رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

ليلى مراد من الكبائر عند المتأسلمين !

بقلم الكتور : ثروت الخرباوي

ليس من اللائق أن أكتب عن الفن بتحريض من الصديق الأستاذ أحمد السماحي ولا أكتب عن الفن عند المتأسلمين، أولئك الذين صنعوا دينا يخالف دين الإسلام ويخالف الفطرة السليمة، وأذكر أنني بعد أن تركت الإخوان بأشهر أقمت أنا وبعض الناشطين في نقابة المحامين يوما لفلسطين عام 2002 وجاءت كل القوى السياسية لتشارك في هذا اليوم، وكان بعض الشباب قد أقاموا في هذا اليوم معرضا لجهاد الفلسطينيين وكانت خلفية هذا المعرض بعض أغاني المطربة فيروز التي ارتفع صوتها من أجهزة التسجيل يشدو فوق سماء النقابة، وعندما سمع أمين عام النقابة الإخواني أحمد سيف الإسلام حسن البنا صوت فيروز أصابه الفزع وقام على الفور بإلغاء هذا اليوم لأن فيروز لا مكان لها في آذان الإخوان، حينها ضحكت كثيرا مع بعض الأصدقاء وأنا أقول لهم: (فيروز حلال وأحمد سيف الإسلام حسن البنا حرام شرعا).

فيروز .. صوت من الجنة

كيف لا نغني مع فيروز (يا قدس يا مدينة الصلاة)، وكيف لا أطرب وأنا أسمعها تشدو: (أعطني الناي وغني، ورائعتها يا عاقد الحاجبين على الجبين اللجين)، وهب الله فيروز موهبة لا نظير لها وكانت تغني وكأنها تغني مع داود النبي عليه السلام، كل شدوها كان يرتقي بالإنسان ويرتفع بمشاعره، ولكن الذين فسدت فطرتهم ألقوا بالمسئولية على الدين والدين لاعلاقة له بفساد الفطرة، ما أرسل الله لنا الأديان إلا لرتقي بالإنسان.

أما ليلى مراد فقد كان الإخوان يكرهونها ويعتبرونها شيطانة أرسلها اليهود لتدمر ديننا، ليلى ذات الصوت الملائكي الذي يمتلأ بالشجن، ويالروعتها وهى تغني (ليه خليتني أحبك)، أو أغنية (ماليش أمل في الدنيا دي غير اني اشوفك متهني) وغيرهما من عشرات الأغاني، وأذكر أنني قلت في إحدى الندوات ذات يوم : (إذا أردت أن تقترب من الله فاسمع ليلى مراد وهى تغني فسوف تجعل قلبك قطعة من البلور النقي، وإذا أردت أن تصعد إلى جنات النعيم فاستمع إلى فيروز، إذ أنني أعتقد أن صوت فيروز من مخلوقات الجنة وضعه الله في حنجرة فيروز لنعرف كيف هي أصوات الجنة).

ليلى مراد صوت ملائكي يمتلأ بالشجن

فإذا بحثت يا صديقي عن الفقه الديني الذي يتم تدريسه في المعاهد الدينية ولدى عتاة السلفيين والوهابيين والإخوان ومن سار على دربهم ستجده فقها يجعل غطاء الرأس فريضة، أما الذي يأخذ منهم بالأحوط فستجده يقول إن المرأة يجب أن تخفي وجهها ورأسها، وستجدهم جميعا يقولون إن الموسيقى حرام والغناء حرام والفن حرام والصور حرام والتماثيل حرام والذهب للرجل حرام، فإن ناقشتهم كادوا أن يقولوا لك إن (الحلال نفسه حرام!)،  ولكن الإسلام الذي عرفته مصر منذ قرون لم يكن فيه إخوان، ولا سلف، ولا تلف، ولا وهابية، ولا حتى حنبلية، إسلام مصر هو الإسلام الحقيقي الوسطي الجميل الذي أطلق عليه العالَم “الإسلام المصري” لأن له ذائقة فنية وأدبية لا تضارعها ذائقة، حتى أن القرآن الكريم الذي نزل في مكة والمدينة، لم يُقرأ قراءة تُحرك القلوب، وتُهدهد المشاعر إلا في مصر.

مصر التي أبدع تلاوة القرآن فيها وبالمقامات الموسيقية عمالقة لن يجود الزمان بمثلهم، أولهم العملاق (علي محمود، والعبقري محمد رفعت، والفلتة الذي لا يتكرر مصطفى اسماعيل، ومزمار القرآن عبد الباسط عبد الصمد) وغيرهم، وصولا إلى (الطبلاوي والطاروطي ونعينع)، ولك أن تتحدث عن الإنشاد المصري الذي لا يوجد مثله في أي دولة في العالم، إنشاد النقشبندي المذهل، والطوخي أحد عجائب الدنيا وقد تنتهي السطور ولا ننتهي من سرد أسماء الفنانين من كبار المنشدين الذين حببوا الناس في الإسلام، وقرَّبوا العباد من رب العباد، ورفعوا الآذان بأصوات نورانية شفيفة، وبطبقات موسيقية متقنة، حتى أن كبار الموسيقيين المصريين تعلموا في الأزهر مثل الشيخ أبو العلا محمد والشيخ زكريا أحمد وغيرهما.

مصر التي استقبلت موهبة المثَّال العبقري محمود مختار، وأنشأت أول كلية للفنون الجميلة في المنطقة كلها ولم يقبل أحدٌ من المصريين أي تخرصات لأي شيخ متزمت يقول بأن الرسم والتماثيل حرام، بل إن بيوت كبار علماء الأزهر في أوائل القرن العشرين كانت تزدان بلوحات فنية عالمية . ولم يجهدني شيءٌ قدر ما أجهدتني مناقشة بعض هؤلاء الكهان الجدد الذين يتحدثون حصريا باسم الله سبحانه وتعالى، فحين ناقشت ذات يوم منذ عشرين عاما الشيخ المتسلف المتأسلم (وجدي غنيم) الهارب حاليا في قطر عن تحريم الله للموسيقى وأخذ يستدل على ذلك بأحاديث منسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، عن المعازف وحُرمتها.

الشيخ النقشبندي منشد أبدع بالموسيقى

فقلت له بما أنك تتحدث بالأحاديث فهل تعلم شيئا عن حديث ورد به أن جاريتين كانتا تغنيان ومعهما آلة موسيقية والرسول صلى الله عليه وسلم يستمع، وعندما دخل سيدنا أبو بكر الصديق نهاهما عن الغناء وقال مزمار الشيطان عند الرسول! فقال له الرسول دعهما إلى آخر الحديث، فقال الشيخ وجدي: المزمار الذي كان يقصده سيدنا أبو بكر هو صوت المغنيتين، فالرسول قال في حديث آخر لأحد الصحابة إنه أوتي مزمارا من مزامير داود، وكان يقصد بالمزمار صوت هذا الصحابي، فقلت له: يا عم الشيخ، الرسول لم يقل له إنه أوتي مزمار داود، ولكن مزمارا من مزامير داود، ومعنى ذلك أن صوت داود كان مزمارا إلا أنه كان يقترن بمزامير أخرى، بدليل أن الله في القرآن قال: “ياجبال أوِّبي معه والطير، معنى ذلك أن نغمات الكون كلها كانت عبارة عن جوقة موسيقية لسيدنا داود.

واشتد النقاش والشيخ وجدي يقول إن كلمة (أوِّبي) معناها سبِّحي وليس غني، وأنا أرد عليه بأن الطير لن يُسبِّح صامتا، فالطبيعي أن كل نوع من أنواعه الطيور ُ سيُسبِّح بصوته المختلف مع الآخر، فهذا عصفور وذاك بلبل، وتلك حمامة أو يمامة، وهذا هدهد، وحتى الغراب سيكون صوته مثل الطبل وهو يُسبح لله، وهذا أكبر دليل على أن الموسيقى حلال في حلال، المهم أنك ستخرج من هذا الحوار أن هؤلاء لايهتمون بالقرآن الكريم ويلجئون إلى روايات منسوبة للنبي عليه الصلاة والسلام يُحرِّمون منها ما يريدون، وأظن أن هذا التحريم يبدو طبيعيا ويتفق مع السياق العام لتلك التكوينات وغيرها من جماعات التطرف، فأولئك الذين ألفوا العنف والإرهاب، وعاشوا بعيدا عن الفنون التي ترتقي بالنفس الإنسانية، قست قلوبهم فأصبحت كالحجارة أو أشد قسوة، وغدت مسألة تحريم الفنون عندهم مزاجا عاما، وآثمٌ عندهم من يستمع للموسيقى، وفاسقٌ عندهم من يعزف على آلاتها.

الطيور تغني مغردة في سماء الكون
حتى صوت الغراب يشبه الطبل

والآن سنلتقط أنفاسنا لأنني دخلت بكم إلى (الأغاني لأبي الفرج الإخواني) لأقول إن في صوت تغريد الطيور موسيقى، وفي صوت الماء والشلالات والمطر موسيقى، وفي صوت الرياح موسيقى، فكيف نستطيع أن لا نسمعها، وكيف لنا أن نُحَرِّمها، وعندما أفتح معكم هذا الملف وأسبر غور فن الإخوان على الطريقة الإسلامية، أو إخوان الفن الحلال قد يتبادر إلى ذهنك فور قراءة كلمة الفن الحلال عبارة (ذُبح على الطريقة الإسلامية) كأن يجلس القصَّاب الإخواني أو صاحب الخلفية الإخوانية ليذبح الفن وهو يقول بعد أن يضع السكين على رقبته (بسم الله الله أكبر) واسمع منهم تلك الأفكار المتهافتة التي لا تخرج إلا من أصحاب العقول الضعيفة وهم يُحرِّمون الصور والتماثيل، ولا عبرة عندهم بالقرآن الكريم وهو يقص علينا خبر سيدنا سليمان عليه السلام عندما كان يأمر الجان بصنع تماثيل يزين بها قصره، أو نحت رسم بالنحاس على الزجاج.

ففي سورة سبأ يقول الله سبحانه وتعالى (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات) أما التماثيل المحرمة فهى التماثيل التي يصنعها الناس ليعبدوها، لذلك قال إبراهيم عليه السلام لقومه مستنكرا في سورة الأنبياء (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) وإلى الآن لا يزال هؤلاء الكهنة أو قل أنبياء العصر الحديث يقولون: إن الله لم يُحَرِّم التماثيل على قوم سليمان وحرمها علينا!، رغم أن أول درس يتعلمه الطالب في معاهدهم الدينية في دروس العقيدة هو أن كل ما يتعلق بالعقيدة واحد عند كل الأنبياء، وبالتالي إذا كان تحريم صناعة التماثيل واقتنائها مقترنا بفعل شركي كأن يعبدها المُشرك فيكون الأمر متعلقا بالعقيدة ويكون واحدا عند كل الأنبياء، وإذا كانت صناعة التماثيل من أجل الفنون والزينة والجمال مباحة لسيدنا سليمان فيجب أن تكون مباحة لنا.

ليلى علوي
يسرا

ولأن الفن بهذه المثابة حرام عندهم فقد أدخلوا المسرح والسينما في نطاق التحريم لأنهم يقولون إن هذه الروايات المسرحية والسينمائية عبارة عن كذب بواح، ويستند أصحاب العقول الضعيفة إلى أن القصة التي يمثلها الممثلون لا علاقة لهم بها، وقد يترتب على تمثيل بعض الأحداث نتائج خطيرة منها أن الممثل الذي يتزوج في الفيلم أو المسرحية من ممثلة تؤدي معه دورا فنيا تصبح زوجته حقيقة لا خيالا إذا كان هناك ممثل يقوم بدور المأذون ويستنطقهم عبارات عقد الزواج!، حتى أن أحد أصدقائي من الإخوان القدامى بعد أن سمع هذه الفتوى تمنى أن يقوم بدور مع الفنانة الكبيرة ليلى علوي، أو الفنانة المتألقة يسرا، على أن يتزوج من أي منهما في الفيلم ليصبح زواجه منها حقيقة لا خيالا !.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.