رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كاظم الساهر يعيد اعتبار اللغة العربية بنبض كلمات الشيخ محمد بن راشد

بريق حروف اللغة بصوت كاظم بدا واضحا

كتب : محمد حبوشة

لاشك أن لصوته عطر آخاذ يغطي الروح، ولألحانه سحر النغمة والشجن ووتر العشق، لأدائه روعة حضور (الرجل)، لخجله جمال الورد الربيعي ولتواضعه كبر الفنانين الكبار.. الرقي عنوان أي حفل أو لحن أو شعر للفنان العراقي كاظم الساهر، التألق يلازمه أينما حل على أي خشبة مسرح يعتليه، يصرخ صوته حبا ووجعا وشوقا، ويملك القدرة الفائقة على أن يدفء قلوب الحاضرين مشعلا نار المشاعر بكبريت لحن احتضن كلمة في لحظة نورانية، إنه (العاشق) المثالي للنساء.. عاشق يغني الحب، ويغازل الجسد والروح والعقل.. عاشق صوته ينبثق من عمق الوديان بآهات تطال قمم الجبال، ليصل إلى ذروة الانهمار تحليقا فيتهاوى بانسياب مطر أول الخريف متقوقعا في العمق من جديد.

إنه (كاظم الساهر) الذي أطل قبل أيام بمدينة دبي على آلاف بضوء تفوق على قمر ظهر بنصف وجه في (قمة اللغة العربية)، كي يعيد الاعتبار للغة الضاد على جناح القصيدة الرائعة (اللغة الخالدة)، من نظم الشيخ محمد بن راشد، وحين أطل (كاظم) تلألأت الوجوه وضحكت الثغور، أما القلوب، فالأيادي صفقت على نبضها بوتيرة ما من صدمة تحد من سرعتها على إيقاع غنائه تلك الكلمات التي تقول:

طَفِقْتُ أبحثُ عنْ كُتْبي وعنْ وَرَقي     

ورُحْتُ أبْذُلُ من تِبْري ومِن ورِقي

ولي مع الشِّعر راياتٌ رفعتُ بها

ما طاوَلَ النَّجمَ من منْظومِهِ الألِقِ

كيف اتّفقنا أنا والصبحُ ثانيةً

منْ بَعْدِ مُسْتَترٍ منهُ ومُنفلقِ

أنا معي الليلُ والظلْماءُ قافيتي

فهلْ سأُبقي لرُوحِ الليل منْ رَمَقِ

أعْددْتُ للوَهْمِ عندي ألْفَ مُتَّكأٍ

وقلتُ للنّفْسِ في أشَواقكِ احْترِقي

يا كاتبَ المجد سجِّلْ عن مآثرنا

ما قد يَرُوْقُ لِحُسادٍ ولم يَرُقِ

والمجْدُ ليس الذي شادتْ أوائلُنا

إنْ لم نَزدْهُ بفكْرِ الفاهِمِ الحذِقِ

وكيف أنّا أعدنا شمسَ أمّتنا

مِنْ بَعْدِ أنْ قاربتْ تَدْنو منَ الغسقِ

بل قد صنعنا لِرَيبِ الدّهرِ عُدَّتَهُ

حرْباً على الجهلِ والإمْلاقِ والفِرَقِ

نِلْنا الثـّنَاءَ منَ الدُّنْيا فَسيرتُنا

كَسيرَةِ الوَرْدِ في الإشراقِ والعَبَقِ

سبحانَهُ اللَّهُ مَنْ سَوَّى وصوَّرنا

كَما يشاءُ وأحيا الخَلْقَ بالخُلُقِ

يا كاتب المجد سجل عن مآثرنا
منْ بَعْدِ مُسْتَترٍ منهُ ومُنغلقِ
كَسيرَةِ الوَرْدِ في الإشراقِ والعَبَقِ
طَفِقْتُ أبحثُ عنْ كُتْبي وعنْ وَرَقي

ومن خلال تلك القصيدة التي توفرت فيها كل معاني الخلود، كما تجلت فيها بلاغة الشيخ محمد بن راشد، وحسن اختياره للكلمات المعبرة مستخدما بعض الكلمات والمعاني اللغوية القديمة، حيث تبرز قدرة الشاعر على التصوير البياني الجميل من خلال استخدامه للمترادفات اللفظية وبراعة التوظيف، وانسيابية الفكرة التي تدرج في تشكيلها من خلال الأبيات، فإن كاظم الساهر من جانبه قد أفرغ نفسه بأكملها على المسرح، لا يبخل بمشاعره، بل يقدم كل ما فيه ومنه إلى الجمهور.. (قليلون هم الفنانون المندمجون بفنهم، يعطون ما يحبون ويحبون ما يُعطون)، خاصة إذا كان هذا الغناء يتعلق بإعادة الاعتبار للغة العربية في لحظات غربتها وضياعها بين أهلها حاليا.

ويطيب لي أن أقول، إن بروز كاظم الساهر كمطرب يجنح نحو القصيدة الفصحى غير في أسلوب اللعبة بذكاء مشهود، فقدم ألحانا لعشرات القصائد إلى ثلة كبيرة من شعراء الوطن العربي كان أولهم نزار قباني، الذي أطلق عليه لقب (القيصر)، لأنه سحر بفن وإبداع الساهر فمنحه أجمل ماكتب، لأنه كان يعرف أن هذا المجدد في الأغنية العربية لديه مهارة فريدة في الغناء من مناطق صوتيه ثرية، وكاظم الساهر، حسب قول المقربين له، مفتون بالكلمة المعبرة، الكلمة التي تؤثر فيه، الكلمة التي تهز كيانه، إذ يبقى سارحا بها كعاشق متيم، حتى أنه غير ويغير الكثير من العبارات التي لا يشعر بتأثيرها، فهو يبحث عن الكلمة أو المفردة التي تستنزفه بسحرها ومعانيها وصورها المعبرة، وحتى في قصائد الشاعر الكبير نزار قباني كان يطلب منه تغيير بعض الكلمات تماشيا مع الضرورة اللحنية.

تألق غير معهود لكاظم على مسرح قمة اللغة العربية

لقد لعب الساهر في مناطق كثيرة أثار بها العواطف المخبأة لدى الرجل والمرأة، والحب والقداسة، عبر تلك القصائد المغناة برقة وعذوبة تخاطب المشاعر والوجدان، فقبل ظهوره على الساحة الغنائية كان صعبا، بل مستحيلا، أن تسمع أغنية فيها عبارة (انت ظالم انت قاسي) أو (هدد كسِّر حطم العب على أعصابي)، ولهذا فإن (كاظم) حطم تلك كل النظريات الجوفاء حول المحاذير في الكلمات، حين قدم أغاني فتحت الباب للشعراء في أن يقدموا نصوصا ليست فيها محاذير أو خطوط حمر، أو حتى لو كانت رسائل سرية فيما يسمى بالشعر المبطن، فتحت للشاعر الأبواب على مصاريعها فصار بإمكانه أن يكتب مايشاء.

معروف أن كاظم الساهر يتمتع الساهر بمساحة صوتية واسعة (طبقتين صوتيتين ونصف الطبقة) مع حدية وقوة وتفجر، سواء حين يغني على طبقة القرار أو على طبقة الجواب، أو بتعبير أدق على طبقات الباص التينور والألتو سبرانو، بهذا يكاد الساهر أن يكون المطرب العراقي والعربي الوحيد الذي نجح بامتياز هائل في الاقتراب – إلى حد ما – في غنائه من قوالب الغناء الأوبرالي، ويعد هذا الغناء هو الأصعب في تاريخ الغناء العالمي.

وهنالك قصة تثبت تفوقه وجدارته تلك في الغناء، ففي عام 1990، وحينما أكمل الفنان كاظم الساهر أغنيته الأكثر حرفية (لا يا صديقي) ذهب الى ستوديوهات القاهرة لتسجيلها هناك، وكان اللحن فيه الكثير من المقامات والأنغام المختلفة، مع التنقلات النغمية والإيقاعية المختلفة، وصادف وجود الفنان الكبير محمد عبد الوهاب هناك، وحينما اطلع على التسجيل الموسيقي أصيب بالدهشة، وقال عبارة شهيرة (من هذا المجنون؟)، ويقصد كاظم الساهر لأنه ذهل بهذه التحفة الفنية المميزة، إن هذه الطاقة الكامنة والكبيرة للساهر مكنته من غناء أصعب القصائد فغناها بأطوار وأشكال لحنية متعددة، ولاسيما أن الساهر تتلمذ على يد أكبر فطاحل اللغة العربية، الشيخ جلال الحنفي، الذي علمه أصول النحو والصرف وقراءة وترتيل القرآن، فامتلك الساهر خزينا معرفيا بأصول وقواعد اللغة العربية.

وحين تنصت متأملا غناء (كاظم الساهر) سوف تكتشف أن صوته غير مكرفوني ففيه من القوة مايمكنه من إيصال صوته دون الحاجة إلى مكبرات أو مزوقات الصوت، وقد استطاع عبر التدريب والتراكم أن يضفي عليه المزيد من المرونة والقوة والامتداد، فهو يستخدم الموال في مقدمة الأغنية أو في آخرها في معظم أغانية مظهرا جمال صوته وقوته من خلال الجوابات العالية في الموال، وذلك بفضل امتلاكه ميزة خاصة منفردا عن غيره من المطربين في قدرته على تمثيل صوته وإعطائه شكلا يتوائم مع روح النص فهو حزين وباك كما في مقدمة مسلسل (نادية)، وفرح ومبتهج كما في أغنية (مبروك عليك بنت الحلال، وياليل لا تنتهي)، وجاد متزن في أغنية (سنين وياك متغرب) ورائعته التي أعشقها شخصيا وبشكل خاص أغنية (انا وليلى)، وحتى في كثيرا من ألبوماته يبدو وودودا وحنونا في كل أغانيه.

كيف أنّا أعدنا شمسَ أمّتنا

يقول الخبراء أن خامة الحنجرة عند الساهر تتسم بسعة المساحة والضخامة وبالقوة وبنوع من الخشونة، فحنجرته – على حد تعبيرهم – ليست صافية تماما، فبعض أجزائها نقية وصافية، وبعضها خشن ولكن خشونتها قليلة، وطبيعة الحنجرة تبقى نسبية للمتلقي وللذوق، فهناك من الأذواق من يفضل الحنجرة الصافية تماما وهناك من يحبذها خشنة قليلا وهناك من يحبها ان تكون خشنة جدا، بل إن البعض يميل إلى سماع الحنجرة الناعمة والخافتة والقوية والضخمة، فمسألة خامة الحنجرة هى نسبية وليست هى المهمة برأيي في الفن الغنائي خصوصا أنها من اختصاص الخالق وليست من اختصاص الإنسان، فالمهم في الفن الغنائي هو الأداء السليم والإحساس العالي كما يفعل في كل حالات عبر الشجن أو الفرح الذي يحلق في السماء عاليا برقة وعذوبة مفرطة.

وفي هذا الصدد يممكنا القول بأن كاظم الساهر أخرج الأغنية العراقية من القوالب الجامدة التي يدعونها، اللون الذي يحدد خصائص الفنان واتجاهه فاعتمد التجريب والتنوع بأقصى أشكاله و هو يتفرد بكل بالأغاني التي لا تنتمي الى الاتجاه الواحد فقد غنى الأغنية الشبابية الخفيفة (هذا اللون عليك يجنن)،(افرح واتألق بالسهرة)، ثم غنى الأغنية الهادئة المتزنة مثل (سنين وياك متغرب، بعد الحب)، اللتين لقيتا إعجابا كبيرا في الوسط الثقافي وغنى الاغنية الشعبية (عبرت الشط على مودك، كل ماتكبر تحلا، اشرب مر، أنا سويت) ، وغنى الكوميديا السوداء مثل(امعلم على صدمات كلبي، آه على آه على آه)، والأغنية الفلكلورية (يا ساكنة حينا)، وغنى الأغنية الراقصة (نزلت للبحر، يا ليل لانتهي)، وغنى الأغنية الاحتفالية ذات الأجواء والطقوس الاجتماعية مثل الزواج في أغنية (مبروك عليك بنت الحلال)، كما غنى ولحن لنفسه الأغاني الطويلة مثل أغنية (لا ياصديقي) وكسر بذلك الحاجز القائل بعدم نجاح الأغنية الطويلة في العراق، هذا فضلا عن غنائه باللهجة اللبنانية مثل (يضرب الحب شو بيذل) وغنى باللهجة المصرية (ميرسي وأغنية مااقدرش) ذات الإيقاع الغربي متخطيا بذلك حاجز اللهجات بين الأقطار العربية وأصبح ملكا لكل العرب.

ومن خلال سماعي له في أوقات الشجن أجد دائما أن صوت الساهر يتميز بالقوة والتفجر والضخامة، ويظهر ذلك خصوصا في حفلاته، فصوته يملأ الآذان ويدخل إلى مسمات الروح عبر مسامات الجسد بشكل يسلب العقل، والميزة الأجمل فيه هو أن هذه الضخامة الصوتية لايفقدها كثيرا حينما يغني على الجواب أو على الطبقات العالية، فمثلا في أغنيته الرائعة (تقولين عني) يكون جواب الساهر ممتلئا وضخما بشكل يهز المشاعر رغما عنا، وذلك تحديدا حينما يردد كلمة (حرام) في نهاية كل مقطع، وكذلك الحال يبدو واضح أيضا في المقطع الأخير من أغنيته الخالدة (الحب المستحيل)، بحيث تبرز قوة وضخامة صوت الساهر حينما يردد بإحساس قل نظيره (وماهمني ان … إلخ)، ولكن سوء حظ الساهر هو أن هذه الميزة الرائعة في صوته لاتبرز أحيانا في ألبوماته التي يطرحها والسبب برأيي هو سوء الهندسة الصوتية، فمثلا لو تمعنا في أغنيته العظيمة (الحب المستحيل) سنرى سوء الهندسة الصوتية ظلمت صوت الساهر لأنها لم تبرز لنا ضخامة صوته وقوة حنجرته وخصوصا في المقطع الأخير ، بينما نستطيع أن نتلمس ذلك جيدا حينما يغني نفس الأغنية على المسرح .

كما لاحظت أيضا أن أداء الساهر يتميز بالثقافة العالية، فصوت الساهر مثقف فنيا بشكل يفوق التصور، فادأئه مليء (بالعُرَبْ) أو مايسمى بلغة الموسيقى (الفبراتو) والمقصود بها هنا الزخرفة الأدائية في الغناء، كما يتميز صوت الساهر بتلفظ سليم للحروف والكلمات وأحيانا يلجأ الساهر إلى عقف حرف الألف وخصوصا في قصائده ربما ليضع خصوصية له في الأداء، والميزة الأهم في أداء الساهر هو قدرته الهائلة على التنقل من صوت إلى صوت، وقدرته الجميلة على الانتقال من مقام إلى مقام بشكل سلس ومن درجة، وهذه ربما أهم ميزة لدى الساهر يتفوق بها على كافة المطربين العرب منذ أن بدأ الغناء العربي ولحد الآن، وهذا نابع من قدرته اللحنية العظيمة أيضا .

وأخيرا لابد لي من لفت النظر إلى أن الساهر يمتلك قدرة كبيرة على حبس أنفاسه في صدره لحظة الغناء، بل ويمتلك قدرة رائعة على إملاء صدره بالهواء في لحظة غنائه وخصوصا على المسرح، ومعروف أن هذه القدرة مهمة لكي تجعل المطرب يتمكن من التحكم بأدائه الصحيح وبإخراج الحروف وبإنهاء المقطع الغنائي بشكل سليم وليس بشكل منفلت كما يحصل للعديد من المطربين، لذا فهو حينما يغني يصبح وكأنه طير يحلق على بحر من الأحاسيس الصادقة والمشاعر الإنسانية النبيلة.. نعم هذه ميزة قلما يتميز بها الغناء العربي والسبب برأيي لأن الساهر ملئ بمشاعر فنية وإنسانية صادقة جدا تلازمه دائما على خشبة المسرح كما حدث ذلك مع قصيدة (اللغة الخالدة) قبل أيام، لذا وجب أن نقدم له تحية تقدير واحترام على نقل مشاعره بصدق عن آلام وعذابات لغة تحتضر بين أهلها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.