رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

ابن النيل .. بين الغواية والهداية

بقلم : سامي فريد

لعل أول ما يلفت النظر في هذا الفيلم هو السؤال كيف أمكن أن تتحول هذه المسرحية “التراجيك فانتازي” أو التراجيديا الوهمية إلى فيلم يجري فيه النيل وتمتد الحقول الخضراء إلى الأفق .. بل ويثور النيل في فيضانه أحيانا فيغرق البلاد والعباد؟، وكيف أمكن لهم في الولايات المتحدة أن يقدموا كل هذا على خشبة المسرح لتصدر بعد ذلك عام 1947 في كتاب تأليف صاحبها (جرانت مارشال) باسم (ريفر بوي – River Boy) أو ابن النهر على مسرح باسادونيا لتلفت أنظار مقبسيها يوسف فخر الدين وفتوح نشاطي لتتحول على يديهم إلى فيلم تتحمس له المنتجة ماري كويني كما يتحمس المخرج يوسف شاهين لإخراجه، ثم ليكتب له الحوار بعد ذلك نيزوز عبدالملك لتنهض ببطولته فاتن حمامة وشكري سرحان وفردوس محمد ويحيى شاهين ومحمود المليجي وسميحة توفيق لتقدمه السينما المصرية باسم: ابن النيل!

ثم تتوالى مشاهد هذا الفيلم.. إبراهيم (يحيى شاهين) خلف محراثه يمهد الأرض للزرع ومن خلفه يبذر شقيقه الطفل حميدة (شكري سرحان) سارحاً يفكر في محطة القطار الذي سوف يحمله يوما ما إلى مصر.. إلى البلد الكبيرة ليرى ما يحكوه عنها من العمار والأبهة.. وهو ما يحدث في شبابه وبعد أن يجبره شقيقه الأكبر إبراهيم على الزواج من زبيدة (فاتن حمامة) التي هتك حميدة عرضها وتحتمل هى منه أسوأ المعاملة حتى تضع مولودها (سالم)، ثم تقع بعد الولادة في غيبوبة طويلة يطنون معها وفاتها لولا أن يسرع إبراهيم إلى طبيب المرز الذي تفيق زبيدة على يديه، ولكن بعد أن يكون حميدة اليائس قد انطلق ثائرا وبائسا وهاربا على القطار يستقله إلى القاهرة التي يقع في براثنها وبين شياطينها لتبدأ معها مأساته مع المليجي وسميحة توفيق وعصابة تهريب المخدرات مستغلين سذاجته كقروي يمكن التلاعب به حتى يأتي اليوم الذي يكتشف فيه وبالمصادفة أنه قد تحول إلى موزع مخدرات ولكن بالقميص والبنطلون بعد الجلابية!

ويرفض حميدة الوضع الجديد، ولكنه وإثر مشاجرة مع أحد تجار المخدرات في عوامة خليل بك (محمود المليجي) يضرب حميدة الخواجا ماريو وتوهمه سميحة توفيق (سوزي الراقصة) بأنه قد قتله وهو ليس إلا إصابة أدت إلى إغماء ماريو!

وتكون النتيجة هى خضوع حميدة كاملا لجبروت خليل بك بعد تهديده بكشف سر قتله لماريو الذي لم يمت، وتقضي المحكمة بعد شهادة الجميع ضده وصحبته حتى لا ينكشف سر الجريمة فيستسلم للجسن ثلاث سنوات من العمل الشاق في قطع الأحجار.. لكنه يلتقى في مسجد السجن بابن بلده (عمر الحريري) واعظ السجن الذي يذهب إليه في الزنزانة لنصحه بالعودة إلى بلده وأهله، حيث الخير في الأرض الطيبة والناس الطيبين ويستمع حميده بعد أن أفاق لما حدث له وكما فعلته به القاهرة المزدحمة بالناس ومنهم الطيب والشرير.. وترن في أذنيه كلمات الشيخ حسن (إرجع لأرضك.. إرجع لربك فيعود حميدة آسفا وكاسفا إلى جلبابه ليعوج إلى البلد.. لكن الحال لم يعد هو الحال، فبعد عودة إبراهيم من رحلة البحث عن حميدة في القاهرة تحت ضغط أمه (فردوس محمد) ومن المركب الشراعي في النيل يتعرف إبراهيم على حميدة في العوامة فيذهب إليه، لكن سوزي تأمر بطرده ولا يستطيع حميدة أن يتدخل بعد أوهموه بقتل ماريو الذي يجده أمامه في المحكمة حيا لم يمت ويصرخ حميدة ببراءته ولكن بعد فوات الآوان..

إذن.. سيعود حميدة إلى البلد فلا حل أمامه لكنه يفاجأ في البلد بالفيضان وقد أغرقها وانتشرت فيها خيام الأطباء، وقد تحول أهل البلد إلى شعب بلاد بيوت ولا حقول.. ويقترب حميدة من المشهد ليجد الناس ينظرون إلى مياه الفيضان مذهولين لا يجرؤن على إنقاذ الطفل الذي تعلق بقطعة من الخشب ينتظر من ينقذه.. فيخلع حميدة جلبابه ليقفز في الماء إلى الطفل وهو لا يعلم أنه ابنه سالم، لكنه يدرك الحقيقة ويدرك معها المفاجأة السعيدة وهى أن زوجته زبيدة التي ظنها قد ماتت تقف أمامه لتتلقى منه ولدها سالم الذي يحمله إليها وقد أدرك أنه على غفلته أيام طيشة واندفاعه لم يكن يعلم كم الحب الذي يحمله لها..

ويلتئم الشمل من جديد والبلد كلها تتعاون لوقف الفيضان لتعود الحياة إلى سابق ما كانت فيه من المحبة والتكامل والكرامة.

ولأن حميدة هو في النهاية (ابن النيل).. فإنه يعود بسرعة إلى أصله الطيب كالنيل الطيب الذي وإن ثار فإنه يحمل معه في مياهه كل الخير لكل الناس الذين يعودن إلى بناء قريتهم ليستأنفنوا فيها حياتهم الطيبة.. وهو (حميدة) كما قال ابراهيم (يحيى شاهين) يوما إن (النيل رواه.. والخير جوّاه).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.