رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

الذكرى المئوية للمتصوف الشرير صلاح منصور، الذي أحبه السادات، وأرعب السلال!

كان متصوفا ويعشق الشيخ مصطفى اسماعيل

كتب : أحمد السماحي

عندما تجتمع الموهبة الفنية مع المعاناة العميقة في الحياة ترتفع إمكانية الإبداع الفني لدى الفنان وتتفتح أمامه أبواب النجاح وقلوب الجماهير، وصلاح منصور الذي نحيي الذكرى المئوية له اليوم عاش أكثر من معاناة على المستوى الفني والشخصي، فعلى المستوى الشخصي عاني كأب لمدة عشر سنوات بسبب ابنه الأصغر (هشام) الذي أصيب بضمور في أعضائه وعالجه بلا فائدة، كان يطير معه إلى لندن – كما ذكر الناقد عبدالغني دواد – كل عام لعلاج الصمم والتخلف، لكنه توفى بعد إجراء عملية جراحية له فى لندن فأصيب بصدمة عصبية أدت إلى مرضه، خاصة أنه كان ثاني ابن يموت له بعد استشهاد ابنه الأول أثناء حرب أكتوبر عام 1973.

أما معاناته الفنية فتمثلت في وقوع ظلم كبير على موهبته الكاسحة، حيث لم يلتفت أحد إلى هذه الموهبة ويعطيه أدوارا كبيرة، ومهمة، باستثناء قلة من المخرجين، ورغم هذا نثر صلاح منصورأحاسيسه وعواطفه من خلال أفلام مضيئة مشعة، تبدو وكأنها قد سقطت في حوض ملئ بإكسير سحري فتناثرت قطراته علينا لتحملنا إلى جو مشحون غير معتاد وغير مألوف ولكنه يشع بنور الفن المقدس.

وفي كل دور قدمه كان الجمهور يخرج من السينما وهو يهتف باسم صلاح منصور، رغم إنه لم يكن يوما بطلا مطلقا، لكنه كان يترك بصمته على كل دور يقوم به، مهما كانت درجة رداءة الفيلم الذي يشارك فيه أو سطحيته، بفضل موهبته الطاغية، فهو كان يجيد معايشة شخصياته ويرسم أبعاد كل شخصية بحذر وصبر ومهارة، ومن خلال هذه الشخصية يعرف كيف يتوازن بين عدة مشاعر متناقضة في وقت واحد.

سلامه في البوسطجي

الندل

من أهم مميزاته كفنان تعدد الشخصيات الفنية التى جسدها، فلم يحصر نفسه في دورا واحدا، ولم يستسلم لنزوات بعض المخرجين في حصره وحبسه في دور معين، فهو (سليمان ابن البقال) الندل الذى يغرر بالفتاة الدميمة (نفيسة)، ويتركها بخسة بعد أن أخذ غرضه منها.

الزوج الشبق جنسيا في المستحيل

المغتصب

 هو أيضا (دياب) الذي كان شريكا لرب الأسرة في التجارة، وما إن مات شريكه حتى استغل الموت لصالحه ونهب نصيب الرملة وبناتها في الشركة في فيلم (أرملة وثلاث بنات)، ولم يكتف بالنهب المادي ولكنه انقض على (هدى) ابنة شريكه الطالبة في كلية الطب وسلب شرفها وجعلها في موقف لا يسمح لها إلا بقبول الزواج منه رغم فارق السن الكبير بينهما.

ولقد أبدع وتفوق على نفسه في المشهد الذي صارح فيه (هدى) بأنه يريد أن يتزوجها ويفتح لها قلبه ويسكب تحت قدميها مأساة حياته، ويكشف لها سر عزلته عن العالم، ولماذا يكره أسرته ويكره الناس جميعا ولماذا لا يثق بأحد على الإطلاق؟!

صلاح منصور وإبراهيم الشامي وشكري سرحان وسعاد حسني في مشهد مهم من فيلم (الزوجة الثانية)

العمدة

لقد استرسلت في الحديث عن دوره في هذا الفيلم لأنه من الأفلام التى لا تعرض على الفضائيات، كما لا يمكن أن ننسى دور العمدة الطاغية قاسي القلب في رائعة صلاح أبوسيف (الزوجة الثانية).

الإمام أحمد في فيلم ثورة اليمن

الإمام أحمد ملك اليمن

 تقمص صلاح منصور شخصية (إمام اليمن يحيى حميد الدين) بشكل مذهل فى فيلم (ثورة اليمن) الذي أنتجته السينما المصرية، ويذكر الدكتور (مصطفى الفقي): (أن الفيلم جرى عرضه فى حفل خاص حضره الرئيسان جمال عبدالناصر وعبدالله السلال رئيس جمهورية اليمن، وعندما كان يظهر (منصور) على الشاشة مجسدًا شخصية الإمام اليمنى كان السلال يفزع من مقعده ويمسك بيده عبدالناصر ويجلسه مرة أخرى فى مكانه، لأن درجة إتقانه لدوره فاقت كل خيال).

مع زيزي البدراوي في فيلم أرملة وثلاث بنات

المختلس

كما جسد دور (إبراهيم) الفراش بإحدى المصالح الحكومية الذي اقترب من سن المعاش ولم يستمتع بحياته مطلقًا فيقرر اختلاس مرتبات الموظفين، ويهرب مع بائعة اليانصيب الجميلة إلى الإسكندرية  ليستمتع بالبحر والوجه الحسن!.

وهو، وهو، وهو عشرات من الأعمال السينمائية والمسرحية والتليفزيونية والإذاعية التى كتبت اسمه بحروف من ذهب، وجعلته يسكن وجدان وعقول المصريين والعرب.

مع حسين فهمي في فيلم الدموع الساخنة

المجانين

للعملاق صلاح منصور أعمال سينمائية ومسرحية وتليفزيونية وإذاعية كثيرة جدا مجهولة لا تعرض ولا تذاع، من هذه الأعمال التى نتوقف عندها اليوم المسلسل التليفزيوني (المجانين) الذي قدم في التليفزيون المصري عام 1964، وكان يتكون من 18 حلقة، وهو قصة أحمد سعيد المذيع الشهير، ورئيس إذاعة صوت العرب، سيناريو كمال إسماعيل، حوار محمد علي ماهر، بطولة (الشاعر والأديب والمخرج نجيب سرور، عمر الحريري، زهرة العلا، زيزي مصطفى، زوزو نبيل، عبدالوارث عسر، حسن البارودي، عصمت عباس، السيد راضي، عدلي كاسب، شفيق نور الدين، عزيزة حلمي، عبدالسلام محمد) وغيرهم

هذا المسلسل لا يعرض إطلاقا، واختفي من التليفزيون المصري، لكنه ظهر كاملا وبصورة رائعة في إحدى القنوات العربية التى تبث التراث الفني القديم!، وتدور أحداثه حول الصراع في إحدى قرى الصعيد النائية، بين طبقة الإقطاع ممثلة في الباشا وعائلته ورجاله وبين طبقة العبيد ممثلة في الفلاحين الذين يتأهبون للانفجار تمهيدا للثورة.

وبين هؤلاء وأولئك يقف رجال البوليس، حكمدار المديرية، نائبه، ضباط المباحث الذين يعمل بعضهم في خدمة الباشا تنفيذا للأوامر، ويخرج البعض منهم عن طاعته، مساعدة منهم للفلاحين المساكين ولكن في تكتم شديد خوفا من افتضاح أمرهم لدى السلطة، ثم نرى أيضا مجموعة من الموظفين الحكوميين بأنماطهم المختلفة التى تترواح بين الإيجابية لنصرة الحق وبين السلبية المطلقة ضمانا للسلامة، أو الانتهازية المعلنة سعيا وراء مكسب شخصي حقير.

ويصل هذه الحلقات هو (حمد) – الذي جسده (نجيب سرور) – ابن الشيخ سعفان، وهو طالب أزهري عاد إلى قريته في إجازته السنوية ليعقد قرانه على (وطفة) – زيزى مصطفى – ولكنه يفاجأ بأنها اختفت، فقد اختطفتها عصابة الباشا ليعتدي عليها ابن الباشا وتعود البنت ذليلة كسيرة، وقد جن جنونها وتحكى لممرضة القرية مأساتها، وما إن تعلم العصابة أن الفتاة قد باحت بالسر حتى تقتلها، ثم تلفق القرائن لكي تتهم النيابة (حمد) بقتلها! وتتصاعد الأحداث.

مع أمينة رزق وفاخر فاخر في أحد الأعمال الإذاعية

حب الرئيس السادات

كان صلاح منصور رغم عشقه وإجادته لأدوار الشر، لكنه على النقيض تماما في حياته الطبيعية، فكان طيبا وراقيا وودودا وعلى خلق، ومتصوفا، ويعشق الشيخ مصطفى إسماعيل، وكان جميع العاملين في الوسط الفني يحبون كواليس العمل معه، كما كان نجما مفضلا عند الرئيس (محمد أنور السادات)، ويذكر الدكتور مصطفى الفقي في مقال له عن ذكرياته مع هذا الأسطورة هذا الموقف فيقول: (كانت تربط الفنان صلاح منصور صلة طيبة بالرئيس الراحل أنور السادات، وأتذكر بعد ذلك أنه فى أول زيارة للرئيس المصرى الجديد إلى لندن احتشد أبناء الجاليتين المصرية والعربية للتعرف على ملامح شخصية الرئيس السادات وتوجهاته السياسية.

وعند قرب انتهاء الحديث وقف صلاح منصور وقال له: أريد مدًا لفترة علاج ابنى فى لندن فأومأ الرئيس السادات برأسه موافقًا وقال له: يمكنك أن ترى السيد فوزى عبدالحافظ سكرتيرى بعد نهاية اللقاء، فرد صلاح منصور قائلًا: ومن قال إن هناك من يرد على مواطن بعد تحرك الرئيس من زيارته، لن يقابلنى أحد إذا انتهى الاجتماع وغادرته ياسيدى الرئيس دون أن توقع لى قرارًا لمد العلاج، وضجت القاعة بالضحك ونادى الرئيس على الفور سكرتيره ووقع على ورقة بالمضمون الذى يريده الفنان القدير الذى كان يحبه السادات ويحترمه، فهو العملاق الفنى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.