رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

مين قال .. روعة جمال سليمان في الدراما الاجتماعية الهادفة

كتب : محمد حبوشة

لم يكذب سقراط يوما حين قال إن (الدرما محاكاة لفعل إنسان)، وأيضا لم يكذب غيره حين من أن (الفن هو انعكاس للمجتمع)، لأنه يخدم قضايا المجتمع بالأساس، فمعروف أن الفنون الدرامية من أكثر الأنشطة الإنسانية التى تلفت انتباه متلقيها وتبهره، مما يجعل القائمين عليها من مخرجين ومنتجين وممثلين وغيرهم يتحملون مسئولية تنوير المجتمع وتوعيته بالقضايا والمشكلات التى تواجهه، خاصة فى ظل أن هناك من المشاهد الاجتماعية غير المقبولة والتى تعكس صورة مشوهة عن المجتمعات، مثل مشاهد ضرب المرأة واستخدام وسائل العنف ضدها فى أكثر من عمل، يسهم فى إقناع المجتمع بأنه مضطهد لها باستمرار، وهذا يخالف الواقع الحقيقى، ويبدو ملحوظا أن الأحزان والنكد مصابة بهما غالبية أعمالنا بالرغم من أن السعادة وجه جميل فى حياتنا ومجتمعنا، وتلك هى القيم الجميلة التى نحن أحوج إليها فى هذه الظروف التى تحيط أمتنا ومجتمعاتنا.

ولأن الأسرة تعد هى النواة الأساسية فى بناء المجتمع؛ فعليها يعول تقدم هذه المجتمعات وتخلفها، فالأسرة السوية التى قوامها الحب والتفاهم والاحترام؛ مصدر خصب لنشء صالح يسهم فى تنمية المجتمع وتطوره، وقيادة مستقبله نحو الأمن الشامل والاستقرار والطمأنينة والرخاء، وعلى الرغم من أهمية هذا الدور؛ إلا أنه فى بعض الأحيان قد يحدث خللا بين أفرادها يعوق مسيرته ويعمل على تفكك منظومتها وانهيارها، وهو ما ينعكس سلبا على الصحة النفسية والجسدية لأفرادها ويكون سببا للعزلة والانطواء عن المجتمع، وجدير بالذكر أن مواقع التواصل الاجتماعى تعد أحد أهم الأسباب التى أحدثت خللا فى العلاقات الأسرية؛ من منطلق دورها الرائد فى حياة الفرد اليومية.

حوار جدلي يؤدي للصدام بين أفكار الأب وابنه

ومن ضمن الأعمال الاجتماعية الهادفة في موسم رمضان 2022 التي تخاطب الأسرة بلغة راقية مسلسل (مين قال)، والذي عول على أن الدراما من الأدوات المؤثرة في مخاطبة العقل والوعي والوجدان لكونها تتسلل للمشاهد بشكل غير مباشر وبالتالي تسهم في التنشأة وتكوين السلوكيات والإخلاقيات وتعزيز القيم إلى جانب كثير من الأمور التي تقوم بها الدراما وتؤثر بشكل غير مباشر في تكوين الشخصية المصرية،  ولعل نجاح هذه التجربة يرجع بالأساس إلى أداء ناعم من جانب النجم الكبير والعملاق (جمال سليمان) الذي يحرص طوال مشواره على تقديم أعمال فنية تحتوي على التميز والتفرد، وتتناول مواضيع تهم الشارع العربي، سواء أكانت اجتماعية أو تاريخية أو تراجيدية، وها هو يحضر خلال شهر رمضان الكريم في الدراما المصرية للعام الثاني على التوالي، بعدما قدم العام الماضي في مسلسل (الطاووس) واحدا من أدواره اللافتة التي حققت نجاحا كبيرا على المستويين الجماهيري والنقدي، وهى لشخصية محامي مخضرم يدعى (كمال الأسطول) مهتم بقضايا التعويضات، وتضطره الظروف ليحقق في إحدى القضايا التي تقلب حياته رأساعلى عقب.

حضور سليمان هذا العام يأتي من خلال مسلسل يتكون من 15 حلقة فقط، ويحمل عنوان (مين قال؟)، وهو عبارة عن قطعة من الحياة التي يعيشها الشعب العربي، ويركز على فكرة صراع الأجيال من خلال إعادة قراءة علاقة جيل الأبناء بجيل الآباء، والتي تقوم غالبا على ما يشبه علاقة القط والفأر، ويزيد من التناقض الكبير في هذه العلاقة الثورة التكنولوجية الكبيرة التي يعيشها جيل الأبناء طوال الوقت، والذين يصطدمون بما يسمونه النظرات التقليدية والسلطة المطلقة لجيل الآباء الذين يرون أنهم أوصياء على أبنائهم في كل أمورهم، وفي مقدمتها اختيار هواياتهم ونوع دراساتهم بعد الثانوية العامة، بداعي أنهم يعرفون أكثر، ولهذا لمس المسلسل بصدق وموضوعية العلاقة المتوترة بين أحلام الآباء والأبناء، فضلا عن تطرقها إلى قضية التنمر التي تعاني منها (زينة) من متابعيها فتكتئب وتنعزل إلى أن تأتي صديقاتها ويتحدثوا معها حول مقاييس الجمال واختلافها فتخرج لايف لمتابعيها وتخبرهم بذلك لتواجه تنمرها.

جيل مختلف في فهمه لأساليب الحياة

بساطة فكرة المسلسل وأهميتها في الوقت نفسه، وصراع الأبناء والآباء حول مفاهيم كثيرة، في مقدمتها ما يتعلق بمقاييس النجاح، حيث إن الأجيال السابقة كانت تعرف طريق النجاح من خلال الدراسة والتفوق في الجامعة، ولكن في السنوات العشر الأخيرة تبدلت مفاهيم النجاح من خلال الإنترنت وقصص نجاح لأشخاص كانوا فاشلين دراسيا، ولكنهم نجحوا مهنيا، ومن خلال شخصية أب تقليدي يحب عائلته، ويحاول العمل ليل نهار ليؤمن أحوال ابنه الذي يرفض دراسة الهندسة نزولا على رغبة والده، لرغبته في عمل مشروع خاص بصناعة مقاعد من الورق، وحول هذا التباين بين الأجيال درات الأحداث التي تتسم بواقعية اجتماعية وإنسانية من الدرجة الأولى، يطرح المسلسل موضوعا يعيشه كل بيت في مصر وفي وطننا العربي، ورغم ذلك لم يلجأ لتقديم مواعظ، لكنه يكشف عن السلوكيات الخاطئة والسليمة، ويطرح المشكلة، ليفهم جيل الشباب أن الدافع وراء إصرار الأب على أن يسلك اتجاها معينا ليس سببه التسلط، أو الاستبداد، لكن في ذات الوقت يجب أن يدرك الآباء أن الدنيا تغيرت، وعبر حوارات عديدة كاشفة دارت بينه وبين نجله محمد، أصبج المسلسل محط اهتمام واسع، لأن كثيرا من الحوارات عاشها الأبطال فى الحقيقة.

ظني أن السيناريو كان أهم عنصر فى بطولة (مين قال) لمريم ناعوم، فهو متماسك، شيق وجميل، شخصياته حقيقية جدا، فيه مساحة صدق كبيرة، بعيدا عن الحركات (البهلوانية المصطنعة) المتعلقة بالتشويق الغريبة على مجتمعنا، ومن هنا جاء المسلسل بلون اجتماعى إنسانى من الدرجة الأولى وواقعى، يطرح موضوعا يعيشه كل بيت عربى فى وقتنا الحالى، هذا التباين الهائل بين الأجيال فى تقييم كل الأشياء، بدءا من السلوكيات المقبولة والخاطئة، انتهاء بنظرتهم للمستقبل ومقاييس النجاح، وكيف يكون الشاب جاهزا للمستقبل، ومقاييس الآباء من جيلى وحتى الأصغر منى مختلفة تماما عن مقاييس أبنائنا، لأن عالم الإنترنت والمهن الجديدة التى ظهرت فى عالم المعلومات غيرت الكثير من المفاهيم، وأصبحت طرق النجاح التقليدية وارتباطها بالشهادة الجامعية والدراسة وإلى آخره مفاهيم قديمة وبالية، ووظائف مثل (اليوتيوبر والبلوجر والإنفلونس) ليس لديه شهادة جامعية أو مؤهل علمى، لكنه لديه متابعون كثر ودخل كبير بملايين الدولارات، بحيث أصبح مؤثرا للغاية.

أحمد داش أثبت تفوقا ملحوظا في دور الإبن المتمرد

لقد أثبت (مين قال) بلغة بسيطة تبعد تماما عن التنظير بأننا نعيش عالما جديدا، ونجد نجوما جددا بطرق غير تقليدية، سواء على مستوى بلده أو فى العالم، فقد بات الشاب لا يهتم بالشهادة ما إذا كانت فى الطب أو القانون أو الهندسة أو التاريخ والفيزياء، حتى أن فكرة الصح والخطأ أصبحت متناقضة، تلك هى القضايا التى يتناولها العمل فى إطار اجتماعى إنسانى، من خلالحوار سلس جدا وشعرنا كمشاهدين بأن الحوار بين جلال وزوجته وأبنائه قريبون جدا منا، فجلال هو أب محب جدا لأولاده، محترم، درس الكيمياء، يعمل فى مصنع للأدوية، متفان من أجل عائلته، لديه تصور لطرق سعادة ومستقبل أولاده، لكنه يصطدم بابنه وأفكاره، يحلم باليوم الذى يتخرج فيه نجله فى كلية الهندسة، ونجله يريد أن يكون فى مكان آخر ووظيفه لا يتفهمها أو يستوعبها، وهذا الصدام يجعل الابن فى بعض الأحيان يخرج عن طوع والده.

وعلى الرغم من الرسائل الإيجابية في المسلسل يبقى أجمل مافي هذا العمل أنه لا يقدم مواعظ، لكنه يكشف عن السلوكيات الخاطئة والسليمة، يطرح المشكلة، لكن من وجهة أب يبدو استبدايا ومتسلطا في قرارته، وهو ما يقودنا لفهم بعضنا البعض بشكل أكبر، وأن يفهم جيل الشباب أن الدافع وراء إصرار الأب على أن يسلك اتجاها معينا ليس سببه التسلط، أو الاستبداد، ولكنه يرى أن مصلحة ابنه فى هذا الطريق، وفى نفس الوقت ينبهنا المسلسل إلى أنه يجب أن يدرك الآباء أن الدنيا تغيرت وهو ما صاحبه تأثير على أولادنا، وضرورى أن نستمع لهم، ويجوز أن تكون رؤيتهم هى السليمة.

أميرة أديب .. موهبة قادرة على إثبات وجودها

حظي مسلسل (مين قال) من خلال 15 حلقة فقط بمشاهدة  قطاع عريض من المجتمع بمختلف الأعمار والثقافات والمستويات الاجتماعية والاهتمامات، واحتل (الترند) على شاهد حتى نهاية حلقاته جراء وجود انسجام كبير جدا بين المشاركين فيها، فضلا عن التطور المنطقى للشخصيات و الهارمونى، ومن ثم تحقق الثراء الدرامى للعمل، ويعود الفضل في ذلك بالتأكيد إلى (نادين خان) كمخرجة متمكنة، باختصار لأنه (عارفة هى عاوزه إيه)، مذاكرة الشخصيات جدا، تمتلك مخزونا اجتماعيا هائلا، حينما تريد من الممثل أن يدخل فى حالة معينة لديها شواهد من الحياة تساعده على ذلك، وفوق كل ذلك هى (شايفة المجتمع والناس كويس)، وتدرك الفوارق بينهم، لذا ساد بالطمأنينة الشديدة لدى فرق العمل فى التعاون معها.

وتبدو لي براعة (نادين خان في مسلسل (مين قال) في قيادة فريق العمل الذي يتكون من مجموعة كبيرة من الوجوه الشابه منهم (أحمد داش، وديانا هشام، إلهام صفي الدين، أميرة أديب، أما الفنان الشاب أحمد داش)، والأخير استطاع   لفت نظر الجمهور له خلال السنوات الأخيرة من خلال تجسيد أدوار متنوعة ومختلفة  وهو من الوجوه الشابة التى راهنت (خان) لتحمل لقب (الحصان الأسود) في كعكة رمضان 2022، طبعا إلى جانب العملاق (جمال سليمان) الذي جسد مشاعر الأب بحرفية شديدة ليثبت قدراته الخاصة في الأداء الدرامي المبهر حقا، الأمر الذي جعل الجمهور ينتظر أعماله بعدما ترك بصمه كبيرة لدى المشاهد المصرى والعربى من خلال تجسيده أدوار جديدة ومتنوعة.

 الحقيقة أن اسم (مين قال) مقصود به (مين قال الحقيقة)، وما هو المستقبل وما هي مقاييس النجاح في هذه الأيام، لأن المسلسل يتحدث عن صراع فكرتين أو رؤى بين الأب وابنه حول طريق النجاح والمستقبل، وكما يعرف الجميع أن هناك اختلافا كبيرا في وجهات النظر بين الأجيال بسبب تأثير الميديا والانترنت، وظهور مهن جديدة وهو ما أدى بالتبعية إلى ظهور قيم جديدة وأيضا مقاييس جديدة للنجاح والفشل، كما أن حداثة الموضوع تمس كل عائلة، فالمسلسل يطرح مشكلة موجودة في معظم البيوت، ويستعرض أيضا الفجوة الكبيرة في المفاهيم بين الأجيال، وهو ما يخلق مشكلات بين الآباء والأبناء، لذا فإن العمل يدور حول مفهوم الصح والخطأ وما هي مقاييس النجاح وأشياء أخرى كثيرة استعرضتها حلقات المسلسل الذي ينتمي للدراما الاجتماعية فائقة الجودة من حيث الشكل والمضمون.. تحية تقدير واحترام لصناع هذا العمل وعلى رأسهم القدير جمال سليمان في فتنته الأسرة على جناح فن الأداء الصعب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.