رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

حسين نوح يكتب : سعاد حسني التي لن تتكرر

بقلم : حسين نوح

إنها سعاد حسني.. يا سادة.

لا أستطيع أن أتحدّث عن الإبداع، أو التمثيل والتقمُّص الواعي الذّكي، والغوص في أعماق الشخصية واستنباط أسرارها من بين سطور الكاتب إلا وأتذكّر نجمةً كبيرة عشقت التمثيل فكانت من أعظم الذين مارسوا تلك المهنة في التاريخ الفني للتمثيل المصري في أزهي مراحله.

وهنا أسجل أن تلك وجهة نظري من خلال شغف وسفر ومتابعة لكل مفردات الفن السابع ثم الظروف التي أتاحت تواجدي الدائم مع الكبار فنا وإبداعًا.

وأبدأ من كافيتيريا (سوق الحميدية) بباب اللوق في آواخر السبعينيات حتي منتصف الثمانينيات، وأذكّركم بأسماء بعض الحضور وأنا أجلس مستمعًا ومُتنقلًا من طاولةٍ لأخري.

عبد الرحمن الشرقاوي
زكي نجيب محمود

أتذكّر يوسف إدريس، وكنت قد قرأت له (بيت من لحم) وعبد الرحمن الشرقاوي، ومدكور ثابت، وزكي نجيب محمود، وعبد الرحيم منصور، وبليغ حمدي، وصلاح چاهين، وأمل دنقل، ورخا الرسام، وصلاح طاهر، وعبد  الرحمن الأبنودي، وسيد حجاب وشوقي، حجاب، وعبد الوهاب مطاوع، ووحيد عزت، والمنتصر بالله، وأحيانا كان يمرُّ نجيب محفوظ وبشكل متقطّع وسعاد حسني، ونبيلة السيد وكانت متزوجة من الملحن حسن نشأت ثم بعد الساعة الواحدة ليلا يأتي أبطال مسرحية (مدرسة المشاغبين)، بعد انتهاء العرض: عادل إمام، أحمد زكي، وحسن مصطفي، وسعيد صالح، ويونس شلبي، وبعض نجوم باقي المسارح مثل سمير غانم، ووحيد سيف، وعبد الرحمن عرنوس.

سيد حجاب

ويتواصل العصف الذهني وأنا جالس بين الجميع كقطعة إسفنج منبهرًا، ومستمتعا، ومقتنصا لكل الأحاديث في الفن، والسينما، ومنها فيلم (isadora) لفانسيا رديغريف، فأذهب لأشاهده ومرة لفيلم (midnight cowboy) لداستين هوفمان  وجون فويت – والد انجلينا جولي – ومرة أخري يتحدث أحدهم عن فيلم( z )  لجان لوي ترنتيان فأستمع لكل التحليلات وأستمتع.

وتمر السنوات… وأنطلق، وتأخذني الموسيقي، وينطلق محمد نوح ويعاني من التسجيل للآلات الحديثة مثل: الأورج، والجيتار بيز وليد والدرامز وبركشن  فيقرر إنشاء استديو صوت على أحدث ما وصل إليه العالم في ذلك الوقت، وكنت قد أنهيت كلية الفنون، وتوليت إدارة الاستديو وتعاملت مع معظم مبدعي مصر والوطن العربي من (عبد الوهاب ووردة، وفايزة أحمد، إلى سميرة سعيد، ولطيفة، وعمرو دياب، ومدحت صالح، ومحمد ثروت، وطلال مداح، ومحمد عبده).

وتمر الأيام ويقرّر نوح أن ندخل الإنتاج ويأتي بعربة سوني كاملة الصنع في لندن ومعها مولّد كهربائي صامت للتصوير الخارجي ونعمل بالإنتاج والتصوير ويكون أول عمل لنا مسلسل اسمه (ثمن الخوف) بطولة نور الشريف.

هذا النجم عندما تعاملت معه اكتشفت أنني أتعامل مع فنان من العيار الثقيل تمثيلا، وثقافة، ووعيا، واحتراما لعمله، فقد كان رحمه الله نجما بمعني الكلمة وكذلك كان جميل راتب، وأحمد توفيق.

محمد نوح

في تلك الفترة تعاملت مع معظم نجوم مصر ومبدعيها وحين تعاقدتْ السيدة فاتن حمامة على تصوير مسلسل (ضمير أبله حكمت) مع التليفزيون المصري طلبتْ أن تكون وحدة نوح (النهار) هي المسؤولة عن التصوير فاتصل بي الأستاذ ممدوح الليثي وتم تنفيذ العمل.

لم تتوقف أحلام محمد نوح فسافر إلى  الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة علوم الموسيقى واستدعى العظيم صلاح چاهين وخرجت (ليلي يا ليلي) للنور علي مسرح (جلال الشرقاوي) ثم توقفت – للأسف – بسبب النجم المذعور المعتقد أن مصر والكون والفن والفنانين يحاربونه.

ثم قرر نوح أن يصرف بقية ما يمتلك من مال علي حلمه الكبير (المسرح) فكلفني أن اأبحث عن مسرح، ووفقني الله ووجدت مسرح الكلية الحربية وكان باسم (قاعة يوسف السباعي) وتم تجهيزه بأحدث الأجهزة، وسافرتُ لندن وشاهدتُ أكثر من خمس مسرحيات موسيقية، وانبهرت وتأكد لي أننا متوقفون ولم نتجاوز مسرح الستينيات فكان لدينا  قليل من مسرحيات عظيمة وكثير من مسرح صيفي سطحي تحت مسمي كوميدي واستعراضي وأحيانا راقص.

وبدأنا بعرض مسرحية (سحلب) لليلي علوي وحسين فهمي، وفي الافتتاح حضر وبدون مبالغة معظم نجوم مصر في كل أفرع الثقافة والإبداع من الصحافة، والفن والأدب، وكبار رجال السياسة وفي مقدمتهم (ثروت عكاشة، وفؤاد سراج الدين، ووجيه أباظة، وأسامة الباز، وزكريا عزمي، والمستشار الجليل عبد المجيد محمود، وبلدياتي الدكتور مصطفي الفقي، وسمير سرحان، وعادل حمودة، وسمير خفاجة، وفاتن حمامة، وتحية كاريوكا، وفؤاد المهندس، وشويكار، وإسعاد يونس) وغيرهم.

أسطورة سينمائية لن تتكرر

وفي إحدي الليالي وأثناء عرض مسرحية (سحلب) وكنت أجلس في مكتبي وحيدًا بعد بداية الفصل الأول وفجأةً تدخل سيدة وتتقدّمُ نحو المكتب واقتربتْ وسألتْ عن سماح أنور، وجلستْ أمامي وأخرجتْ علبة (زبادي) وأخذتْ تأكل منها… فاستدعيت (عامل البوفيه) وطلبتُ لها شايا وبعد أن طلبته.. نظرت إليها لأعرف من تكون.. يا الله.. إنها هي أسطورة السينما المصرية (سعاد حسني)، إنها هي قارورة العطر التي دخلتْ على السينما ذات مساء من عام ١٩٥٩ عندما ظهرت على يد بركات وعبد الرحمن الخميسي لأول مرة من خلال فيلم (حسن ونعيمة) فملأت السينما عبيرا وسحرا وجمالا ودلعا وأناقةً وأنوثة.

الزوجة الثانية

لم يحدث لها تغيُّرٌ كبير هى نفس العيون الصافية الجميلة ونفس الحضور الطاغي الآسر زيادة بسيطة في الوزن فقط، وأصبح أمامي حلم عمري وتذكّرتُ معها حضوري وأنا طفل  تصوير فيلم (الزوجة الثانية) مع أخي محمد نوح فقد كان أحد أبطال الفيلم.

وكذلك حضرت معها جلسات سوق الحميدية ثم مرة أخري في منزل المخرج السيد عيسي وكان يجهز لفكرة فيلم (شفيقة ومتولي)، وكان نوح مرشحا له وحضرتُ إحدي الجلسات ولكن لم ينفذ الفيلم بمحمد نوح بعد أن تم استبدال المخرج .

وبعد أن ذكرتها باللقاءات المتعددة ابتلعت ماء فمي مستدعيًا الابتسامة وأخبرتها أنها مدينة لي بحوالي (عشرة جنيهات) فضحكت مندهشة، ووضعت الزبادي علي طرف المكتب وقالت: لا مش للدرجة دي… لايمكن.

وبخبث الدمنهوري قلت لها: أنتِ سبب ضياع كل مصروفي على سينما (الأهلي) بدمنهور عندما كنتِ ترتدين المايوه وكنتُ في عمر المراهقة فأدخل الفيلم ثلاث مرات في ثلاث قروش كل مرة، فيضيع مصروفي ثم يأتي فيلم (هى والشياطين) بما فيه من رقص وشقاوة.

صغيرة على الحب

وحين حضرتُ إلى القاهرة أعتقدتُ أن في مصر الذي أراه في السينما يعني كلها سعاد حسني وشمس البارودي، وهند رستم، ونوال أبو الفتوح جلست لساعات في الشباك إلى أن تحمّصت من الشمس وكنتِ أنتِ السبب.. فأخذتْ تضحك وكأنها سميحة في فيلم (صغيرة على الحب).. نفس البراءة ونفس الروح الطفولية الجميلة.. جلستْ معي وكنت أتمني أن يستمر العرض في تلك الليلة حتي الصباح.

 ولي هنا ملاحظة خارج سياق الكلام ولكنها شهادة أريد طرحهاهي: (أن من لديها تلك الشخصية وهذه الروح محال أن تنتحر).

أفلام سعاد حسنى ما زالت الأعلى في نسبة المشاهدة.. لماذا؟

لأن سعاد حسني الفنانة الشاملة تمثيلا وأداءً واستعراضا ورقصا وغناءً، حالة تقمص عبقري لم يحدث إلا مع القليل من الفنانين مثل أحمد زكي ومحمود المليج، وزكي رستم.

سعاد حسني  في فيلم (الزوجه الثانية) جسدت شخصية (فاطمة) الفلاحة زوجة أبو العلا بالحركة واللكنة الفلاحي والشعر وطريقة الرقص.. سعاد تعلمت من عبد الرحمن الخميسي جلست واستمعت وتناقشت مع الكبار مثل صلاح چاهين وجلست مع مثقفين ومبدعين رواد، وغنّت بصوت سليم ورقصت وتنوّعت أدوارها وسيطرت علي شخوص لأعمال كبار الكتاب ولم تطالب بلقب قبل اسمها فاللقب أطلقه عليها نقاد السينما وعشاق فنها العظيم إنها (سندريلا السينما المصرية).

شفيقة ومتولي
الكرنك

فهي عظيمة ومقنعة حين تتقمّص شخصية (مديحة) في فيلم (غروب وشروق) وعبقرية في (إحسان) في فيلم (القاهرة 30)، ومدهشة في (سميحة) في فيلم(صغيره علي الحب)، ومتألقة في شخصيتي (ناهد، وميرفت) في (بئر الحرمان) وقمة الأداء في شخصية (سعاد) في فيلم (زوجتي والكلب)، وراقصة مبهرة في (زوزو ألماظية) في (خلّي بالك من زوزو)، ومقنعة في شخصية (عايدة) المركبة في فيلم (أين عقلي)، وجميلة ومرحة في (أميرة) في (أميرة حبي أنا)، وثورية في شخصية (زينب) في (الكرنك).

اثنان وثمانون فيلما: إنه إبداع كبير وإنتاج ضخم يستحق كتبا ودراسات لنجمة التقمص المبدعة .

أيها المبدعون، والفنانون والفنانات، أين أنتم وأين إبداعكم؟!، فالإبداع اليوم لا يليق بتاريخ مصر، ماذا تقدمون لدولة تنطلق ولكن الفنون تبتذل في بعض الأعمال الساذجة ووممثلات ليس لديهن إلا التزين والظهور بأحلى حُلة وأبهى منظر، حتى وإن كان على حساب الموقف الدرامي

سيدتي الفنانة المهجنة انظري إلى ابتسامة سميرة أحمد في فيلم (الخرساء) قمة الأنوثة وقد تقمّصت الشخصية بملابسها ودون أي مكياج فحققتْ نجاحا كبيرا والسينما الصادقة تصل للناس وتعيش طويلا وتحقق مكاسب مادية هائلة.

سميرة أحمد
فاتن حمامة

كان لدينا سينما تساعد تسهم في زيادة الدخل القومي مع القطن وهى ثاني سينما في العالم.. سينما حقيقية ومبدعون حقيقيون لم يتركو مالا وإنما تركوا لنا تاريخا وإبداعا عظيما لا يُنسى.

وهل تُنسى شقاوة سعاد حسني، وأنوثة هند رستم وعظمة فاتن حمامة، وتحيه كاريوكا التي شرفتنا في معظم مهرجانات  العالم  وبراعة  شاديه وجمال نجلاء فتحي ورشاقة برلنتي عبد الحميد، ورقة شمس البارودي، وبراءة مديحة سالم؟!.

لقد أضاع الكثير من الفنانين في عصرنا فرصة تسجيل اسمه بحروف من ذهب في سجل السينما المصرية الكبير، فالموهوب ساذج وغير مثقف، وعاجز عن اختيار ما يقدّمه وأصبح الاختيار يعتمد على نجمة منظر فقط أو فنان بهلوان يتم تفصيل الأدوار لهم تفصيلا من طرف كتاب الورش، ويبقي الكتاب والمخرجون الحقيقيون منعزلين يمنعهم كبرياؤهم من طلب العمل، فمنهم من يكتب ويتنازل والبعض يلزم منزله متابعًا مقهورًا.

لقد أفرزتْ المرحلة نجوما كاذبة ساذجة اختارت الأعمال السطحية فحدث ما نحن في.

الإبداع مسؤولية تحتاج لعقل يحرسها وليس بودي جاردات، وعربات، وطائرات ومكياچ كاذب.

هناك عمالقة لا يعملون والغث والساذج علي السطح، وسيدفع أولادنا الثمن غاليا إذا استمر هذا التسطيح، فالدولة تنطلق في كل المجالات، ومطلوب فنون تنير الطريق لمصر القادمة كما كانت تنير لمصر الماضي.. ومصرُ تستحق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.