رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

وحيد حامد .. الراحل الباقي !!

عمر على

بقلم : عمر علي

يناير 2001

كنت طفلاً في الثامنة من عمري وقتها .. كنت مهووساً بالسينما ولازلت وسأظل .. وقتها كان هناك ما يسمى بنوادي الفيديو حيث أن القنوات الفضائية لم تكن قد انتشرت مثل والتليفزيون الأرضي بقنواته العشرة كان هو المسيطر في معظم البيوت، لهذا كانت نوادي الفيديو المتنفس الوحيد لمن يريد أن يشاهد أفلاماً على هواه.

اللعب مع الكبار
مشهد آخر من اللعب مع الكبار

تعلمت حب السينما من أمي التي كانت ولازالت ناقدة .. في نهاية الأسبوع وقتها جاءت أمي بثلاثة شرائط أجرتهم من نادي الفيديو لنقضي معهم سهرة يوم الخميس كان من ضمنهم فيلم (اللعب مع الكبار) وذلك كان أول فيلم أشاهده له ، ومع أن هذا النوع من الأفلام عادة لا يستهوي الأطفال إلا أني أذكر جيداً أنني جلست أمام التلفاز بتركيز شديد أتابع مغامرة (حسن بهنسي بهلول) مع الضابط معتصم الألفي ، سحرني هذا الفيلم ولازال ولكني لم أفهم بعض من تفاصيله فشرحته لي أمي ، وبعد أن نامت وضعت الشريط مرة أخرى في الفيديو وظللت أعيد مشاهدة الفيلم مرة تلو الأخرى وإلى الآن عندما أصادف هذا الفيلم أتذكر هذه الليلة ، بالطبع يومها لم ألتفت لاسم المؤلف أو المخرج نظراً لصغر سني وقتها.

في نفس التوقيت تقريباً كنت قد انتهيت من المذاكرة وعلى سبيل المكافأة تركتني أمي أشاهد التلفاز لمدة نصف ساعة قبل النوم فتحت القناة الأولى وكانت تذيع في سهرتها فيلم (إضحك الصورة تطلع حلوة)، وبالمصادفة كان في بدايته ، كان الاتفاق على نصف ساعة لكني لم أستطع أن أقم من أمام التلفاز إلا بعد أنهي الفيلم وجلسنا جميعاً نشاهده وأصبح حتى الآن من أفلامي المفضلة.

في تلك المرحلة بدأ مداركي تتفتح على كوني شخصاً يحب الكتابة والقراءة ومشاهدة الأفلام لم أكن أهوى شيئاً آخر ولازلت، هنا بدأت أركز عندما أشاهد أي فيلم عن من هو مؤلفه وعندما ركزت في أكثر التي أحبها اكتشفت أن كثيراً منها من تأليف وحيد حامد. 

الإرهاب والكباب

في أحد أعياد ميلادي أهدتني إحدى قريباتي شريط فيديو لفيلم (الإرهاب والكباب) وكنت أشاهده تقريباً كل يوم حتى منتصفه المشهد الذين يأكلون فيه الكباب ثم أغلق الفيلم ، لم أكن كطفل أحب النصف الثاني من الفيلم الذي تخف فيه جرعة الكوميديا.

نوفمبر 2002

كانت تقام وقتها فعاليات المهرجان القومي للسينما ، وكان مطلوباً من والدتي أن تقوم بتغطية هذه الفعاليات وعلمت منها أن هناك ندوة ستقام مع صناع فيلم (معالي الوزير) بعد عرضه ، وطلبت أن أحضر الندوة لأرى وحيد حامد على الطبيعة ، وافقت بعد إصرار وإلحاح مني. ذهبت معها وشاهدنا الفيلم في المسرح الصغير بدار الأوبرا وبعد انتهاء العرض اعتلى صناع الفيلم المسرح وسط ترحيب الجمهور وبدأت الندوة، كانت أغلب الأسئلة في الندوة موجهة للكاتب وكثيراً منها كانت تحمل انبهار بلغة الحوار وإيقاع الفيلم ورسم الشخصيات وجرأة الفكرة والتناول أيضاً.

أعتقد أن تلك هى اللحظة التي قررت فيها أن أكون كاتباً وألتحق بمعهد السينما ، كان تلك هى أول مرة أشاهده على الحقيقة وبالطبع لم تتح لي فرصة أن أقترب أو أتحدث معه ، وتمنيت حين أكبر أن أشاهده مرة أخرى ولم أكن أظن أن اللقاء سيجمعني به ولكن بعدها بحوالي إحدى عشر عاماً.

صاحب رأي يتمتع بالجرأة الشديدة في التناول

أكتوبر 2013

كنت قد الحقت بالمعهد وقتها وكنت في عامي الثالث بقسم السيناريو وبعد أن امتهنت المهنة وأصبحت أدرسها زاد حبي وتقديري له أضعافاً مضاعفة ، فبعد أن قرأت في مبادئ السيناريو ودرسته ، أدركت مدى الحرفة والمهارة التي يتمتع بها فمن الصعب أن يكون هناك كاتب متمكن إلى هذه الدرجة من رسم الشخصيات ولغة الحوار ، فالحوار الذي كتبه في كثير من أفلامه لازال عالقاً في أذهان الجمهور بدليل أنه بعد وفاته انطلقت مئات الصفحات على السوشيال ميديا تنعيه بمقاطع ومشاهد حوارية من أفلامه ، في هذه السنة كان قدم لتوه في رمضان مسلسل (بدون ذكر أسماء) وحقق وقتها ضجة كبيرة كعادة أعماله.

ومع مراقبتي لكثير من أعماله كثيراً في ما كان يستوقفني مشهد النهاية  ، وكنت أتسائل كيف لهذا الرجل أن ينهي فيلمه في كل مرة نهاية منضبطة ومحبوكة إلى هذا الحد ، نهاية الفيلم هي ما تحدد مدى نجاحه وإستمراره في وجدان المشاهد ، وكنت وقتها ككاتب شاب مازالت أتلمس بداية الطريق وتداعبني أحلام كبيرة بأن أقدم افلاماً وأعمالاً تبقى في الوجدان كما فعل هو ، أريد أن أعرف كيف أنهي اعمالي التي سوف أكتبها وتؤثر في الناس مثله.

في يوم من نهاية شهر أكتوبر عام 2013 كنت متوجهاً لمركز الإبداع بدار الأوبرا لأشاهد مشاريع تخرجي زملائي في السنة الأخيرة بالمعهد. عندما وصلت لم تكن الأفلام قد بدأت وكان أعضاء لجنة التحكيم يتوافدون على الحضور ، ومع عضو يظهر في القاعة كنت أرى زملائي وزميلاتي يزداد توترهم من عظمة الأسماء التي شوف تقيم أفلامهم ، إلى أن ظهر الأستاذ وحيد ودخل القاعة وهنا انتفض الجميع وبدأوا في تحيته واستقباله بحفاوة بما فيهم أعضاء لجنة التحكيم أنفسهم.

وحيد حامد في بداياته

عرضت ستة أفلام استقبل أغلبها بحفاوة ، وكان هناك استراحة لمدة ساعة ثم سوف يتم استئناف العروض ، قرر الأستاذ أن يشرب قهوته في كافيتريا المجلس الأعلى للثقافة وجلس على إحدى الطاولات بمفرده. لم أكن أصدق أني أقف على بعد أمتار قليلة منه وفكرت أن أذهب وأسلم عليه وأعرفه بنفسي ولكن هيبته وهدوءه منعاني في بادئ الأمر ، فربما هو مرهق أو ربما يريد الإختلاء بنفسه للحظات قبل أن يستأنف العروض ، ولكني عدت وفكرت أن هذه فرصة ربما لن تتكرر مرة آخرى ، تقدمت بهدوء من طاولته وعرفته بنفسي فرحب بي ودعاني للجلوس وسألته على الفور:

هو حضرتك بتنهي فيلمك كل مرة نهاية مظبوطة قوي كده ؟

فابتسم في تواضع وقال – بص يا سيدي حاول لما تيجي تكتب تنهي بسؤال مش بإجابة .. يعني كل ما قدرت ككاتب تولد أسئلة في دماغ الناس كل ما بقيت كاتب كويس.

يعني إيه يا أستاذ أنهي بسؤال مش بإجابة

طيب هطبقلك على حاجة من أفلامي .. إنت شفتلي إيه

كل أفلامك يا أستاذ ..

طب فاكر دم الغزال ..

طبعاً ..

أنا نهيت دم الغزال ان حنان اتقتلت .. مين اللي قتلها..؟

ريشة.

ممكن يكون هو وجماعته .. أو ممكن تكون ماتت برصاص الشرطة .. المهم إن دي نقطة أنا مجاوبتش عليها بشكل واضح .. وكنت قاصد

كمل يا أستاذ

طب (جابر عميش) بعد ما مات في الإشارة هيتدفن فين وهو مقالهمش على اسمه ولا عنوانه ؟، طب عبده هيعرف إزاي انه مات ؟ طب ريشة بعد ما هرب هيروح فين ؟، طب عاطف عمشة بعد ما ريشه قطعله ايده هيرجع المنطقة تاني ازاي ؟

صح يا استاذ .. كل النهايات كانت مفتوحة وحضرتك موضحتش.

هى دي بالظبط .. المفروض اني موضحش والمفروض اني أخليك تفكر .. متريحش المشاهد .. سيبله دايماً أسئلة يفكر فيها .. هو ده اللي هيخلي فيلمك يعيش .. فهمت ؟

ابتسمت وقتها من قدرته البسيطة على الشرح هكذا .. وقلت له: تمام يا أستاذ فهمت.

هذا الدرس البسيط الذي أعطاني إياه الأستاذ لن أبالغ حين قلت أنه غير طريقة تفكيري تماماً بعدها وحاولت في كل كتاباتي بعدها التي ظهرت للنور والتي لم تظهر بعد أن أقوم بطرح أسئلة في النهاية ، فمثلاً في أفلامي القصيرة التي قدمتها حتى الآن وعرضت في مهرجانات عدة واستضفت على أثرها في عدة برامج ، كنت أتلقي تعليقات إيجابية للغاية حول مشاهد النهاية الموجودة فيها وفي كل مرة كنت أقول أني فقط أطبق الدرس الذي أعطاني إياه الأستاذ.

epa06371878 Egypt’s screenwriter Wahid Hamed speaks at the opening of the Dubai International Film Festival in Dubai, 06 December 2017. The festival lasts from 06 until 13 December 2017. EPA/MARTIN DOKOUPIL

ديسمبر 2020

من بداية إنطلاق الدورة الماضية من مهرجان القاهرة وإنتظامي في حضور كل الفعاليات ، كان علىّ أحضر ندوة تكريمه لأراه مرة أخرى بعد سبع سنوات، ولم أكن أعلم أن تلك ستكون المرة الأخيرة التي آراه فيها ويراه فيها كل جمهوره ومحبوه الذين تسابقوا في الحصول على تذكرة لدخول الندوة ، بمجرد دخول الأستاذ إلى المسرح وقف الجميع وصفق تحية لهذا الأستاذ الكبير الذي احترم الكلمة فاحترمته ، الأستاذ الذي أحب أيامه فأحبته ، الأستاذ الذي ترك إبداعاً لن ينسى ولن يقترب من عالمه أحد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.