رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

المراهقون العرب في مرمى دراما الجنس والعنف والقتل !

نيتفلكس وضعت المرهقين العرب نصب أعينها

كتب : محمد حبوشة

إن الدراما أحد أهم أشكال الإنتاج التى يتابعها جميع الفئات داخل المجتمع، ولخطورة تأثير الدراما، حذر العديد من الباحثين من الأفكار والقيم التى يتم تقديمها لها، وإذا كان ذلك الحال فى الدراما المحلية فإن الأعمال الدرامية المستوردة من الخطورة بمكان عبر  قيمها الدخيلة على مجتمعنا المصرى والعربي، بما تحمله من تهديدات كبيرة، لأنها تنتج وفق قيم وأخلاقيات المجتمع الذى جاءت منه، وأصبحت تلك المسلسلات تحاصر المشاهد وتلح عليه بأفكار قد تكون مقبولة فى مجتمع المنشأ، ولكنها حتما تتنافى تماما مع واقعنا العربي بقيم وسلوكيات تخاصم قيمنا ومعتقداتنا، كما أن عناصر الإبهار والجذب والتشويق المستخدمة فى إنتاج هذه المسلسلات تزيد من تأثيرها على جمهور المشاهدين، خاصة ونحن نتحدث عـن فئة المراهقـين الذين يعيشون مرحلة من الصراع النفسى نتيجة التغيرات التي تطرأ عليهم فى تلك المرحلة العمرية من حياتهم.

وعلى الرغم من كثافة الإنتاج الدرامي العربي وتعدد مجالاته وأنواعه، مازالت دراما المراهقين تمثل بقعة مظلمة أو منطقة نائية عن الأعمال الدرامية العربية، مع وجود محاولات حديثة للتطرق لهذا الموضوع ولكنها مازالت محدودة، وهنالك بالطبع أسباب عدة تقف وراء ابتعاد الدراما العربية عن المراهقين ومشكلاتهم، من أهمها الرغبة في (اللعب في المضمون) إذ يفضل عدد كبير من المنتجين ركوب موجة النجاح التي يمكن أن يحققها عمل معين، ومن ثم تقليده وتقديم أعمال مماثلة، ولذلك نجد أن لدينا في الدراما التلفزيونية والسينمائية أيضاً (موجات أو هوجات) متتالية، مثل موجة أعمال المخدرات، وموجة مسلسلات القتل الانتقام، ومن قبل كانت موجة الأعمال الصعيدية أو البدوية، أو العشوائيات، أو حتى موجة (سيت كوم) والأعمال الكوميدية.

Skins .. أكثر التجارب مشهادة هيستريا

ولأنه إلى الآن لم يظهر مسلسل عربي (خارق) عن المراهقين وقضاياهم، لم نر بعد موجة أعمال المراهقين، ومن هنا نجد سببا آخر من أسباب قلة هذه الأعمال هو سيطرة النجوم على الأعمال الدرامية المهمة، وهو ما يعززه أيضاً رغبة المنتجين، فالمنتج العربي يميل إلى الاستعانة بنجم كبير (يشيل العمل) كما يقولون لضمان نجاحه، وبالتالي يحجم عن تقديم عمل يعتمد على ممثلين جدد دون نجم يتم تفصيل العمل على مقاسه، نجد أيضا أن هناك حالة من عدم الوضوح لدى بعض كتاب الدراما بين مرحلتي المراهقة والشباب، فيصنف البعض الأعمال التي تتناول حياة طلبة الجامعة باعتبارها تعالج مشكلات المراهقة، رغم أن هناك فرقا بينهما.

لكن المشكلة الأكبر التي بدأت تظهر حاليا مع (تجرؤ) بعض صناع الدراما واتجاههم لتقديم أعمال تصنف على أنها عن مرحلة المراهقة، مثل مسلسلات (أيام الدراسة، بنات ثانوي، الجامعة، شيفون) وغيرها من أعمال عرضت على منصة نيتفلكس مثل (مدرسة الروابي للبنات، وجن) وغيرها على شاهد مثل (خارج السيطرة) ذات الحلقة الواحدة، وبصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذه الأعمال، تمثلت المشكلة في الهجوم الشرس الذي قوبلت به غالبية هذه الأعمال حتى قبل أن تعرض من وسائل إعلام أو شخصيات عامة، متهمة إياها بالإساءة إلى المجتمع، وتقديم صورة غير واقعية عنه من خلال التركيز على عيوبه وممارسات بعض المراهقين التي لا تشكل ظاهرة.

وهى اتهامات يمكن قبولها في بعض الأعمال التي تحمل مبالغة فعلية في شخصياتها وأحداثها (مدرسة الروابي للبنات) نموذجا، ولكن من الصعب القبول بأن تتحول هذه الاتهامات إلى (سكين) مسلط على رقبة كل من يحاول أن يناقش قضية ترتبط بهذا العمر الخطير، خصوصا أن الدراما لها دور كبير في دق أجراس الخطر عند ظهور وانتشار بعض السلوكيات في المجتمع، لذا كان على أصحاب الاتهامات الجاهزة التريث قليلا، وتقييم العمل الفني بموضوعية، ومن ناحية أخرى لابد أن يتحلى صناع الدراما بالذكاء الذي يمكنهم من لمس الجرح وتسليط الضوء عليه، دون ان يفقد العمل الفني جمالياته أو يتجه نحو المبالغة الممقوتة.

Trinkets دراما للمراهقين استمرت لمدة موسمين

ومما لاشك فيه أن كل مجتمع لابد أن يحمل بداخله الخير والشر، والسلوكيات السليمة وأيضا الخاطئة، فنحن لا نعيش في المدن الفاضلة، وليس هناك مكان على الأرض يخلو سكانه من العيوب والمشكلات، وإذا كانت القنوات الفضائية والمنصات الرقمية جعلت العالم كله يتابع الأعمال التي تقدم، فهذا لا يعني أن تنافس كل دولة في إظهار ما تتمتع به من مثالية خوفا من وصم مجتمعاتها بتدني الأخلاق أو الخروج عن العادات والتقاليد، من ناحية أخرى، تكرار الهجوم على الأعمال ذات الطابع الاجتماعي سيؤدي إلى انصراف صناع الدراما عن النقد الاجتماعي في أعمالهم، والأعمال الجادة بشكل عام، والاتجاه لتقديم أعمال سطحية أو تكرار موضوعات سبق أن تناولتها أعمال أخرى حتى لا يتعرضوا للهجوم وما يتبعه من منع عرض العمل أو انخفاض جماهيريته.

Special أو حياة ريان
Please Like Me دراما استنرالية لشاب مثلي
sex-education سلسلة الجنس على جناح الكوميديا

وفي ظل ابتعاد الأعمال الدرامية العربية عن المراهقين وعالمهم، يصبح البديل الوحيد أمام المراهق هو الأعمال الدرامية الأجنبية، التي تتروج للجنس وتشهد اقبالا كبيرا من المراهقين العرب، مثل (Skins أكثر التجارب مشاهدة هيستريا، Trinkets – دراما للمراهقين استمرت لمدة موسمين، sex education سلسلة .. الجنس على جناح الكوميديا،  Special أو حياة ريان، فضلا عن مسلسلات الجريمة والعنف مثل (Mindhunter، Ozark Peaky Blinders، The Sinner، وغيرها مثل (لعبة الحبار) الكوري، وهى جميعها تروج للقتل بطرق ذكية، ومن ثم وتحول أبطال هذه الأعمال إلى نجوم تملأ صورهم غرف أبنائنا، وتزين حقائبهم وأدواتهم المدرسية وملابسهم، والأمر لا يقتصر على هذه الأشياء فقط، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في السلوكيات التي تتضمنها هذه الأعمال والتي قد تتعارض بشكل كبير مع العادات العربية، وفي الوقت نفسه تجذب المراهق الذي يسعى إلى التمرد والتحرر من سلطة الكبار، خصوصا الأسرة، وأن يخوض تجارب مختلفة دون حساب ما يمكن أن تنتج عنها من خسائر أو مكاسب.

كشفت دراسة لمدرس الإعلام وثقافة الطفل بمعهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس، الدكتور زكريا إبراهيم الدسوقي، بالاشتراك مع رئيسة قسم دراسات الطفولة بكلية علوم الأسرة بجامعة طيبة السعودية، الدكتورة صفاء عطية عبدالدايم، بعنوان (علاقة مشاهدة المراهقين للدراما الأجنبية المقدمة بالقنوات الفضائية بمستوى الطموح لديهم)، أن المراهقين يفضلون الدراما الأجنبية ذات المضمون الاجتماعي بنسبة 69.5%، ثم دراما الخيال العلمي بنسبة تزيد على 64%، بينما احتلت الدراما السياسية المرتبة الثالثة بنسبة 40%، ولم يزد إقبال المراهقين على الدراما الرومانسية على 32%، وبعدها الدراما الكوميدية بنسبة 31%.

Sherlock
The Sinner

وأوصت الدراسة بضرورة انتقاء القائمين على استيراد الدراما الأجنبية والاهتمام بمضمونها، الذي يجب أن يتفق وظروف المجتمع العربي وثقافته وأساليب حياته، تفاديا للجانب السلبي لمشاهدة هذه الدراما، والذي يغلب عليها طابع الثراء والرفاهية العالية، والإمكانات التي تصدم المشاهد، مقارنة بالأوضاع في بعض الدول العربية، وكذلك ضرورة تقديم دراما عربية تنمي لدى المشاهد الطموح، وذلك من خلال الإخراج الجيد والمضمون الدرامي المناسب يمكنها أن تكون بديلاً ملائماً لتلك الدراما المستوردة.

صحيح أنه المسلسلات المدبلجة غيرت الكثير من أفكارنا، وقربت بين الشعوب، من حيث فهم العادات والتقاليد، وربما كانت المسلسلات التركية هى الأقرب للعالم العربي، لكن هناك مسلسلات أخرى بدأت تظهر على الساحة الدرامية بشكل واضح كالهندية والكورية، وقد لاحظت اهتمام المراهقين بالدراما الكورية في العديد من المنتديات والمواقع الإلكترونية، فعلى الرغم من قلة تواجدها على الشاشات العربية وظهورها على منصات مثل (نيتفلكس)، إلا أنها بدأت تشغل رؤوسهم بعاداتها من لباس وأسلوب حياة، وتعتقد الدكتورة سعاد زايد العريمي أستاذ التنمية والنوع الاجتماعي في جامعة الإمارات أن سبب إقبال الشباب على المسلسلات الكورية هو الانفتاح على الثقافة العالمية من خلال وسائل الاتصال المختلفة.

Peaky Blinders
Ozark

كما لاحظت أيضا أنه بات الشباب في المنتديات يتبارون في حفظ اسماء أبطال وعناوين المسلسلات والمغنين، وتقول الدكتورة العريمي، إن من بين أسباب هذا الإقبال الجرأة في طرح المواضيع والبحث عن (عناصر مفقودة) في الدراما العربية المحلية، وهي أمور يبحث عنها الشباب وليس الجودة فقط، وأصبح من الملاحظ انتشار الأزياء والاكسسوارات الخاصة بأبطال تلك المسلسلات بين المراهقين والمراهقات بشكل خاص، وبدأ الطلب عليها في الأسواق ينمو، ولم يقتصر هذا المد الكوري على المسلسلات فقط، بل طال الموسيقى أيضا حيث حطمت أغنية (جانجنام ستايل) قبل عشر سنوات للمطرب الكوري الجنوبي بارك جاي سانج، وشهرته ساي (PSY) كل الأرقام القياسية لتحوله من مطرب مغمور إلى نجم عالمي، فقد حقق الفيديو المصور للأغنية على موقع اليوتيوب لمقاطع الفيديو مايقرب من 4.5 مليار مشاهدة حتى الآن، وقد بات العالم مصابا بحمى الأغنية التي حققت أيضا رقما قياسيا في عدد الاستماع والتحميل عبر الانترنت.

وفي ظل اكتساح شبكة (نتفلكس) وغيرها من الشبكات الأخرى لإنتاج عدد ضخم من المسلسلات ظهر شكل جديد من إعادة التدوير وهو إعادة إنتاج مسلسلات دراما المراهقين التي انتشرت في بداية التسعينيات وحققت شعبية مهولة وارتبطت في ذهن الكثير من مراهقين وشباب تلك الفترة، حيث تضم المسلسلات في الغالب تصنيفات متنوعة داخل العمل الواحد كالفانتازيا ودراما العلاقات و المشاكل الشبابية وتستمر لعدد كبير من المواسم مما يشكل ارتباط مع المشاهد وتعلقه بالشخصيات، ولأن مرحلة المراهقة من أخطر وأهم المراحل التي يمر بها الإنسان، ويتطلب التعامل مع هذه المرحلة طبيعة خاصة نظرا لما يتسم به المراهق من العناد والتحدى والخيال، واختلاف احتياجاته عن مرحلة الطفولة السابقة ومرحلة الشباب التالية، وعليه فإنه ينبغي التركيز علــى دراما عربية تناسب شخصية المراهق وعدم تركه نهبا لنيتفلكس وغيرها.

Mindhunter

في دراسة حديثة للدكتورة داليا عثمان، المدرس بقسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة، تحت عنوان (تأثير مشاهدة المسلسلات المقدمة على منصة نيتفلكس على النسق القيمى للمراهقين) تبين أن منصة (نيتفلكس) قدمت الكثير من عوامل التحفيز لجذب عدد أكبر من المراهقـين لمشاهدة مسلسلاتها من خلال: تقديم قصص عن حياة المراهقين، وتقديم أجزاء كاملة من المسلسلات فى وقت واحد، وتجسيد الشخصيات من خلال ممثلين يتشابهون فى العمر والتعليم مع الجمهور المشاهد، بالإضافة إلى عدم وجود إعلانات، كل ذلك أدى إلى جذب عدد كبير من المراهقينن للمشاهدة، واتضح أن أكثر المسلسلات المقدمة عـبر (نيتفلكس) تقدم المحتوى الجنسى بشكل  كبير لا يتناسب مع المراحل العمرية التي تتابعه، فرغــم تصنيف العديد من المسلسلات على أنها مقدمة لفئة المراهقين، نجد المشاهد الجنسية بها كثيرة جدا، وتقدم فى سياق درامى جذاب يشد اهتمام المراهقين ويؤثر على قيمهم وما يتبنوه من أفكار فى تلك المرحلة الخطرة من نموهم، كأن يقدم المسلسل البطل فى مواقف إنسانية عديدة وبطولات متتالية ثم نكتشف أنه شاذ جنسيا، ويكون التصرف التلقائى هـو التعاطـف معه وتقبله وتقبل أفكاره.

كذلك قدمت مسلسلات (نيتفلكس) العنف والجريمة بشكل مبهر للمراهقين المشاهدين، وهو ما اتضح سلبا على كيفية تعلمهم القتل والهروب من الاتهام بذكاء، وهذا ما يعكس خطورة إدراك المراهقـين لواقعية المضمون المقدم فى مسلسلات نيتفلكس، لأن ذلك من شأنه زيادة احتمالات التقليد والمحاكاة من المراهقين للمواقف والتصرفات التي تقدمها تلك المسلسلات باعتبارها تماثل الواقع الفعلي، وأوضحت الدكتورة داليا عثمان في دراستها أن نسبة القيم الإيجابية المقدمة فى مسلسلات (نيتفلكس) قليلة جدا، بالمقارنة بنسبة القيم السلبية التي وللأسف وافق عليها أغلبية المراهقين عينة الدراسة فى إطار(الحرية الشخصية)، وتقبل الآخر كما هو دون انتقاد، رغم إقرارهم بعدم تبنى هذه القيم السلبية بشكل شخصى، إلا أن مجرد القبول يحوى ضمنا خطر المحاكاة فيما بعد مع تير الظروف، وتلك هى المعضلة التي نحن بصددها، ومن ثم علينا الانتباه إلي التصدي لتلك الدراما الأجنبية بإنتاج دراما عربية تخاطب خيال المراهقين بصدق وواقعية كي تنفذهم من براثن هذا الطوفان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.