رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

الموهبة الشعرية عند “حوت التمثيل” فريدة سيف النصر

على مدى تاريخ الفن المصري جمع عدد من النجوم بين حرفية الفن وموهبة الأدب فكتب بعضهم الشعر أو القصة، بعضهم أجاد وبعضهم كان ضيفا خفيفا على الأدب، وفي كل أسبوع سنتوقف مع واحد من هؤلاء النجوم لنلقي الضوء على مشواره الفني، وموهبته الفنية والأدبية.

في بداية المشوار

كتب : أحمد السماحي

يذهب الرسام إلى لوحته وفرشاته وألوانه، أما الممثل فيلجأ إلى أداته الروحية والجسمانية الخلاقة، ويتضافر عقله وإرادته ومشاعره لتعبئة جميع عناصره الداخلية، وهذه جميعا تستمد الحياة من القصة الخيالية التي يشكلها العمل الدرامي “فيلما أو مسرحية أو مسلسل”، فتجعلها تبدو أكثر واقعية كما تجعل أهدافها تقوم على أسس أفضل، وكلما أوغلت تلك العناصر في التقدم على نحو تفاعلي تصاعدي ازداد خط تقدمها اتحادا وتماسكا، ومن هذا الاندماج بين العناصر تنشأ حالة داخلية هامة نسميها (المزاج الروحي الخلاق)، وهذه تماما هى الحالة المزاجية عند الفنانة الموهوبة جدا “فريدة سيف النصر” التي تعرف كيف تبعد عن التصنع في الأداء وتقوي التمثيل الطبيعي بداخلها طوال الوقت.

ومن هنا فالكلام عن عالم الفنانة المبدعة “فريدة سيف النصر” الرسامة التي تعرف كيف تذهب بفرشاتها وألوانها إلى عمق اللوحة، وهى الشاعرة التلقائية في غير تكلف، والمغنية رقيقة الإحساس والمشاعر، والممثلة الفذة في كل تجلياتها المبدعة، يصبح هذا كله أشبه ما يكون بالغوص إلى أعماق بحرمتلاطم الأمواج، ملئ بالأسماك الملونة والأصداف التى تخفي فى جوفها اللألىء والأحجار المنقوشة بنقوش زخرفية بديعة، وعرائس البحر ذوات الشعر المسحور والعيون الغامضة، اللواتي يجذبنك بغنائهن العذب إلى حيث تدري ولا تدري.

رغم كثرة ما قدمت من أعمال فنية متنوعة بين السينما والمسرح والتليفزيون فى بدايتها الفنية، لكن معظمها مثل أفلام “هكذا الأيام، الكروان له شفايف، سيقان فى الوحل، صانع النجوم، مسافر بلا طريق، ليل ورغبة، لا يا أمي، الأيدي القذرة، أمهات فى المنفى”، وغيرها كانت أدوارا قصيرة باهتة، لكن هذه الأدوار أنضجت موهبتها على نار هادئه لتصبح فى فترة ما أنثى مليئة بالشجن تشع الحياة من عينيها السودادين، ويعبق جسدها برائحة عطر لا يقاوم، وتزداد الموهبة تمكنا ودقة ورهافة حس مع الأيام، فتقدم “البيه البواب، الجوازة دي مش لازم تتم، الزوجة تعرف أكثر، سارق السيارات، صراع الأحفاد، حلاوة الروح، زمن الأقوياء” وغيرها من أدوار عاشت من خلالها لحظات تتفاوت طولا وقصرا، حيث كانت تنغمس فيها كممثلة في (منطقة العقل الباطن) بيد أن الصدق ومظهر الصدق والإيمان والاحتمال يتناوبان الظهور في لحظات مختلفة، فيظهر أحدهما ثم يختفي بينما يظهر الآخر ثم يختفي، وهكذا حتى يصبح التنوع في الأدوار سمة أساسية عندها.

ورغم كل هذه التنوع الواضح في الأدوار التى كشف البعض منها عن بذرة الموهبة، لكن لم يستطع الفن المصري فى حقبتي السبعينات والثمانينات أن يمنحها حقها، وأن يؤكد موهبتها الهادرة كالشلال المتدفق، التى أزاحت عنها بعض الأعمال الدرامية الأخيرة، التى بثت فيها “فريدة” الروح بتجسيدها الرائع لها، وبصورة تجعل هذه الأدوار محفورة بماء النار فى عين المتفرج، لأنها  باختصار في كل دور تلعبه تضع فيه جزء من روحها، وإلا أصبح الدور كذبة، ولا شك أن جمال الممثل/ الممثلة لا يلعب الدور الرئيسي بأداء الشخصيات وتأثر الناس بها، فقوة الممثل تظهر بالأدوار الصعبة التي يجسدها، وكم سيتفاعل الناس معها، ولعل العديد من الممثلين أدوا أدوارا كتبت باسمائهم، والعديد منهم فعل المستحيل كي تصل هذه الشخصيات إلى قلب الجمهور، لكن فريدة على قلة مساحة أدوارها الأخيرة عرفت كيف تصل إلى قلب وعقل ووجدان المشاهد من أوسع الأبواب على جناح الأداء التلقائي.

وأعتقد أن الأحباط النسبي الذي أحست به “فريدة سيف النصر” جراء نظرة المنتجين والمخرجين لموهبتها زادها جرأة وشجاعة على المضي فى مشروعها الفني الذي بدأ يتوهج ويلمع فى السنوات الأخيرة، ويحتل مكانا كبيرا من نفسها وضميرها، فأصبحت تدقق جدا فى اختياراتها، لكن الشيئ اللافت للنظر أنه بعد تألقها فى دور معين، تجد العين أصابتها وجلست في منزلها سنوات، حتى تغرب عنها العين الخبيثة، وتعود لتألقها مجددا.

“أصيلة أبو القمصان” في “بدون ذكر أسماء

النعجة المليئة بالإنسانية

أبسط مثال على ذلك بعد تألقها في دور “رئيفه هانم الشماشرجي”  في مسلسل “أوراق مصريه” عام 2004 ، وحصولها على ثلاثة جوائز عن دورها فيه، ظلت خمس سنوات حتى قدمت دور”مندهه” المتميز جدا فى مسلسل “الرحايا” للكاتب المبدع “عبدالرحيم كمال”، بعده تمتعنا بأدوار متميزة جدا فى “شيخ العرب همام”، “وادي الملوك”، “بيت الباشا”.

وفى عام 2013 تفاجئنا بـ” الفاجورة” الكبرى أو دورها العبقري مع الكاتب المبدع “وحيد حامد” فى مسلسله الرائع “بدون ذكر أسماء” في دور صعب أن تقبله فنانة إلا إذا كانت مجنونة فن، وتقبل “فريدة” دور “أصيلة أبو القمصان”أو”النعجة” ــ كما يطلق عليها المتسولين – وتزيد وزنها حوالي 35 كيلو جرام لكي تؤدي دور المرأة البدينة التي لاتتحرك من كرسيها وتعتني بالمتسولين، من خلال إيوائهم في المخزن والذي كان مصنعا للحلويات لزوجها المتوفي.

ومن خلال هذا الدور يقدمها المخرج “تامر محسن” فى صورة إنسانية جديدة مشعة اضاءت كل الجوانب التى أخفاها الظل زمنا طويلا من موهبتها المتنوعة، فأطلت علينا ممثلة عملاقة مرهفة الإحساس عميقة التعبير تذكرنا بعمالقة التمثيل الكبار.

طاطا الشخصية المسالمة التلقائية في “حواديت الشانزليزيه”

طاطا التى رفض الجمهور قتلها

لا ينافس  دور “النعجة” غير دورين الأول “زينب العطار” هذه الأم الصعيدة القوية المليئة بالشر، والتى تخطف ابن ابنتها “عيشة” بحجة أن “الأسد متربهوش غزالة”، وقد تجلت “فريدة” فى هذا الدور وصالت وجالت، وأمتعتنا بتمكنها من اللهجة الصعيدية، ومن تمكنها أيضا من تقديم دور الشر بمفهوم مختلف، وجعلتنا نصفق لها، ونحن نشاهدها.

والدور الثاني “طاطا” كفيفة البصر في مسلسل “حواديت الشانزليزيه”، ورغم قصر الدور، وغلى الرغم من تقديم عشرات الممثلين لهذا الدور من قبل وبمساحة أكبر، لكن المعجونة فن “فريدة سيف النصر” تدخل “طاطا” بوتقتها الفنية ليخرج نسيجا من خيوط حريرية متشابكة وملونة تمسك بعنق المتفرج وتلتف حول قلبه وتملأ عينه صورا وخيالات، فكانت “طاطا” بمثابة العمود الفقري لمن حولها من الشخصيات النسائية الأخرى”ريتا – روز- فتنة – فردوس – سعاد” وغيرهن من الرواد والعاملين بفندق “الشانزليه”، كانت كالشمعة التى تضيئ فى آخر لحظاتها بنور وهاج.

ورغم إنها لم تكن تنجب في المسلسل لكنها كانت أما حقيقة أكثر من أي أم أنجبت، ويا روعتك يا “فريدة” وأنتي تحكي حكاية “طاطا” مع زوجها ” يحيي بك” لـ “ريتا” وكيف فقدت بصرها؟!، هذا المشهد قدمته بروعة وشموخ وكبرياء مع مقدرتها اللامتناهية على الحب والعطاء والغفران، لهذا حقق الدور نجاحا جماهيرا كبيرا، وحزن الجميع على قتلها، وتسبب في هجوم حاد من متابعي المسلسل على كاتب العمل  قائلين”مش هنتفرج تاني”.

الحاج أحمد

هذا الالتفاف الجماهيري حول أي دور تقدمه “حوت التمثيل” فريدة سيف النصر، جعل النجوم الأقل موهبة يخشون من ظهورها بشكل كبير فى أعمالهم، ويكفي لمعرفة حجم موهبة هذه الفنانة أن تنظر إلى آخر أعمالها مسلسل “الفتوة” فرغم تقديمها لمشاهد قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة، لكن أصبحت مشاهد “الحاج أحمد” وهى الشخصية الدرامية التى قدمتها حديث كل من شاهد المسلسل، وكان يمكن أن تصبح حديث الشارع المصري لو اكتمل الدور وزادت مساحته، خاصة أن تقديم الشخصية فى أول ظهور لها وبحركات وإيماءات بسيطة من “حوت التمثيل” استطاعت وضع الجمهور في جيبها.

في مرحة الفتوة الفنية

مخرج يخرج الجواهر

الكلام عن” حوت التمثيل”، يتطلب مجلدات للكتابة عن هذه المبدعة الكبيرة، الذي لا ينقصها إلا ورق جيد، ومخرج قادر على اكتشاف كافة الجواهر واللالئ التى تكمن فى أعماقها وإمكاناتها المخبأة التى تتنتظر اليد العارفة التى تلتقطها وتضعها فى إطارها الصحيح، وندعو الله أن يبعد عنها عين الحساد والغيورين!.

الشاعرة فريدة سيف النصر

اليوم من خلال باب  “نجوم لكن أدباء” نكشف عن جانب آخر من جوانبها المضيئة، وهو الفنانة التشكيلية والشاعرة، فعالم “فريدة” الفني كما ذكرت مليئ بالجواهر الثمينة، من هذه الجواهر حبها للشعر وكتابته حيث كتبت العديد من القصائد التى تنشر بعض منها على صفحتها على موقع “الفيس بوك”.

تتميز أشعار” فريدة سيف النصر” بالبساطة وتلقائية التعبير عن كل ما يشغلها ويشغل البسطاء بأسلوب يسهل فهمه واستيعابه، وهو ما يرشحها لو ركزت أكثر فى الكتابة الشعرية بصفة منتظمة لتحقيق مكانة متميزة تجعلها تحلق  فى السماء، خاصة إنها أيضا تجيد الرسم، وبالتالي يمكن أن تعبر برسوماتها عن أفكار قصائدها الشعرية.

مشكلة “فريدة” مثل كثير من الموهوبين خاصة الذين يجمعون بين أكثر من موهبة هى التشتت بين كل تلك المواهب، وبالتالي لا تخلص لأي من هذه المواهب الواضحة عندها، بجوار موهبة التمثيل الأصلية عندها والتى تعتمد عليها فى حياتها اعتمادا كليا، تحظى “طاطا” بحب جماهيرى جارف، فلم تشهد الساحة الفنية المصرية إلا فيما ندر هذه الموهبة المتسعة الأرجاء شعراً ورسماً وغناء وتمثيلاً، وإليكم بعض النماذج من أشعارها باللهجة العامية:

لوحة لبنت البلد تتمتع بنوع من الثراء اللوني

روحي فستاني

ياروح هيمانه قلقانه، فنانه محبوسه في جسد

كمان في الآخر، مش بتاعي وفاني

ياتري انتي ليه بتحسي، بتشوفي ملموسة

ولا ملبوسة ولا عيشتي في جسد غيري زمن تاني

تشوفي ناس ولاشوفتيهم، بس كأنك تعرفيهم وناس

تحبي وناس تبعديهم، وأماكن تقسمي عيشتي

فيها وتفضلي حايره، ومغلباني

ياروحي طلعتي روحي، ويتقال

 شفافيه أو شئ روحاني

 كل اللي عايزه أعرفه

ولو قلعتي يوم جسماني

فستاني الثوب البالي

هاتتلبسي ولاهاتلبسي من

عند مين تاني؟

لمسات سحرية بفرشاة حساسة

……………………………………

البراح

لما تضيق بيك الأرض طول وعرض

وتلقي كله منك راح

وكل خير عملته ماجنيتش منه

غير ألم وجراح

بص فوق للسما الصافيه تلقي

كتييييييييربراح.

صبح، سبح، إحمد، وإدعي للمالك

العليم الرزاق الفتاح

……………………………………

تخيل نفسك طير بص له وافرد

زيه ياللا الجناح.

عيش في دنيا خيال فيها صدق

وحب وأفراح

إبني بيت على السحاب إملاه

أمل وإنشراح

ماتقولش هايبقي مطر وشويه

ويقع ينزاح

ياعم خليك خيالي ريح عقلك

علشان يرتاح

وجوه من زمن فات تحمل قوة وبريقا أخاذا

……………………………………

وأصبر عالرجوع للأرض دي كل

الوجوه أشباح

سلالات كتير اتهجنت فضاع منها

الخير والصلاح

والمصري فين أيام أبويا وجدودي

الصعيدي وبحري وفلاح

الناس ضميرها خلا لسانها سم

وساعة الآذان هه يقولك حي عالفلاح

مع المخرجة إيناس الدغيدي في الجريئة وشيخ الحارة

……………………………………

الأرض دي

مالكش فيها أي شيئ في ثانيه واحدة

تشقلبك ماتشوفش تاني صباح

تصبح تراب وتطيرك شوية رياح

ويطيروك فوق في السما شوف تبقي؟

مش قولت لك خليك باصص

فوق عند السلام الودود

العدل فوق هاتلقي المفتاح

بص فوق قد ماتقدر صدقني

علشان ترتاح..ترتاح

ترتاااااااااح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.