأعتقد أن الرجل يستحق كثيراً من الاحتفاء والتقدير فهو مبدع حقيقي ومستنير واعي يقدم أعمالا رسخت في وجدان الجمهور في مصر والعالم.

وهنا سؤال: هل آن لنا أن نهتم بما تقدمة السينما ولا تكون أهم مهامها التسلية فقط والبسمة التي تختفي بمجرد إضاءة صالة العرض؟، هل لنا أن ندرك لماذا نهتم بالحقائق من المخرجين أمثال صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وكمال الشيخ وحسين كمال وداود عبد السيد وعاطف الطيب ومحمد خان وشريف عرفة؟.. إنه لقيمة ما يقدمونه ويتركونه للجماهير، فالفن هو الباقي فما زال اسم شكسبير في الأدب وفان جوخ في التشكيل وبيتهوڤن وموتسارت في الموسيقي يتردد.

مصر تنطلق وفي أشد الحاجة لفنون تنير للشعب البصر والبصيرة لنتصالح مع الجمال والإبداع الحقيقي الباقي.. مصر تستحق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.