رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

دراما رائعة تتفوق على مسلسلات رمضان في موسمي (الخريف والشتاء)

كتب : محمد حبوشة

لقد بات لمفهوم الدراما دور محورى فى حياتنا المعاصرة وسياقاتها الثقافية المجتمعية، حيث يعتبرها أغلب علماء علم الاجتماع المعرفى (ظاهرة من ظواهر التاريخ الأدبى، ووثيقة من وثائق التاريخ الإنسانى)، وفى هذه المناسبة يقول أرسطو فى كتاب الشعر: (إن التاريخ يكتب الأحداث كما وقعت، لكن الدراما تكتب الأحداث كما كان ينبغى أن تقع)، ومنذ ذلك الوقت لم يتوقف البحث فى العلاقة بين التاريخ والدراما، حتى أصبح المؤرخون وكتاب الدراما لا يرون فروقا تذكر بينهما الآن.

ومع تجسد الأحداث اليومية أصبحت الدراما تشكل النواة الأساسية للتاريخ الإنسانى الحديث، حتى أصبح السرد التليفزيونى هو البديل المثالى لتسجيل حركة التاريخ القادمة من رحم تلك الأحداث، جراء تطور صناعة الفعل الدرامى وانعاكساته الواضحة على الحياة العربية فى ظل الثورات المشوبة بالتمرد والعصيان بفعل توفر حرية التعبير على مواقع التواصل الاجتماعى التى حولت حياة الإنسان من حياة افتراضية إلى حياة فعلية بفضل التكنولوجيا الحديثة.

ومن أجل ذلك فقد تطورت صناعة الدراما فى مصر مؤخرا، كما لاحظت عن قرب من خلال موسم الدراما الشتوية الحالية، فى شقها الاجتماعى المثير، بعد أن أثبتت جدارتها ومنافستها لمسلسلات رمضان، وذلك منذ أن بدأت موسمي (الخريف والشتاء) مع بداية أكتوبر الماضي، وذلك بالخروج عن السرب والتغريد بعيدا، وذلك من خلال قضايا اجتماعية بطابع (رومانسى خفيف – نوستالجيا – الأكشن، الرعب، الساسبنس)، وهى في غالبها غاية فى الروعة، ومن ثم فقد أصبح لدينا أعمال درامية جديدة على كافة الفضائيات تناسب أجواء المشاهدين المصرين المتطلعين للتسلية والترفيه فى جو من الأمان فى غالب الأحبان.

وقد لاحظت أن موضوعات هذا الموسم غير تقليدية للجمهور، وذلك ما تحتاجه صناعة الدراما فى مصر منذ فترة، فكلما كان موضوع المسلسل مختلفا وغير نمطى أو مكرر كان جذابا للجمهور بصورة كبيرة، فليس من الجيد أبدا أن نرى نفس الموضوعات التى أصبحت محصورة بين (الأكشن والكوميديا فقط) فى أغلب الأعمال الدرامية، وأيضا كلما كان المسلسل يناقش قضايا اجتماعية مختلفة تهم الجمهور حتى لو كانت بشكل وقالب كوميدى فذلك سيكون أفضل من تقديم عملا فنيا يحمل موضوعا مكررا تم تقديمه سابقا فى أكثر من عمل سينمائى أو درامى.

ولعله يبدو لى ملحوظا ميزة مهمة جدا توفرت فى صناعة تلك الأعمال أن هناك جهود إنتاجية مشتركة بين عدة شركات مختلفة، وهو الأمر الذى انعكس إيجابيا لحساب الجودة فى الشكل والمضمون، وربما هذا التطور النوعى قد أدى بالضرورة إلى تحسين صورة المنتج الدرامى المصرى خلال هذين الموسمين، وأظنه سيتجلى أكثر وأكثر فى موسم رمضان 2023، خاصة أن المنتجين يحرصون فى السنوات الأخيرة، على تقديم أعمال درامية، متميزة، خارج إطار الشهر المبارك، إيمانا منهم بحق المشاهد فى متابعة مسلسلات جديدة على مدار العام، فضلا عن الابتعاد عن الزخم الدرامى فى الشهر الكريم، وتعرض بعض الأعمال للظلم، كونها لم تلق فرصة الانتشار.

مكاسب كثيرة يحققها موسمي دراما (الخريف والشتاء) هذا العام، أهمها أنه كشف لنا عن جوانب مهمة فى موهبة النجوم: (صبري عبد المنعم، محسن محيي الدين، خالد الصاوي، صابرين، شريف منير، صلاح عبد الله فتحي عبد الوهاب، داليا مصطفى، خالد النبوى، سليمان عيد، ندى بسيوني، محمد فراج، طارق عبد العزيز، ريم مصطفى، ريهام عبد الغفور، عائشة بن أحمد، ، محمد مهران)، كما أنه فى الوقت ذاته سلط أضواء كاشفة على شباب قادمون على طريق النجومية بجدارة مثل (محمد مهران، محمد على رزق، أحمد جمال سعيد، هاجر الشرنوبى، مها نصار، سمر علام، دنيا ماهر، نور إيهاب، ريهام الشنواني) والذين جميعا يتمتعون بقدرة فائقة على تجسيد الشخصية التى يلعبون أدوارها ببراعة طوال الأحداث.

دوبامين

انتهى موسم الخريف بمسلسل (دوبامين)، تلك النوعية من الدراما التي تجنح نحو حافة الجنون، من خلال تهويمات غريبة وعجيبة تندرج تحت مسمى (دراما واقعية)، ترصد قصصا من الحياة هى في الواقع غير منطقية على مستوى الشكل والمضمون، فمن حيث الشكل يذهب مولفه بخيال مشوش نحو عوالم السوشيال ميديا في محاولة لرصد واقع مزيف باستخدام تقنيات تؤدي بالمشاهد إلى التشويش بأداء يقترب من (الربوت) الذي يتحرك من خلاله الأشخاص بتعليمات من يتحكم فيهم، وهو ما لاحظته طوال مشاهدتي لحلقات غارقة في السلبية ولا تمت للواقع بصلة سوى أداء يبدو جيدا لممثلين مالوا نحو استخدام ألعاب ساذجة كأنهم يلعبون أدوارا على مسرح للعرائس.

طير بينا يا قلبي

ولحق به مسلسل (طير بينا ياقلبي) الذي أثبت أن للدراما دور مهم في التوعية والتنوير، ولذا يصبح المسلسل التلفزيوني جزءا مهما في حياتنا، خاصة عندما يحكي لنا عن تاريخنا الماضي والحاضر بأسلوب مشوق يعيد لنا الثقة في الآباء الذين صنعوا مجدا تليدا على ضفاف النيل منذ فجر التاريخ وحتي اليوم، صحيح أن مسلسل (طير بينا يا قلبي) تعرض لقضية المدراس الخاصة والدولية، والتي تم معالجتها من قبل، لكنه عالج القضية بوعى أكبر وأشمل وضمنه رسائل إيجابية عن دور الآباء والأمهات في التربية ومساندة المدرسة في دورها التربوي والتعليمي، وقدم لوحات اجتماعية بشكل كوميدي لطيف بأداء مغاير للنجمة (ريم مصطفي) التي أظهرت نضوجا مختلفا عن دورها في (دوبامين) وأدوارها الأخرى، فقد جاءت هذه المرة خفيفة الظل وتحمل طاقة إيجابية تحيل أصعب المشاهد إلى واحة رحبة من الكوميديا اللذيذة.

أعمل ايه؟

وفي نهاية موسم الخريف وبداية موسم الشتاء يأتي مسلسل (أعمل ايه) ليؤكد على الموضوع الاجتماعي في إطار كوميدي خفيف، ويركز على مفاهيم التماسك الأسري رغم المشكلات والمطبات التي تواجه الأب (عبد الله الفولاني/ خالد الصاوي)، وزوجته (إيناس/ صابرين) في رحلة الحياة التي تدور في فلك الشر والضغينة التي صدعت جدران البيت الذي يحوي بداخله أسرة كبيرة مكونة من (الأب والأم و4 بنات، والجدة، والأخت) في تناغم تلقائي غير مقصود، بقدر ما يبعث رسائل مهمة للغاية تحرض على التماسك الأسري مهما كانت الظروف والأنواء التي تحاصر هذا البيت القائم على الأفة والتراحم، وهو ما نفتقده في كثير من مسلسلات هذا الزمان، والجميل أن كل تلك المفاهيم جاءت بحس كوميدي خفيف يحد من التوتر والعصبية التي كان لها وجودا مكثفا جراء تلك الحياة المشحونة بالغضب.

الضاحك الباكي

أما موسم الشتاء فقد دشنه مسلسل (الضاحك الباكي) والحقيقة أن المشاهد لم يبدي أي نوع من التعاطف مع هذا المسلسل من أول حلقة لأنه متخم بالأخطاء سواء على مستوى السيناريو المهلهل الذي لايرقى لمستوى شخصية الريحاني المرحة والمليئة بالسخرية الممزوجة بالفلسفة، وفضلاعن الأخطاء التاريخية القاتلة في عرض حوداث أو أغان في غير موضعها، ناهيك عن ارتباك واضح منذ البداية في أداء (عمرو عبد الجليل) الذي ظل طوال الوقت يلعب على الإفيه ولم يركز على تجسيد حقيقي للريحاني، وأيضا الفنانة الكبيرة (فردوس عبد الحميد) التي تبدو لي وللمشاهدين أنها نسيت التمثيل، علاوة على عدم لياقتها لدور الأم التي تكبرها بأربعين في إصرار متعمد من زوجها المخرج الكبير(محمد فاضل) الذي دق مسمارا في نعش المسلسل جراء هذا الاختيار السيء، سواء لفردوس وعمرو أو باقي فريق العمل الذي يغرد خارج السرب.

المتهمة

ويأتي بنفس السوء مسلسل (المتهمة) فعلى الرغم من  تميز الأداء فيه لكل من (على الطيب، عادل كرم، محمد دياب، رشدي الشامي، مها نصار، محمد عبد العظيم، محمود غريب)، لكنه أكد في الوقت ذاته على أن الفنانة (درة) تخاصم التمثيل تماما، ومع احترامي لكل من أشاد بأدائها في هذا المسلسل، إلا أنني أراها باردة خالية الإحساس، فملامح وجهها لم تتغير مع تطور الأحداث على الإطلاق، مع أن الشخصية تحمل أبعادا كثيرة وعديد من المررات والأزمات التي تدفع إلى التنوع في الأداء، ومن ثم فإنني أعجب حقا من منحها كل تلك الفرص التي تنقلها من فشل لآخر، وكأن هناك من يفرضها بالقوة على الدراما والسينما المصرية لسر لا يعلمه إلا الله.

بيت فرح

ولأن (فتحي عبد الوهاب) ممثل من الطراز الرفيع في أداء السهل الممتع فقد جاء مسلسله (بيت فرح) كأروع أعمال هذا الموسم، فعلي الرغم من أن الأحداث في غالبها تدور داخل عمارة سكنية، إلا أنه عزف على المشاعر الداخلية لشخصيات من لحم ودم تسكن عقارا قديما، لكن تربطهم جميعا المودة والرحمة وإن بدت (الدكتورة عالية/ داليا مصطفي) حادة الطبع ومثيرة للمشاكل مع أستاذ اللغة العربية (فرح/ فتحي عبد الوهاب)، لكن مع تطور الأحداث بدأت الرسائل في التدفق لتؤكد على الجيرة التي افتقدناها أو ربما نسيناها في زحمة الفضائيات والموبايل والسوشيال ميديا التي تطاردنا أينما ذهبنا، ولعل المشاهد شعر مثلي بتلك الأحاسيس الفطرية المتدفقة في رومانسية آسرة من جانب (فرح) الذي ظل وفيا لزوجتها التي تركته وغادرت الدنيا، لكنها تأتيه في أحلام اليقظة لتؤكد له على إنسانيته.

إيجار قديم

وفي ذات السياق الإجتماعي فائق الجودة يأتي مسلسل (إيجار قديم) ليغرد مع (بيت فرج) على أوتار الشجن المحبب من خلال علاقة الجيران ببعضهم البعض، ولعل أبرز أوجه التناغم بين (شريف منير، وصلاح عبد الله) تبدو واضحة في أحداث تتسم بالتركيز على القيم والأخلاق، ولو أن لي ملاحظة أن عنوان المسلسل (إيجار قديم) كان يوحي لى في البداية بأنه سوف يتعرض لقضية (علاقة المالك بالمستأجر) بوجهيها، وليس انحيازا للمالك والإيحاء للمشاهد بأن (المستأجر) هو الكابوس الذي يجثم على أنفاس المالك المسكين، مع أن هناك قصص لافتراء المالك على المستأجر يندى لها الجبين ويشيب لها الطفل الوليد من فرط مأساويتها، فالمفروض أن المسلسل يتعرض لمشكلة مزمنة تحتاج لحل يرضى الطرفين وليس عرضا لمأساة طرف واحد هو المالك فقط.

النزوة

ويبقى من المعروض في موسم الشتاء مسلسلات التي لم تتبلور ملامحها حتى الآن مثل مسلسلات ( النزوة، الغرفة 207، اتزان)، والتي يجنح بعضها إلى الرعب والسيكودراما، بينما الباقي يميلون نحو الكوميديا والخيانات الزوجية ومشاكل الميراث، وغيرها من موضوعات تأتي في ترتيب الجودة في المرتبة الثانية، ولو أنها تميل نحو الإثارة والتشويق في أحداث تتسم بسرعة الإيقاع والتراجيدي والإنساني، لكن يصعب الحكم عليها بشكل نهائي إلا بعد انتهاء حلقاتها.

والسؤال: أليس بإمكان قوة مصر الناعمة أن تقدم أعمالا فنية على قدر كبير من المتعة كما كان من قبل؟

نعم ومن المؤكد أننا إذا ما تأملنا واقعنا وتاريخنا سنجد العديد من الطرق

اتزان

يمكننا السير فيها، فلا يشترط أن نقدم عملا فانتازيا خياليً، أو ليكن ذلك، لا يهم، الأهم هو أن نستغل ما لدينا من إمكانات على مستوى الإنتاج الجيد، خاصة أن لدينا الآن أجيالا جديدة على قدر من الاحترافية فى العمل على مستوى التمثيل والإخراج، فضلا عن كتاب سيناريو على درجة عالية من الوعى الذى يمكنهم من فهم طبيعة الجمهور وتقديم أعمال جيدة تتفق مع السياق العام للمجتمع، وتلعب أدورا مهمة فى التوعية والتنوير التى من شأنها أن تؤدى إلى تطور الأمة المصرية فى تلك اللحظة الراهنة، بل وتملك القدرة على استعادة بريقها الذى كان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.