رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمد فاضل .. مبدع الروائع التليفزيونية

رحلة إبداعية تمتد لأكثر من نصف قرن

بقلم : محمد حبوشة

يرتبط مفهوم الابتكار والإبداع عنده بالفعل الدرامي، ويقصد بالابتكار على طريقته في الإخراج استخدام تلك الأساليب الجديدة غير التقليدية التي يقوم بتوظيفها في عمل ما وتطوير تلك الأفكار، ولأن الابتكار من صفاته العقلية التي تعبر عن التغيرات الجوهرية في التفكير لعملية الانتاج سواء في الفن التليفزيوني أو السينمائي، ويقصد بذلك التغيير الجوهري في التفكير لديه في أثناء العمل على تحويل المكتوب إلى مرئي، ما يجعل  الشكل النهائي للعمل الفني عنده يتلخص في تلك الفكرة، وهذه الفكرة التي يصوغ معناها عن طريق المتتالية الحاضنة للمشاهد التي تكونها لقطات الكاميرا التي أفني أكثر من نصف قرن من الزمان خلفها باحثا عن الجوهر الأساسي في العمل الدرامي الأكثر إبهار وإثارة وتشويق من حيث الشكل والمضمون معا، وفوق ذلك أن يكون وراء هذا العمل رسالة إنسانية تغلفه.

إنه مخرج الروائع الدرامية التليفزيونية المبهرة (محمد فاضل)، والذي يعد علامة فارقة في حياة الشاشة الفضية المصرية على مدار تاريخها الحديث، حيث جمع بين المعرفة والابداع والابتكار، وربما كان ذلك نابع من أن العملية الابداعية عنده تحتاج بدون شك إلى قدر كاف ومعقول من المعرفة في الموضوع الذي يقع عليه التفكير، فالفنان والفيلسوف والعالم قبل أن يتمكن من تحويل المشاعر والأحاسيس إلى عمل إبداعي، يعيش من قبل قدرا من التجارب والخبرات المتمثلة في المعرفة، وبدونها لن يكون هناك ما يمكن الإبداع فيه، لكن مخرجنا الكبير استطاع أن يحرك الكاميرا بعين واعية وعقل مفكر مستنير وزاخر بالمعرفة، فجاءت كل أعماله بمداد من الدراما فائقة الجودة على مستوى المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن نبض الشارع والحياة في انحياز كامل للمواطن المصري الذي يعيش هموم ومشاكل هذا الوطن.

علامة فارقة في حياة الشاشة الفضية المصرية

محطة مهمة في الدراما

ولا يمثل المخرج الكبير (محمد فاضل) محطة مهمة وغنية في مسيرة الدراما المصرية فحسب، بل هو أحد أبرز مخرجى الدراما على مدى تاريخها من مرحلة النشأة، ومرورا بمراحل التطور والتكوين، وصولا إلى عصر نهضتها الحديثة على مستوى التقنيات المستخدمة، كما استخدمها في آخر أعماله (السائرون نياما 2010، ويأتى النهار،2012، وربيع الغضب 2013)، وذلك بحكم أنه كان على رأس الجيل الثانى بعد جيل نور الدمرداش، ومن أوائل مخرجى الدراما في رمضان، وخلال رحلة ليست بالقصيرة تنوعت مسيرته بين الدراما والسينما والدراما الإذاعية، وكانت الغلبة في مسيرته للدراما التليفزيونية التي برع فيها وكون مدرسة خاصة به تستطيع أن تميزه من بين الأجيال التي عملت في الدراما المصرية.

ولعل رحلته الإبداعية الممتدة لأكثر من نصف قرن تتميز بتعاونه مع كبار نجوم عصره والعصر السابق عليه، كما تعاون مع كبار كتاب الدراما والسينما، حتى كانت تلك المسيرة أشبه بمنصة فنية انطلق منها فنانون شباب صاروا من أبرز النجوم في السينما والدراما والمسرح، وذلك بفضل لمساته الإخراجية الفارقة على الشاشة، ومن هؤلاء نور الشريف وعادل إمام ويحيى الفخرانى وفاروق الفيشاوى، حتى يمكننا القول براحة تامة أن (محمد فاضل) هو أحد أقطاب الدراما التليفزيونية، بل هو أحد مؤسسيها منذ نهاية الستينيات وحتى بداية الألفية الثالثة.

ولد المخرج الكبير(محمد فاضل) بالإسكندرية، وتخرج في كلية (الزراعة)، وهي الكلية التي أشتهرت بدراسة العديد من الفنانين بها مثل: (عادل إمام، صلاح السعدني، محمود عبدالعزيز، محسنة توفيق)، لكنه من قبلها في المرحلة الثانوية كون فرقة مسرحية مع مجموعة من زملاءه وكانوا يعرضون أعمالهم في الملاجئ، وأثناء دراسته الجامعية كان يأتى زكى طليمات ليدرس لهم المسرح والأداء قبل حفلات منتخب جامعة الإسكندرية، وكان ذلك من خلال حفلة سنوية تقام في ختام أسبوع شباب الجامعات، وهى مسابقة مهمة بين الجامعات يحضرها رئيس الجمهورية، وطليمات كان يوفد أساتذة ليدرسوا لهم قبل بدء المسابقة، وكان منهم حمدى غيث ودرينى خشبة ونور الدمرداش والدكتورمحمد مندور وعبدالرحيم الزرقانى ومنار أبوهيف ونبيل الألفى ومحمود مرسى.

فضل نور الدمراش عليه

وكان نور الدمرداش هو الذي سيخرج العمل الخاص بمنتخب جامعة الإسكندرية عام 1956، وتعرف إليه بعد أن خاض اختبارا فنيا وثقافيا، وكان يتطلع وقتها للإخراج وليس التمثيل فعمل معه مساعدا ومنذ ذلك الحين لم تنقطع علاقتهما، وفى السنة الرابعة كونا فرقة مسرحية خاصة اسمها ( فرقة المسرح الحديث بالإسكندرية)، وكان اشتراكها 20 جنيها، وحصل على مكتب وعمل موسما صيفيا لهذه الفرقة، وكانت تضم محمد غنيم منافسه آنذاك، وسيد عبدالكريم ومدحت مرسى وسميرغانم وسميرة عبدالعزيز وغيرهم، وكان يقدم عروضا احترافية أصقلت خبرته بالمسرح الاحترافى، لكن  فترات حياته بعد التخرج من زراعة الأسكندرية كانت صعبة، وخاصة البدايات، لأنه كان موظفا بوزارة الزراعة، وفي نفس الوقت قرر العمل في التلفزيون بالقطعة، ولم يكن معينًا في ذلك الوقت، واضطر للانقطاع عن العمل في كلية الزراعة حتى يتم الاستغاء عنه من جانبها، لأنه في هذا الوقت لم تكن استقالة الزراعيين والمهندسين والأطباء مقبولة لظروف أمر التكليف.

ظل (محمد فاضل) يعمل بالقطعة كمساعد مخرج حتى جاءه تلغرافا من نور الدمرداش يطلب منه الحضور على الفور، لأن هناك اختبارات لمسرح التليفزيون، وذهب وخضع للاختبار، وكان التوفيق حليفه بفضل الخبرة السابقة، وظل يعمل مساعد مخرج، مقابل 20 جنيهًا فضلا عن أجره كمساعد مخرج بالقطعة مع نور الدمرداش في مسلسله (هارب من الأيام وخيال المآتة وكليوباترا في خان الخليلى)، وكان الذين يخرجون مسلسلات للتليفزيون أربعة أو خمسة فقط وهم (إبراهيم الصحن ونورالدمرداش ويوسف مرزوق وحمادة عبدالوهاب)، ولكى تكون مخرجا ومعتمدا كان يتعين إخراج عمل درامى مدتة نص ساعة وفى عام 1964 أخرج عملا بعنوان (والله عال) تأليف سيد موسى، ولم تكن هناك رقابة بالمعنى الذي عرف في أيام جمال عبدالناصر – حسبما يقول فاضل – كانت هناك إدارة مراجعة النصوص بدليل أنها رفضت هذا العمل، وكان إبراهيم الصحن مراقب التمثيليات وكنت عرضت عليه هذا العمل وقال لى ليه يا محمد ما تشوف عمل تانى قلت له إنه عاجبنى جدا قال لى خلاص روح اخرجه، وأخرجته ولم يمنعنى أو يمنعنى أحد.

انحياز كامل للمواطن المصري

كيف يصنع الناس الديكتاتور

بعد فشل تلك التجربة توجه (فاضل)  بدءا من عام 1965 للسهرات التي مدتها ساعة ونصف وأخرجت سهرة بعنوان (شرخ في جدار الخوف) قصة محمد صدقى سيناريو وحوار عاصم توفيق، وتقول كيف يصنع الناس الديكتاتور، ولم يمنعها أحد، ثم أخرج سهرة أخرى مأخوذة عن عمل لنجيب محفوظ، وكانت بعنوان (حلم)، وكان موضوعها ينتقد القوانين الاشتراكية وإشراك العمال في مجلس الإدارة باعتبارها ضحكا على الدقون، وكانت بطولة أستاذه نور الدمرداش، وشارك فيها محمود المليجى وعبدالله غيث، وكان هؤلاء الكبار والقمم يحترمون كلمة المخرج حتى لو كان تلميذا لهم، ثم كانت سهرة (أبوذر الغفارى) تأليف مصطفى كامل عام 1966، ذلك الذي قال: (عجبت لمن لم يجد قوت يومه، لمَ لا يخرج على الناس شاهرا سيفه)، وإذا بوزير الإعلام الأستاذ محمد فائق يستدعيه إلى مكتبه، ويعطيه خطابا مفاده أن الرئيس عبدالناصر قرر منحه مكافأة 100 جنيه ومنحة إلى ألمانيا مكافأة على جودة هذا العمل.

كانت أول أعماله الدرامية الاحترافية المسلسل الشهير (القاهرة والناس)، الذي بدأ في عام 1967، وانتهى في 1972، والذى لاقي نجاحاً كبيرا عند عرضه، ثم كون ثنائيا فنيا مع العظيم الراحل (أسامه انور عكاشه) فقدما معا عدة مسلسلات منها: (وقال البحر) 1982، (أبو العلا البشري) بجزئيه 1985 – 1996، (عصفور النار) 1987، (الراية البيضا) 1988، (أنا وأنت وبابا في المشمش) 1989، (النوة) 1991، ولم يقتصر عمل محمد فاضل على التليفزيون فحسب، بل امتد عمله إلى السينما أيضا، فقدم عدة أفلام منها: (شقة في وسط البلد) 1975، (حب في الزنزانة) 1983، (ناصر 56) 1996، (كوكب الشرق) 1999.

شقة في وسط البلد
كوكب الشرق
ناصر 56
حب في الزنزانة

هذا ويعد المخرج الكبير (محمد فاضل)، أحد الأضلاع الرئيسية الفاعلة فى دراما رمضان منذ نهاية الستينات وحتى بداية الألفية الثانية، فقد استطاع بعقله الهادئ وحماس الشباب الذي يلازمه حتى الآن، أن يكون أحد أهم مخرجى جيله، من خلال عدد كبير من الأعمال التى شكلت ملامح الدراما المصرية في النصف الأخير من القرن العشرين، ورغم أن بداياته كانت من خلال السهرات التليفزيونية والسباعيات التى كان ينتجها التليفزيون، لكنه أثبت نفسه بعد 3 سنوات فقط من إخراج الأعمال الصغيرة، وأصبح أصغر مخرج مسلسلات وأفلام، وأقنع بحنكته جيل العظماء كيوسف وهبى وهدى سلطان، فيما كانت العلامة البارزة فى مشواره الفنى “مسلسل أبوالعلا البشرى” الذى ألّفه الكاتب الكبير الراحل أسامة أنور عكاشة.

القاهرة والناس
الراية البيضا
عصفور النار
النوة
وقال البحر

ذكريات لا تحصى في رمضان

ذكريات (محمد فاضل) مع رمضان لا تحصى ولا تعد، فمنذ بداياته وأعماله ارتبطت برمضان، وذلك جراء أنه ارتبط باللوكيشن واستوديوهات ماسبيرو منذ صغره، وكان أول عمل درامى لى مسلسل (نوادر جحا المصرى) وكان عبارة عن سبع حلقات، وكان مختلفاً عن الذى قدمه (يسرى الجندى) بعد ذلك، وكان يلعب بطولته كل من عبدالمنعم مدبولى ويوسف شعبان، وكان المفارقات المذهلة في هذا المسلسل أنه أول عمل فنى يغنى به عبدالمنعم مدبولى، حيث يتذكر “فاضل” واقعة طريفة من جانب الموسيقار محمود الشريف الذى رفض التلحين فى بداية الأمر لعبدالمنعم مدبولى، لأنه كان مقتنعا أن الممثل ليس له علاقة بالغناء مطلقا، لكنى أقنعته بعد ذلك أن الغناء سيكون فى الإطار الدرامى فقط، وبالفعل لحن وقتها أغانى المسلسل وكانت من كلمات الشاعر سيد حجاب.

بعد ذلك أكمل (محمد فاضل) إخراج مسلسلات السبع حلقات، فقدم عادل إمام للمرة الأولى فى الدراما من خلال مسلسل (الفنان والهندسة) الذى أنتج عام 1969، وبعد ذلك قدم سباعية أخرى مع عادل إمام بعنوان (الرجل والدخان)، وشاركته البطولة ليلى طاهر، وكان (إمام) يتقاضى فى تلك الأعمال راتباً من التليفزيون 12 جنيها فى الحلقة، وذلك الأمر غير معروف لدى البعض، فالجميع يعرف أن عادل إمام قدم مسلسلين فقط وهما (أحلام الفتى الطائر، ودموع فى عيون وقحة)، وبمناسبة العمل مع عادل إمام، يتذكر (فاضل) أنه في كواليس (أحلام الفتى الطائر) اتفق معه على حركة يده فى المسلسل فاشتهر وقتها بها وبدأ الجمهور يقلدها فى الشوارع.

أحلام الفتى الطائر

لكن مسلسل (أبنائى الأعزاء شكرا) يعد من المسلسلات المهمة للغاية في حياة محمد فاضل الإخراجية، وأثرت فى الدراما وقتها، وهنا حادثة لابد أن تذكر وهى اعتذار خالد زكى عن المسلسل وقتها، لأنه كان مرتبطاً بأدوار الفتى البرىء، والدور المعروض عليه كان به شر وتمرد، فخشى من رد فعل الجمهور، وتم إسناد الدور وقتها لفاروق الفيشاوى، وكان أول دور كبير له فى الدراما، ويتذكر (فاضل) أنه طوال مسلسل “أبنائى الأعزاء شكراً” كواليس العمل قائلا: كنا نفطر سوياً فى التليفزيون، وكان التصوير طوال شهر رمضان، فأتذكر أن رمضان جاء وقتها 29 يوماً، فانتهينا من التصوير وقتها أول أيام عيد الفطر، وبالمناسبة المسلسل من تأليف عصام الجمبلاطى ولي كما أشيع أنه من تأليف أسامة أنور عكاشة.

يوسف وهبى يمثل أمامه

ومن اللحظات التي لاينساها فاضل في دفتر ذكرياته العامر بالحكايات أن الفنان الكبير الأب الروحي للمسرح المصري “يوسف وهبى” قدم معه آخر أعماله وهو على كرسى متحرك فى مسلسل “صيام صيام”، وكان يلعب دور مريض فى العمل، وكان يتنقل على كرسى متحرك، وتوفى بعد العمل مباشرة، وكان العمل أول بطولة مطلقة ليحيى الفخرانى، كما قدم (فاضل) فى دراما رمضان عدداً من الفنانين لأول مرة أمام شاشة التليفزيون، ومنهم هدى سلطان فى مسلسل (نجم الموسم) مع محمد رضا، وأقنعها بعد كثير من الوقت، خاصة أنها كانت مجذوبة للنص، وقدم أيضا محمود مرسى فى الدراما لأول مرة من خلال مسلسل (القاهرة والناس)، ومن المفارقات أن من كان سيقوم ببطولة المسلسل فؤاد المهندس بدلاً من محمود مرسى، وبالفعل قام وقتها فؤاد المهندس ببروفات العمل، لكنه اعتذر لأنه خاف من تجربة المسلسلات لأنه لم يقدمها من قبل، ووقتها كان لا يوجد مونتاج مثل الآن.

ومن أجمل الأعمال الاجتماعية التي قام بإخراجها (محمد فاضل)  مسلسل (أخو البنات) لمحمود ياسين، وكان إنتاجا مشتركاً بين التليفزيون المصرى وإحدى الشركات الخاصة، وكان أول عمل يصور فى أمريكا، وتم تصويره هناك وقتها في أسبوعين فقط، أما عن الأجر، فيقول المخرج الكبير: إنه عندما كنت أقدم السباعيات كنت وقتها موظفاً فى التليفزيون وكنت أتقاضى راتباً شهرياً 17 جنيها، بعد خصم 25% بدل طبيعة عمل، وأتذكر أننى فى مسلسل (القاهرة والناس) عملت 80 حلقة وكان راتبى فى الحلقة 4 جنيهات، ونور الشريف فى (القاهرة والناس) كان يتقاضى 12 جنيها لأنه كان خريج المعهد، ومحمود المليجى كان يتقاضى 40 جنيها، لأنه الأقدم والأكثر خبرة.

ومن مآثر المخرج الكبير (محمد فاضل) التي ينبغي أن تذكر في هذا (البروفايل) أنه يكره الألقاب ويراها تستند إلى المجاملة حاليا، مؤكدا على أن حق الأستاذية والنجومية مقدس لا يجوز منحه لكل من (هب ودب)، بل لمن أضاف لمجال الفن، مطالبا بإعادة النظر في تشكيل لجان جوائز الدولة في الفنون، فلا بد أن تكون اللجان على شاكلة جوائز الدولة في العلوم لكى يصيبها التطوير، ووصف معظم المسلسلات التى قدمت خلال الـ 10 سنوات الماضية بـ(قزقزة اللب)، وما تبقى منها سوى القشور، لافتا إلى أن الدراما مؤخرًا صدّرت نموذجا كارثيا للبطل الذى يأخذ حقه بيده دون احترام للقانون، وخلال الخمس سنوات الماضية هنالك كمية ضرب وقتل ودماء رهيبة تسكب في مسلسلات رمضان بالإضافة أن الدراما طرحت فكرا غريبا وهى عدم خلو البيوت المصرية من المدافع والمسدسات، وهذا غير حقيقى ولقد أجريت إحصائية على معظم أقاربى هل تحتفظون بمسدسات وأسلحة داخل بيوتكم فكانت الإجابة لا فمن أين أتت كل هذه الأسلحة؟.

الابتكار من صفاته العقلية

الهدف الأساسى من التليفزيون

ويرفض المخرج الكبير الرأى الذى يقول لديك ريموت كنترول لتغير القناة وتمتلك حرية الاختيار، فهذا ليس بصحيح فحرية الاختيار أصبحت غير موجودة نتيجة احتكار الإنتاج، فعلينا – بحسب قوله – أن ندرك الهدف الأساسى من إنشاء التليفزيون هو العلاقة المباشرة بين الوطن والناس، فقديما كانت العلاقة من خلال المنادى لنقل الأخبار بجملة (اسمعوا وعوا)، ثم الراديو، ثم التليفزيون، ليصبح فردا من أفراد الأسرة، وقصة أن هناك عددا كبيرا يتابع اليوتيوب والمنصات والتريندات هى المؤشر على نجاح العمل والنجم فكرة كاذبة، فالتريندات خدعة كبيرة، وأعرف شركة في الهند تمنح اللايكات والتريندات مقابل مبالغ مالية، ما لم يكن لدينا جهاز قياس رأى عام علمى فلا أحد يستطيع أن يقنعنى بنجاح العمل، ولا يوجد حتى الآن في مصر جهاز قياس رأى عام علمي.

وأشار (فاضل) العمل الناجح هو الذى يعيش لمدة 30 عاما، وتظل الجماهير تتذكر نجومه وأبطاله وتفاصيله، وعندما تشاهده في كل مرة كأنك تراه للمرة الأولى مثل (رأفت الهجان، والمال والبنون، وليالى الحلمية) وغيرها، هذا هو التقييم الحقيقي، فمنذ سنة 2011 إلى الآن مرت 9 سنوات أنتج خلالها ما يقرب من 30 مسلسلا كل سنة بمتوسط 200 عمل درامى تقريبا، ولو أجرينا اختبارا للمشاهدين أن يحددوا أسماء 10 مسلسلات بأبطالها، فلن يتذكروا سوى القليل، وهذا ليس معناه أن كل ما عرض سيىء، ولكن تلك الفترة مسلسلاتها مثل “قزقزة اللب”، تناولها المشاهد ولم يتبق منها سوى القشر، فبقاء العمل مرتبط بعوامل كثيرة على رأسها القضية التى تهم المواطن، وتحدث داخل أسرتهم وعند أقاربهم وجيرانهم.

مؤامرة على الدراما المصرية

وبحكم تجربته العريضة التي تزيد عن 55 عاما ينهي المخرج الكبير (محمد فاضل) كلامه قائلا : أنا مقتنع أن هذه مؤامرة يشترك فيها البعض بشكل مباشر والبعض الآخر بشكل غير مباشر، ولا يدرى أنه يتم سحبه إلى منطقه معينة، بحيث تكون الدراما بعيدة عن المشروعات التى تحدث في مصر، ما نشاهده من تنمية لا بد أن يترجم من خلال الدراما بما يسمى (الجماعى للمواطنين)، فكيف نعرض مسلسل بعد منتصف الليل، كله ضرب ودماء ومطلوب من المواطن الذهاب لعمله لينتج، الدراما الناجحة هى التى تؤثر على المزاج الجماعى وتجعل المشاهد يحقق المطلوب منه بشكل غير مباشر، لكن للأسف طوال السنوات الماضية ما نشاهده أن الدراما تجعل المشاهد متوترا وحاقدا طوال الوقت، يرى الممثلين ساكنى الفيلات والقصور، ويمتلكون كلابا للحراسة وسيارات فارهة، وهذه ليست الحياة التى يعيشها معظم المصريين، وبالتالى أنت توجه الشباب بشكل غير مباشر، وتقول له لكى تمتلك كل ذلك عليك أن تنصب وتغش وتتاجر في السلاح والمخدرات، وليس هذا النموذج الذى من المفترض طرحه، ثم نطالب الشباب بالذهاب إلى الصحراء ليستصلح الأراضى ويستخرج البترول بأى منطق؟، الدراما دورها خطير في توجيه المزاج الجماعى للمواطنين، وماسبيرو في عصره الذهبى وجه المجتمع بأعمال مهمة خالدة في الوجدان .. ونحن بدورنا نقول له معك كل الحق أيها الرائد الإخراجي العظيم ودمت لنا مبدعا لايشق له غبار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.