رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

نسرين طافش تفتح الجرح الفلسطيني الغائر في الضمير العربي والإنسانية

مسجد قبة الصخرة وحمام السلام يطوف من حوله

كتب : محمد حبوشة

في أول رد فعل لها على أحداث (غزة) التي ودعت رمضان واستقبلت عيد الفطر بالقصف والقتل والتدمير للبشر قبل الحجر، قالت الفنانة السورية المولد، فلسطينية الهوية جزائرية الجنسية، عربية الهوى والمسكن والعمل: (ما يحدث في فلسطين ليس حربا بين طرفين .. ما يحدث في فلسطين هو تطهير عرقي للفلسطينيين العزل من قبل المنظمة الصهيونية الاسرائيلية التي بنت دولتها على جثث أطفال ونساء وشيوخ وشباب فلسطين، وسرقت بيوتهم وسلبت حقهم في الحياة بسلام )، وناشدت ضمير الإنسان في كل مكان على وجه الكرة الأرضية قائلة: (قف مع الحق.. قف مع السلام.. قف مع العدل.. قف مع فلسطين).

نسرين بزي تراثي فلسطيني

نسرين ما أن انتهت من فرحة تصويرها آخر مشاهد لها في مسلسلها الذي فاق التوقعات في رمضان (المداح) حتى لطمتها أحداث غزة العدوانية بمشاهد تحمل في طياتها نوعا من التراجيديا السوداء التي جسدتها في (التغريبة الفلسطينية) قبل 17 عاما، وتلك التراجيديا الغزاوية لم تدمي قلبها وحدها، بل أدمت ملايين العرب والمسلمين في شتى بقاع العالم من فرط الوحشية الصهيونية التي بدأت أولا على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت ضد محاولات الاحتلال إجلاء عائلات مقدسية من منازلها لصالح المستوطنين، وتحويل الحي إلى مستوطنة عنصرية، ومن ثم انطلقت الصوريخ على المستوطنات القريبة من شمالي غزة في ردة فعل طبيعية على ممارسة القمع والعنصرية بتهويد القدس جانب من المحتل على حساب صاحب الأرض والعرض الذي انتهكته تلك الأيدي الأثمة طوال 74 عاما من عمر النكبة.

ولأن نسرين طافش هى ابنة واحد من الشعراء الفلسطينيين الذين عاشوا نكبة فلسطين بكل تفاصيلها المرعبة من تشريد وضياع، وبأبشع مشاهدها وآثارها الدامية، ومن ثم عرف في البدايات حياة التشرد والبؤس والضياع، حيث عانى مع شعبه وأهله في (صفد) وعاش حياة الغربة الموحشة منذ خروجه من مسقط رأسه في سن ست سنوات، وشعر بالمرارة والأسى في أعقاب ضياع الحلم الوطن الفلسطيني، فكان قدر (نسرين) ألا تسعد طوال أيام عيد الفطر المبارك، حيث انخرطت في التفاعل مع أحداث غزة معلنة بصوت مسموع قائلة : أنه يجب أن تتوقف جرائم الاسرائيليين فورا ويجب أن يصحو العالم من سباته، لن يعم السلام وجرائم الاسرائيليين مستمرة في إبادة الشعب الفلسطيني وقتل الأبرياء.. ما يحدث ليس حربا ولا صراع بين دولتين، ما يحدث احتلال وإبادة عرقية.

ألسنة النار واللهب جراء القصف الإسرائيلي الغادر

ويبدو أن نسرين استعادت في اللحظة الآنية قراءة دواوين والدها الشعرية التي تتغى بفلسطين مثل: (رقصات الورد والجنون،  تراتيل الرماد، الفضاء الأخضر، وكنعانيات، رعاف الليل، مرايا تشبهني)، ومن ثم حمل القضية الفلسطينية على كتفها هى الأخرى، وأطلت بصورة بالشال الفلسطيني (أبيض وأسود) وعبرت عن مشاعرها من خلال الصورة معلقة بأبيات النشيد الوطني لإبراهيم طوقان : (هل أراك! .. هل أراك ! .. سالما منعما و غانمًا مكرما .. هل أراك في علاك .. تبلغ السما .. موطني .. موطني .. ثم أضافت : السلام لشهداء فلسطين الذين قتلو في مجازر الاحتلال الاسرائيلي .. و الحرية للمعتقلات و المعتقلين .. والنصر للأبطال و البطلات .. سلمهم يا رب، وطالبت الجماهير العربي قائلة : أكثرو الدعاء بالسلام و الأمان و عودة الحق .. انقذوا حي الشيخ جراح .. إنقذوا القدس.

وتلك كانت لفتة ذكية منها ربما اكتسبتها من جينات والدها الشاعر  الفلسطينيي الذي عاش طفلا صغيرا داخل الوطن المحتل ومخيمات الشتات، وعبر عواصم الغربة المفتوحة على مساحة العالم، كما كان كرفاقه – شعراء فلسطين – عمل مدرسا للموسيقى وشاعرا يزرع في الأجيال الفلسطينية ومنهم (ثمانية من بناته): حب الوطن، والتطلع الدائم للعودة، وبناء أجيال الثأر والمقاومة، حيث يحمل شعره الهم الفلسطيني بكافة أبعاده، ويعبر بواقعية درامية مؤثرة ما عانى ويعاني منه شعبنا العربي الفلسطيني، سواء كان ذلك على مستوى الحزن والألم، أو على مستوى الأحلام والتطلعات.

طفل فلسطيني يقف على أطلال ذكريات مضت دون عودة

ولأن صور والدها الشعرية جميعها نابعة من الواقع الفلسطيني، وقصائده هى الوجه الآخر لليوميات الفلسطينية المهمومة بوجع النكبة بآثار الوخيمة التي تمثل جرحا غائرا في الجسد الفلسطيني، وأحلام العودة، والمقاومة الطريق الوحيد إلى فلسطين الحرة الأبية، فقد توقفت أمام شعره الذي يبعد عن الترميز والتغريب في قصائده، وظل شعره صوت شعبه، وقصائده مغناة الأجيال القادمة، وحتما لابد للشهداء عنده من نصيب كبير في شعره، وللمقاومين حيث يقول:

أخبئ وجهي بكفّي شهيدٍ رأى الله قبلي

لأشعل عرس القنابل حتّى الصّباح

فبينك والموت نصف سلامه وظهرك لا يحتمي بجدار

أمرّ وحيداً بزنزانتين فأصرخ قهراً: لمن أنتمي!!؟

وينهض صوتك بين الرّصاص

يغني (العتابا) على من ترى تعتبين!!؟

مدخل بيت جدها محمد طافش في صفد

وعزفا على ذات اللحن الشجي المصحوبة بشعرية صادقة، أكدت نسرين على أن القضية التي زرعت فيها طفلة ونمت وكبرت معها لن تغادر مخيلتها أبدا، كما جاء ذلك من خلال نشرها على الانستجرام فيديو لبيت جدها (محمد طافش) تم تصويره حديثا من مدينة (صفد) ونشرت عبر حسابها على Instagram لأحد البيوت في فلسطين، والذي تعود ملكيته إلى جدها، وتم تهجير أسرتها منه، وحكت قصة المنزل كاتبة : (الفيديو هاد لبيت جدي محمد طافش و ستي زينب حديد وبيت بابا يوسف طافش بمدينة صفد، اللي تم تهجيره وهو عمره سبع سنين و تهجير أهلو منو و أخدوه بغير حق و تم تحويله لأوتيل و مقهى)، وأضافت: (حتى مقتنيات البيت الأثرية عارضينها بالحيطان .. شجرة الزيتون بنص الدار بتشهد مين أصحاب البيت الحقيقيين.. الفيديو بكاني بكاء مريرا، لأنه التاريخ اليوم عم بيكرر نفسو أمام صمت العالم و بكره آلام الناس بتنتسى و البيوت بتصير أوتيلات وكافتيريات والحياة طبيعية وكأن شيئا لم يكن).

لقد أعادت على نسرين بموقفها الثائر ضد الممارسات القمعية ضد المحتل الإسرائيلي أجواء حديث والدها معي في لقائنا بالقاهرة قبل سبعة أشهر، حيث كانت الساعات القليلة التي قضيناها سويا بمثابة درس توثيقي حول فلسطين الحبيبة من خلال قراءاته الشعرية المتعددة لي في جلساتنا واستشهاده بقصائد ماتزال مختزنة في قاع ذاكرته، أنها تمثل الواقعية المركزة على اليوميات الفلسطينية حدثا .. تسجيلا وتوثيقا، خيالا يحوم حول فلسطين فلا يغادرها، وحول المخيمات، والمنافي، وتفاصيل مجريات الأمور والهموم فيها، والتساؤلات الموجعة الجارحة المبثوثة في الشعر، والوجدان والأعماق: لماذا؟، لما؟، كيف، وإلى متى؟! وإلى أين؟!.

الطيران الحربي شن مئات الغارات على غزة

هى أسئلة تستمر بلا أجوبة!؟، وعتاب يذهب ضاريا وجهه الشاعر الفلسطيني الكبير إلى الذين يحكمون ولا يملكون قرارات !!، والذين يصمتون فلا يملكون حياة، والذين يستشهدون، ماذا يشكل استشهادهم من خطوات على طريق الثأر والتحرير والعودة!!؟.. وهذا هو حال (عم يوسف) الآني من خلال بوستاته الموجعة على الفيس بوك يوميا.. حيث يظل نزيف الدم الفلسطيني لا يغادر مخيلته، ومعاناة شعبه التي تؤرقه في كل لحظة يعيشها في غربته الإجبارية.

أطياف وظلال ظلت مخيمة على أجواء اللقاء بيننا، حاول الشاعر الفلسطينيّ الكبير من خلالها أن يقترب من الغزل، فتجد فلسطين في سائر كيانه ومخيلته تسكن الذاكرة المتعبة، ومع كل أحماله الثقيلة الملاقاة على كاهله لاتفتر همته وأحلام العودة تظل ترواد تلك الذاكرة المتعبة، وماتزال رعشة الهوى الوحيدة في نبضه ومشاعره حاضرة بقوة عبر حديثه العذب، وهو يحاول أن يقترب من الغناء لها، فيجد نفسه بين الجراح وبحة الناي الحزينة، ويحاول أن يهمس أحبك، فيجد الأرض تنهض وتمشي إليه بجذورها، وطيورها، وجبالها، وهضابها، وأحجارها، وأشجارها، وانهارها وشهدائها، ولوعة حنينها، وتهمس بضراوة الجرح والوجد:

(أحبّك..)!!

الوجد الفلسطينيّ هكذا يأتي:

عيون المها حلوةٌ وعيناك أشهى العيون

وعند المغيب أرى فيك (صيدا) تمزّق ثوب الحداد

وترمي إلى البحر أحزانها

وملح الشواطئ في وجنتيها

يفتح ورداً على صفحة الأقحوان

ليأخذ شكل نسيان دمي

وكما نلحظ فإن القصيدة تتحدث عن صيدا كما تتحدث عن حيفا ويافا وعكا، عن غزة وصفد ونابلس، إنها ملفى للفلسطينيين، وواحدة من تراب العروبة، لا فرق ولا اختلاف: في الجرح والهم، في الوجد والحنين، في الألم والأمل.. صور رقيقة جداً.. قاسية جرحاً.. مهمومة إحساسا، ومشاعرا كغالبية شعرنا العربي الراهن!، وهذا ما أكده لي من خلال ترديده تلك القصيدة على مسامعي اوالتي تشير أن النتاج الكياني واحد في شعرية القصيدة لديه، واحد في كينونتها وكيانها، ومنبثقها الذي تنهض منه، فالمقاربة تقريبا واحدة الجرح والهم والمعاناة والمغنى.

حتى المحلات التجارية لم تسلم من القصف العنيف

ويبقى البعد الإنساني في شعر (طافش) هو الأعمق والأصدق، والأحد والأكثر ضراوة، جراء ما عاشه وعانه، وشاهده، وكتب ما كتبه بحبر دمه، ونزف محبرته، ومعاناة نسجت ضميرا شعريا حاد التوهج والبهاء!.. ويبدو أن طيفا من هذا قد لامس شغاف قلب ابنته النجمة العربية (نسرين طافش) التي تتمتع بجاذبية آسرة على الشاشة فور أن تطل في أي عمل عربي على جناح الألفة التي تلازمها في شخصيتها الحقيقية، وربما هذه الألفة هى سر نجاحها ، وواحدا من أهم أسباب نجوميتها، وكونها تمتلك طاقة إيجابية كبيرة استمدتها من (علم الطاقة والروح)، فهي بالأساس ممن يؤمنون بعلم الطاقة، ولذا فهي تعكسه في صورة روح شفافة تحلق في سماء الكون، محبة للسلام الذي تتمنى أن يعم البشرية، لذا أوضحت نسرين في نهاية تعليقاتها على أحداث غزة قائلة : ( لست من أنصار الصراعات و الحروب لأنها لا تؤدي إلا إلى الهاوية .. ثقافة العنف ما بتولد إلا العنف .. ثقافة الكراهية ما يتولد إلا الكراهية .. لكن الظلم إحساس بشع .. لطالما كنت مع المحبة مع السلام مع الأمل أن أهل هالأرض اللي فيها حاليا ينعمون بالسلام والآمان”، واختتمت داعية: (الله يرفع الظلم عنهم و يرجع الحق لأصحابه .. يا ريت كنت بقدر أعمل أكتر من هيك لأساعد أهلنا بحي الشيخ جراح بالقدس الطهور قلب العرب جميعًا).. ومن جانبا نقول لها : قلوبنا جميعا مع أهل غزة وساكني حى الشيخ جراح، ومع كل الفلسطينيين الذين يعيشون ألم المعاناة والتشريد على أيدي الاحتلال الإسرائيلى الغاشم .. اللهم اهلكهم بقدرتك يا الله.. وأعد إلينا فلسطين حرة أبية على كامل التراب المقدس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.