رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

زياد الرحباني في ديوانه (صديقي الله) .. يوميات طفل عبقري!

* القارئ للديوان سيلاحظ حضورا طاغيا للأم فى مقابل حضور باهت للأب!

* تتجلى علاقة (زياد) بوالديه في مقطع من هذا الديوان يقول فيه: ليتهما يعرفان أن العِتاب كالدخانِ يفنى.. ليتهما يعرفان أن الفرح أقوى من الحزن

* الديوان يتكلم عن الحب والموت والحياة والله والصلاة وغيرها من الأفكار الشائكة بوعي ونضج لا يتناسب مع طفل لا يزيد عمره عن 12 عاما.

قصيدة يناجي فيها أمه

كتب : أحمد السماحي

ذكر لي مرة صديقي المخرج الكبير الراحل (حسين كمال) أنه كان في زيارة لمنزل السيدة (فيروز) وزوجها الموسيقار (عاصي الرحباني) للاتفاق على عمل فني من إخراجه لم يخرج للنور، فجذب سمعه أثناء جلوسه فى انتظار حضور الزوجين الشابين – وقتها – مقطوعة موسيقية رائعة لبيتهوفن، أعتقد أن أهل المنزل قاموا بتشغيلها للترحيب به حتى يحضران، لكنه فوجئ بطفل صغير ينزل من على الكرسي الموضوع أمام البيانو، وبمجرد نزوله صمتت الموسيقى، فعرف أن هذا الطفل العبقري الذي لا يتعدى عمره العشر سنوات هو الذي كان يعزف لبيتهوفن، هذا الطفل هو (زياد الرحباني)!.

وهذه العبقرية التى تمتع بها الطفل (زياد الرحباني) هى التي جعلت والده الموسيقار الشهير يأخذ رأيه فيما يلحنه عندما كان (عاصي الرحباني) يمشي في بيته رواحا ومجيئا مدندنا لحنه الجديد، فلمح ابنه ذي الست سنوات مصغيا السمع له، فسأله ساخرا: ما رأيك يا زياد؟!، رد عليه باهتمام بعد أن استغرق في التفكير قليلا: جميل، ولكن ربما يكون أفضل لو جاء الإيقاع أبطأ قليلا!.

هنا انتبه الوالد لموهبة ابنه وأذنه الموسيقية، وقال له: ماذا قلت يا بابا؟!، فرد عليه (زياد) بثقة وعفوية: ربما يكون أفضل لو جاء الإيقاع أبطأ قليلا، ومن يومها داوم  الأب على أخذ رأي ابنه في ألحانه إلى أن تناهى إلى سمعه – يوما ما – لحنا يردده زياد، سأله: أين سمعت هذا اللحن يا بابا؟، فأجابه: لم أسمعه من قبل، ولكنه يتردد في ذهني هذه الأيام، ربت عاصي على كتف ولده وتركه مبتسما ليكمل مذاكرته.

اليوم لن نتحدث عن ألحان الموهوب (زياد الرحباني) التى أنقذتنا من الملل والسأم الغالب على معظم ما يقدم في الساحة الغنائية، ولكن سنعود إلى الوراء حوالي 50 عاما ونقوم بإعادة قراءة ديوانه الشعري الأول والأخير (صديقي الله) الذي كتبه بين عامي 1967 و1968، أي وعمره حوالي 11 و12 عاما، وقد قام والده (عاصي الرحباني) بتجميع كل هذه الأعمال، وذهب بها إلى أحد المطابع وقام بنشرها على نفقته الخاصة كأول ديوان شعري لطفل لم يتجاوز الثانية عشر.

يناجي الطبيعة ببراءة طفل أتعبه الهوى

 وهذه الأشعار كانت تنبئ بودلاة شاعر مهم، لولا أن (زياد) اختار الموسيقى ولحن لخالته (هدى حداد) عام 1971 أي وهو فى الخامسة عشر من عمره، أغنية (ضلِك حبيني يا لوزية) بعدها بعامين أي في عام 1973 تحديداً قدم أول لحن لأمه (فيروز) في أغنية (سألوني الناس) المهداة لوالده الذي كان مريضا حينها، ثم توالت الألحان لفيروز وغيرها، فسلك طريق الموسيقى.

يبدأ الديوان بصفحة لتعريف الشاعر الصغير بأنه في مدرسة (السيدة الجهور)، وسجل هذه الكتابات سنتي 1967، و1968 وأول قصيدة يتحدث فيها الطفل الذي يبلغ ست سنوات عن إطفائه لشموع تورتة السنة السادسة فيقول :

أﻧﺎ ﺻﻐﻴﺮ وﻟﺴﺎدس ﻣﺮة أﻃﻔﺊ اﻟﺸﻤﻮع

ﻣﺎ أﺣﻠﻰ اﻟﺤﻴﺎة ﻋﻨﺪ ﺳﺎدﺳﺔ إﻃﻔﺎءة ﺷﻤﻮع 

ﻣﺎ أﻋﺮف؟ ﻻ أﻋﺮف ﺷﻴﺌًﺎ 

ﻻ أﻋﺮف إﻻ أّن ﻟﻲ ﺑﻴﺘًﺎ ﺑﺠﺪران

ﺳﺮﻳﺮًا وﺻﻮرﺗﻴﻦ  ﺧﺒﺰًا وﻣﺎء ﻻ ﻏﻴﺮ

وأﺻﺒﺤﺖ دﻧﻴﺎي ﺑﻴﺘًﺎ ﺑﺠﺪران

ﺳﺮﻳﺮًا وﺻﻮرﺗﻴﻦ  ﺧﺒﺰًا وﻣﺎء ﻻ ﻏﻴﺮ

العظيمة فيروز على المسرح تشدو إحدى ألحان زياد

والقصيدة الثانية يتحدث فيها بكل براءة وشفافية وشقاوة عن صديقه الله، حيث أخبروه بأن الله معه في كل مكان وكل وقت، ففهم أن الله رفيق دربه وصديقه، ضاربا عرض الحائط باعتبارات التأدب مع الله، أوأنه يتعالى عن الموجودات وليس مساويا لهم:

وﻗﺎﻟﻮا ﻳﻮﻣا : إن ﷲ ﺻﺪﻳﻘﻲ

ورﺣﺖ أﻓﺘﺶ ﻋﻦ ﺻﺪﻳﻘﻲ

ﺑﻴﻦ اﻟزهور، ﻓﻲ اﻷﺣﺮاج، ﻓﻲ اﻷﺷﺠﺎر

وراء اﻟﺼﺨﻮر اﻟﻤﻮرﻗﺔ، وﺧﺎﻓﺖ ﻣﻨﻲ اﻟﻌﺼﺎﻓﻴﺮوهربت

ﺗﺮى ﺻﺪﻳﻘﻲ كاﻟﻌﺼﺎﻓﻴﺮ ﺧﺎف ﻣﻨﻲ وهرب ؟ 

وﺳﺄﻟﺘﻬﻢ؟ ﺻﺪﻳﻘﻲ هل ﻳﺨﺎف؟ 

ﻗﺎﻟﻮا: يخاف أﻻتحبه!

وﻗﻠﺖ : أﻳﻦ هو؟

  وﻗﺎﻟﻮا : ﻓﻲ كل ﻣﻜان!

يخاطب زياد الله ويناجيه كأنه أمامه وأحيانًا يناديه للعب، ولكنه يعي تماما أنه في وقت من الأوقات لا بد وأن يصلي له ويمجده، ولكن حتى هذه يفعلها على طريقته البريئة النقية، إذ يقول:

إن لم أكن فرِحا

لا أستطيع أن أصلّي

ما مِن مرةٍ صليت

 إلا وفي قلبي عصفورٌ يلعب

وغصن يلوح

زياد بحكم كونه طفل لا ينافق ويتلون ويقول ما لا يظهر، فقط يقول ويفعل ما يمليه عليه قلبه، فيقول في مقطعٍ آخر: (لا أريد أن أصلي إلا ما أفهمه)، بعد ذلك يخاطب (زياد) صديقه ويقترح عليه أن يأتي لسرقة الأحراج، لكن ينصحه أن يأتي قبل موسم الشتاء حيث الطرق مغلقة، ويقول له:

إذا جئت يا صديقي، فنذهب إلى الأحراج

نذهب إليها نسرقها، نقول إنها لنا، لي ولك

لا أحد يسمعنا، إذا أردت أن تأتي فتعال

قبل الشتاء، فى الشتاء طرق المجئ مسكرة

وطرق السفر يقف عليها أناس كثيرون

لا يبكون، لا يضحكون، إنهم مسافرون

وعصافير تنتظر موكب الريح

هل يصل صوتي إليك؟

عبر كل هذه الأوراق المتساقطة.

فيروز وعاصي الرحباني

بعد ذلك يأخذنا (زياد) إلى عالم ملون بألوان قوس قزح، عالم الحكايات حيث تحكي له والدته كل يوم قصة فيقول:

ﺟﻠﺴﺖ أﻣﻲ أﻣﺎم اﻟﻤﻮﻗﺪ ﺗﺨﺒﺮﻧﻲ ﻗﺼﺔ

  ﻗﺎﻟﺖ: كان رﺟﻞ ﻳﻌﻤﺮ بيتا

كان ﻓﻘﻴﺮًا وﺟّﻤﻊ اﻷﺣﺠﺎر ﺣﺠﺮًا ﺣﺠﺮًا 

وأﺗﻰ ﺑﻬﺎ ﻣﻦ اﻷﺣﺮاج واﻟﻐﺎﺑﺎت

وأﺗﻌﺒﻪ اﻟﻌﻤﻞ ﻟﻜﻨﻪ أكمل ﻗﺎﺋًﻼ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ

أﻋﻤﺮ ﺑﻴﺘًﺎ أﺳﻜﻨﻪ ﻟﺒﺎﻗﻲ اﻟﻌﻤﺮ

وﻇﻞ ﻳﻌﻤﺮ ﻃﻮل ﻋﻤﺮﻩ  

  وﻋﻨﺪﻣﺎ اﻧﺘﻬﻰ اﻟﺒﻴﺖ اﻧﺘﻬﻰ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﺒﻴﺖ

وﻗﻠﺖ ﻷﻣﻲ هل اﻧﺘﻬﺖ اﻟﻘﺼﺔ ؟

 ﻓﻘﺎﻟﺖ أﻣﻲ: ﻧﻌﻢ!

……………………………………………….

وببراءة وعفوية يحدثنا هذا المعجون بالموهبة عن الطقوس ليلة العيد فيقول:

ﻳﺄﺗﻲ ﻳﻮم اﻟﻌﻴﺪ واﻷﺟﺮاس ﺗﺼﻠﻲ

ﺗﺼﺮخ إﻟﻰ ﷲ ﻣﻦ كل ﻣﻜﺎن

واﻟﻨﺎس ﻳﻠﺒﺴﻮن ﺛﻴﺎب اﻷﺣﻼم  وﻳﺪﺧﻠﻮن اﻟﻜﻨﺎﺋﺲ

واﻟﻌﺼﺎﻓﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺳﻄﺢ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﺗﺼﻠﻲ إﻟﻰ اﷲ

ﻓﺎﷲ اﻟﻨﺎِس واﻟﻌﺼﺎﻓﻴِﺮ واﺣﺪ 

واﻟﺮاهب اﻷﺳﻮد ﻳﺮﺗﻞ ﻣﺎ ﺣﻔﻈﻪ ﻣﻦ ﺳﻨﻴﻦ

ﻣﻨﺬ كان ﻃﻴﺮ أﺑﻴﺾ ﻳﻤﺮ ﺑﺎﻟﻜﻨﺎﺋﺲ

وﻳﻀﻊ ﻓﻲ كل واﺣﺪة ﻣﻨﻬﺎ رﻳﺸﺔ ﻣﻦ ﺟﻨﺎﺣﻪ .

يتذكر عهده الشعري في الطفولة والصبا

بعد ذلك  يعبر فى أكثر من قصيدة عن عدم حبه للذهاب إلى المدرسة ــ (يوم أذهبه إلى المدرسة أحسه سفرا يا أمي) ــ وأنه كان ينتظر ساعة الرجوع ليعود إلى بيته ولعبه ووالدته التى كانت حكاياتها أمتع من المدرسة التى تعلمها فيها الصلاة:

ﻋﻨﺪﻣﺎ أرﺳﻠﻮﻧﻲ ﻳﻮﻣﺎ إﻟﻰ اﻟﻤﺪرﺳﺔ

كتنت أﻧﺘﻈﺮ ﺳﺎﻋﺔ اﻟﺮﺟﻮع

ﻋﻠﻤﻮﻧﻲ هناك أن أﺣﻜﻲ ﻣﻊ اﷲ صديقي

ﻋﻠﻤﻮﻧﻲ أن أﺻﻠﻲ، ﻣﺎ كانت ﺗﻘﻮﻟﻪ ﻟﻲ أﻣﻲ 

ﻗﺒﻞ أن أﻏﻔﻮ ﻓﻲ اﻟﺴﺮﻳﺮواﻟﺮﻳﺢ ﻓﻲ اﻟﺨﺎرج

ﺗﺨﺮب اﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻣﺎ كانت ﺗﻘﻮﻟﻪ كان أﺣﻠﻰ 

ولأن زياد نما وكبر أثناء حرب يونيو عام 1967 ، فكان لابد أن تتناول أحاديث السهرة أخبار الحروب، ولأن (فيروز وعاصي) كتلة من المشاعر الحساسة فكان لابد أن يتحدثوا عن المشردين واللاجئين فى كل أنحاء العالم، فيكتب زياد عن هذه السهرات فيقول:

كاﻧﺖ أﺣﺎدﻳﺚ اﻟﺴﻬﺮة ﺗﺪور

ﻓﻘﻠُﺖ: ﺣﱢﺪﺛﻮﻧﺎ ﻋﻦ ﻏﻴﺮ اﻟﻤﻮت

ﻗﺎﻟﻮا: نحكي عن اﻟﺤﺮب

ﻗﻠﺖ: عن غير اﻟﺤﺮب

ﻗﺎﻟﻮا : ﻧﺤﻜﻲ ﻋﻦ دﻣﻮع اﻟﻤﺸﺮدﻳﻦ

ﻗﻠﺖ : عن غير دﻣﻮﻋﻬﻢ

ﻗﺎﻟﻮ ا: عن اﻟﻤﻨﺘِﻈﺮﻳﻦ

ﻗﻠﺖ  :عن غير اﻟﻤﻨﺘﻈﺮﻳﻦ

ﻗﺎﻟﻮا : ﻻ ﻧﻌﺮف ﻏﻴﺮهذا ﻓَﻌﱠﻢ ﻧﺤﻜﻲ؟

ﻗﻠﺖ: اﺳﻬﺮوا كما ﺗﺴﻬﺮ اﻟﺤﻴﻄﺎن

ﻻ ﺗﺘﻜﻠﻤﻮا ﻋﻦ ﺷﻲء  واﻧﻈﺮوا ﺑﻌﻀﻜﻢ إﻟﻰ ﺑﻌﺾ

ﻋﱠﻞ وجوهكم ﺗﺘﺤدث 

……………………………..

تتجلى علاقة زياد بوالديه في مقطع من هذا الديوان يقول فيه:

ليتهما يعرفان أن العِتاب كالدخانِ يفنى

ليتهما يعرفان أن الفرح أقوى من الحزن

ديوان (صديقي الله) يوميات طفل عبقري عن كل ما يخص الحياة والله والبشر والطبيعة والحروب والموت، وبالطبع لابد أن يتعجب كل من يقرأ الديوان ويربطه بتاريخ كتابة القصائد، يتساءل كيف لطفل أن يكتب عن الحب والموت والحياة والله والصلاة وغيرها من الأفكار الشائكة بهذا الوعي والنضج؟!

ومن الملاحظات التى سيلاحظها القارئ لهذا الديوان، غياب والد (زياد) في كلماته إلا في قصائد معدودة تعد على أصابع اليد الواحدة، فى الوقت الذي نجد حضور طاغيا لوالدته السيدة فيروز، والتى من خلالها يكتشف العالم ويتحسس تفاصيله، يسألها دائما ويحكي لها ما يراه ويشعر به، وهى ربما لا تمنحه الإجابات الوافية طوال الوقت ولكنها تنير له الطريق ليعرف ذاته، صوته عذب ولغته أقرب للمناجاة والابتهال وهو يكلمها أو يتحدث عنها، هي قطب حياته الأول وبعدها صديقه الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.