رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

2021 .. عام انتعاش الدراما المصرية والعربية

كتب : محمد حبوشة

مما لاشك فيه أنه مع تجسد الأحداث اليومية أصبحت الدراما تشكل النواة الأساسية للتاريخ الإنساني الحديث، حتى أصبح السرد التليفزيونى هو البديل المثالي لتسجيل حركة التاريخ القادمة من رحم تلك الأحداث، جراء تطور صناعة الفعل الدرامي وانعاكساته الواضحة على الحياة العربية في ظل الثورات المشوبة بالتمرد والعصيان، وذلك  بفعل توفر حرية التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي التي حولت حياة الإنسان من حياة افتراضية إلى حياة فعلية بفضل التكنولوجيا الحديثة، ومن ثم يطرح هذا السؤال نفسه على الفور: هل الدراما الحالية فعلا قادرة رسم المستقبل المنشود؟

إلى وقت قريب كان الواقع العملي يقول عكس ذلك تماما، قياسا بما عشناه من خلال المسلسلات التي عرضت في السنوات الثلاثة الماضية (سواء كان ذلك في مواسم رمضان أو المواسم الموازية)، والتي حملت في طياتها قدرا كبيرا من السلبية عن المواسم التي سبقتها على مستوى الموضوعات التي غرقت في براثن العنف والغضب والغيبيات والتهويمات التي تخلط الدم بالصوفية في سياق مخل، ناهيك عن مسلسلات رسخت لقتل الآباء وانتهاك الأمهات وسرقة المليارات، والذهاب بالخيال الواهي إلى داخل قصور فخمة، ومقاعد وثيرة ومخادع مخملية تخاصم أبسط قضايا البسطاء والمعذبين في الأرض، وعلى جناح العشوائيات وأوكار المخدرات جاءت أعمال أخرى في تكرار ممل يخاصم جماليات الفن ويصيب الناس بالأذى.

وعلى جناح نوعية جديدة الأفكار على مستوى الموضوع الوطني والاجتماعي والإثارة والتشويق والهم الإنساني في إطار تراجيدي أو لايت كوميدي شيق استطاعت الدراما المصرية والعربية خلال عام 2021 أن تتغلب على أزمات كثيرة واجهتها كانت مصيرية، ولتخرج من أزمة كورونا والإنتاج التى عانت منها خلال السنوات الماضية لتقدم عاما دراميا هو الأكثر نضجا في الهدف والرسالة مقارنة بالأعوام التى سبقت كورونا، ومن ثم قدمت الشاشات والمنصات للمشاهدين أكثر من 200 مسلسلا من نوعية (30 و60 حلقة،)، فضلا عن نوعية جديدة من الأعمال ذات الحلقات الصغيرة والتى يطلق عليها الحواديت، وكثر فيها مسلسلات الـ ( 5، و8، و10، و12، و15 حلقة) والتى ارتبطت بالمنصات الرقمية.

ويبقى موسم رمضان 2021 هو الذي فتح بوابة الأمل على مصراعيها فى غد أكثر إشراقا للدراما المصرية والعربية، بعد أن حظي بعدد لا بأس به من أعمال يمكن أن تحقق المعادلة الصعبة في صناعة دراما عصرية جاذبة ومؤثرة تقوى على أن يتفاعل معها الشباب، والتي أكدت بما لا يدع مجالا للشك بأنه ينبغي أن تكون الدراما على هذا النحو الإيجابي، وفي هذا السياق نستعرض لكم عشر مسلسلات تعد هى الأفضل على الإطلاق في مواسم هذا العام (رمضان والموازية) وجاءت على النحو التالي:

** الاختيار2 :

ها هى الدراما المصرية تعيد صوغ أبطالها مجددا بحيث تعيد النبض إلى أجسادهم والروح إلى ذواتهم، كما جاء في هذا المسلسل الذي يعيد تصوير أمجادهم وبطولاتهم الأسطورية، فالفرد يثأر للجماعة، الفرد الموغل في إنسانيته وهدوئه ومثاليته وبساطته ومحبته للآخرين، الفرد رب العائلة الذي يعشق زوجته، ويحب أولاده ولا يتردد لحظة عن إنقاذ الآخرين من الموت، مضحيا بنفسه وروحه، لقد غدا (الاختيار) دراما فائقة الجودة على مستوى الصناعة والأداء والإخراج والتصوير والموسيقى التصويرية والمونتاج وغيرها من عناصر فنية أخرى.

** هجمة مرتدة :

وفي إطار ذات التأكيد على الهوية والبطولة جاء مسلسل (هجمة مرتدة) ليكشف عن بطولات أسطورية خفية لرجال المخابرات المصرية في الكشف عن بطولات جهاز الأمن القومي المصري في التصدي بحزم وذكاء لكافة جوانب المؤامرة الكبرى على مصر من خلال أجهزة استخبارات دولية، ودكاكين حقوق الإنسان التي استقطبت خونة الأوطان من الداخل، ودربتهم على ما يسمى بالتغير السلمي في إطار خطة إسقاط الدولة المصرية من ناحية، وتنفيذ مخطط التقسيم الذي هندسة البريطاني الصهيوني (برنارد لويس)، وفي القلب منه تقسيم مصر إلى ثلاثة دويلات على أساس عرقي وديني، ومن ثم قدم (هجمة مرتدة) ملحمة رائعة لرجال يعلمون في الخفاء ويتصدون لكل محاولات النيل من هذا الوطن.

** القاهرة كابول :

ويأتي هذا في تواز تام مع مسلسل (القاهرة – كابول) كسردية جدلية للكاتب المبدع (عبد الرحيم كمال)، ليكشف فيه عن جذور الإرهاب وأساس التكوين النفسي والاجتماعي الذي تربى عليه الأصدقاء الأربعة (رمزي، طارق، عادل، خالد)، فضلا خلط مقصود بين البعد الاجتماعي والأحداث المفزعة في أفغانستان، ما كان له الدور المؤثر والقوي في  صورة رسائل وأفكار وفلسفات لـ (عم حسن)، الذي جسده ببراعة الفنان القدير (نبيل الحلفاوى بقدرة فائقة على كيفية توصيل رسائل للشباب عن قيمة مصر واللغة العربية والهوية الوطنية وحماية المولى عز وجل لهذا البلد الآمن على مر التاريخ والعصور المختلفة، بفضل رجال أفنوا حياتهم في حب مصر واحترام تاريخها الملهم لهذه المنطقة من العالم.

** لعبة نيوتن :

على درب جودة الدراما الاجتماعية التي ركزت على هموم المواطن وقضاياه الملحة والمصيرية أيضا جاء مسلسل (لعبة نيوتن) بغلاف وظلال اجتماعية لعبت على أوتار المشاعر الإنسانية في ثوب تراجيدي فائق الجودة على مستوى الشكل والمضمون والأداء، فها هو (تامر محسن) يقتحم مشكلة معقدة (أطفال الجنسية الأمريكية) ويحلق بنا عاليا في أجواء مشحونة بالتوتر والقلق ليعرج على قضية صحة عدة الطلاق والزواج الثاني، وبحكم خبرته تمكن من الإمساك بخيوط اللعبة الدرامية ليضع ممثلية في قوالب تجلب الإثارة وشغف المتابعة، والإمساك بخيوط درامية فائقة الجودة على مستوى الصورة والحدث.

** على صفيح ساخن :

على الرغم من الكبوة التي تعيشها الدراما السورية هذه الأيام جراء الحرب التي لاتنتهى، وفي ظل وجود مافيات وشلليات و(هجرة النجوم) إلى الخارج، إلا أن مسلسل (على صفيح ساخن) جاء كوجبة استثنائية استطاعت أن تستعيد سحر الدراما السورية من جديد على جناح قصة كتبت بعناية لـ (يامن الحجلي وعلى وجيه)، وأداء تمثيلي يحسب لكل طاقم العمل، وربما يرجع الفضل في ذلك إلى تحكم المخرج (سيف الدين سبيعي) بدقة فائقة في حركة الممثلين، وهو ما مكنه بالضرورة من صنع صورة بصرية مدهشة وسط القمامة وعالم المهمشين والفقر و(التعتير) – بحسب اللهجة السورية – ومن هنا يشكل هذا المسلسل مفاجأة على صعيد النص المحكم، والحبكات المتداخلة والطرح الجديد لأكثر من موضوع، أبرزها مافيا النفايات، وتداخل تجارة المخدرات مع تبييض الأموال عبر الجمعيات الخيريّة ذات الطابع الديني الفاسد.

** المداح :

وفي لوحة الأعمال الرائعة في رمضان 2021 قدم لنا مسلسل (المداح) نفحات روحانية حلقت بنا في سماء الله الواسعة بشفافية ورقي نفتقده في أعمالنا، وعلى الرغم من ازدحام الماراثون الرمضاني بأسماء كبيرة في عالم الدراما، إلا أن هذا المسلسل خالف التوقعات وجذب شريحة واسعة من الجمهور لمتابعته، بفضل أداء (حمادة هلال) لشخصية (صابر المداح) أمام نجمة من الوزن الثقيل هى (نسرين طافش)، ومن ضمن أسباب نجاح هذا العمل، وفق آراء عدد من النقاد، هى قصة العمل التي تضمنت العديد من الأحداث والقضايا بشكل مثير ومشوق، ، فضلا عن كونه كان بمثابة جرعة من المضادات الحيوية الروحانية التي استطاعت أن تهزم بعض  أعمال العنف والبلطجة والتخاريف والخزعبلات التي سادت كثير من أعمال رمضان هذا العام.

** الطاووس :

جاءت فكرة مسلسل (الطاووس) بشكل عام جيدة للغاية على مستوى الفكرة والأداء التمثيلي، هذا إلي جانب أن فكرة التماثل مع الواقع الذي نعشيه شكل مسألة عادية، خاصة أن رواية اللص والكلاب للكاتب الكبير نجيب محفوظ كانت مأخوذة الواقع وغيرها العديد، ومن أهم مميزات العمل أنه يحتوى على أكثر من خط درامي، ما بين الطبقة العليا والأرستقراطية والطبقة الفقيرة المطحونة، كذلك المسلم والمسيحي، وهذه الخطوط الدرامية، تم تحقيق الاندماج الكامل بينهما بشكل مميز، وذلك من خلال أداء جاذب وأحداث تتفق مع واقعية القضايا الحساسة في المجتمع المصري الذي يموج بالتحولات الكبرى.

 ** 2020 :

يعد مسلسل (2020) خليطا بين الأجواء البوليسية والرومانسية في قالب اجتماعي، يحمل قصص حب وثأر وخيانة، وقد جاء في قالب اجتماعي بوليسي عبر قصة تجمع بين الحب والثأر والعدالة، ومن ثم فهو إنجاز مهم للدراما اللبنانية كي تصل إلى المشاهد العربي أينما كان وأن تعرض على أكثر من شاشة عربية وتتواجد على أكثر من منصة، ولتؤكد أن الفنان اللبناني لديه من الموهبة ما يؤهله لأن ينافس عربيا وأنه ليس أقل من المطرب اللبناني الذي نجح عربيا وساهم في نشر لهجة بلاده من المحيط إلى الخليج، وشهد أيضا خروج (نادين نسيب نجيم) في هذا المسلسل من جلباب الأدوار الرومانسية لتجسد شخصية شرطية تتميز بقوة شخصيتها وصرامتها وجديتها في العمل بحس تراجيدي فارق لما قدمته من قبل، وقد ساهم في الإثارة والتشويق تجسيد (قصي خولي) إذا تقبل المشاهد هذه الجزئية اللامنطقية، فإن من السهل عليه أن يتقبل باقي الأحداث، المنطقي منها واللا منطقي، بما في ذلك إصرار هذا المجرم العتيد على الاحتفاظ بمحبوبته بعد اكتشافه أمرها رغم نصائح كل المحيطين به بضرورة التخلص منها، ورغم أنه بلا قلب مع الآخرين يصبح مرهف المشاعر مع حياة حتى بعد أن يعرف أنها النقيب سما ويصر على الاحتفاظ بها محبوبة لعدم قدرته على التضحية بحبه لأجل أمانه وأمان أهله وناسه ومساعديه.

** صالون زهرة :

استطاعت الكاتبة (ندين جابر) أن تقدم عملا متفردا، يغرد خارج السرب، عمل خفيف بعيد عن المنافسة المحتدمة في ماراثون رمضان، حيث 30 حلقة لقصة لا تحتمل أكثر من عشر حلقات، هنا الحلقات مضبوطة على إيقاع متصاعد، 15 حلقة مدة كل منها نصف ساعة أو يزيد قليلا، بعيدة عن التطويل والملل، ودائما لدى (زهرة/ نادين نجيم) ما يدهشك من خلال صالونها الملون بكل ألوان الطيف، بحيث يدخل البهجة إلى قلوب المشاهدين، كما أراد المخرج جو بو عيد صناعة رؤية بصرية مميزة، وأن يخرجنا من سياق الزمان، إلى زمن آخر، أقرب إلى الثمانينات، مع ألوان تضفي على العمل حيوية، فأينما وجهت بصرك في الحي الشعبي حيث يقع صالون التزيين النسائي، تجد ألوانا زاهية تلفت الانتباه وتخطف الأبصار.

** موضوع عائلي :

إحدى أهم المميزات التي أجمعت عليها الغالبية العظمى من الجمهور هى كون مسلسل (موضوع عائلي) واقعيا بامتياز، ففي ظل المسلسلات التي صارت تحتوي الكثير من مشاهد العنف والألفاظ الخارجة بل حتى الكوميديا القائمة على النكات ذات الإيحاءات الجنسية، لم يعد هناك الكثير مما يمكن للأسرة أن تجتمع حوله سويا مثلما اعتاد الكثيرون قبل عقود، لهذا جاء العمل وجبة خفيفة أسبوعية يستمتع بها الكبار والصغار، وأمام انتشار منصات البث العالمية ومن ثم العربية، ظهر اتجاه ضمني من الكتاب والمنتجين نحو المسلسلات ذات الحلقات القصيرة أو المتعددة المواسم، وكان هذا هو حال (موضوع عائلي) الذي ضم 10 حلقات فقط، وجاءت أحداثه سريعة ومتلاحقة مما زاد من الإثارة والإمتاع.

………………………………………….

ويمكنني القول: إننا يمكن أن نضع مثل تلك الأعمال كنموذج مثالي نستطيع البناء عليه أمام شركات الإنتاج في المرحلة القادمة، مؤكدين أن هذا ما ينبغي أن تكون عليه الدراما المصرية والعربية كي تساهم في بناء المجتمع من ناحية، ومن ناحية أخري يمكنها استعادة القوى الناعمة التي تم استردادها في رمضان 2021، بموسم كان الأقوى من نوعه خلال السنوات العشر الأخيرة، بفضل الأعمال التي ركزت على التأكيد على الهوية الوطنية فضلا عن تشكيلة اجتماعية كاشفة لقضايا المجتمع بطريقة احترافية على مستوى القصة والحوار والأداء البطولى الرائع الذى أسر وظنى أن الدراما بهذا الشكل تكون فعلا قادرة رسم المستقبل المنشود.

كما أنه من المؤكد أخيرا أن بات لمفهوم الدراما دور محورى في حياتنا المعاصرة وسياقاتها الثقافية المجتمعية، حيث يعتبرها أغلب علماء علم الاجتماع المعرفي (ظاهرة من ظواهر التاريخ الأدبي، ووثيقة من وثائق التاريخ الإنساني)، حتى أصبح المؤرخون وكتاب الدراما، لا يرون فروقا تذكر بينهما الآن، ومن هنا فقد أصبح موسم 2021 هو موسم الدراما بامتياز في غالبيتها ، حتى أنه يمكننا القول بأن هذا العام على قدر ما يحمله من زخم من حيث الكم وليس الكيف بالتأكيد فإننا يمكن أن نعول عليه  في كتابة التاريخ الاجتماعي والثقافي والفني بشكل واضح في ظل تنامي دور الدراما، ومدى تأثيرها في الأجيال الحالية، والذي ينبع من أهميتها كمنتج إعلامي يعنى برصد الأحداث وتطوراتها وانعاكساتها على مجمل الحياة العربية العصرية، ومن ثم أصبحت الدراما كمعادل بصري وثيقة تاريخية ومستنداً بصرياً للتاريخ بتقلباته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.