رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

سامي فريد يكتب : أعلنت الجمهورية المصرية .. فغنى حليم !

بقلم الأديب الكبير : سامي فريد

حكايه الطفل اليتيم (عبد الحليم شبانة) حكايه من صنع الله.. بدأت بالحرمان من حنان الأم فاحبته مصر كلها واحبه العرب..

ومع الحرمان كان اللهاث حالفه مشقة يومه في قطارات السكك الحديديه إلى طنطا ثم إلى المحله وأخيرا إلى مدرسه (بنباقادن) في نهاية شارع محمد علي قريبا من مسجد الرفاعي.

عن تلك المرحله من عمره يقول عبد الحليم شبانة: إنها كانت أصعب مرحلة في عمره، لم يكن يعرف فيها طعم الراحه ولا أحس أنه كان نفسه التي يعرفها.

أما مدرسه (بنباقادن) فكانت هى نهايه المشوار عندما دخل إلى الفصل الذي سيقوم بالتدريس فيه فوجد أنه كان أصغر من أصغر تلميذ في الفصل.. ووسط جو الشغب والفوضى لم يجد عبد الحليم حلا سوى أن يكون واحد منهم.. يهرج مثلهم ويغني لهم حتى اتخذ قراره الغريب بأن ينقطع عن التدريس هكذا دون سابق إنذار.

انقطع عبد الحليم ولمده شهرين متتالين عن المدرسه وبدون إجازه رسميه وعاد إلى شقه شقيقه (إسماعيل) في السيده زينب يساعده في أعمال المطبخ وإعداد الطعام ويذهب إلى معهد الموسيقى ليلتقي بزملاء الأمس (حسين حنيدق وأحمد فؤاد حسن وكمال الطويل) يشكو لهم ما أصابه من التدريس الذي كاد أن يقتله، حتى فوجئ ذات يوم برسالة حكوميه تصل إليه على عنوان شقيقه (إسماعيل شبانة) تطالبه فيه بموعد محدد لمقابلة وزير المعارف معالي (أحمد بيك نجيب هاشم).

عبد الحليم حافظ .. مطرب الجمهورية الجديدة

وفي الوقت المحدد كان (عبد الحليم شبانة) يقف أمام وزير المعارف يجيب عن أسئلته.

نظر الوزير إلى المذكرة المكتوبه أمامه ثم قال:

إزاي انت (يا عبد الحليم افندي) تنقطع عن دروسك كده بدون إجازه رسمية من رئيسك أو أي مسؤول عنك أو أي عذر تقدمه؟!

وأجابه (عبد الحليم) وكل الأسى على وجهه:

يا فندم زهقت.. مليت.. ده عمل مش بتاعي.. مش أنا.. أنا مش مدرس أنا فنان.. وبعدين دول تلامذة أكبر مني.. كلهم بشنبات… كلهم فوضى.. شيء مقرف!

قال الوزير وغضبه يزداد:

انت ازاي يا أفندي بتكلمني باللهجه دي.. انت ناسي إني أنا الوزير؟.. يعني مش عاوز نسوي لك حكايتك وترجع للتدريس ثاني؟!

وقال عبد الحليم بثبات اندهش هو نفسه له:

يا أفندي دي وظيفة ما لهاش ملامح.. اللي بنقوله امبارح هو اللي بنقوله بكرة ولا أحد يسمع ولا أحد بيفهم!

رد الوزير وقد تملكه الغضب:

يعني انت عاوز تسيب وزاره المعارف؟!

أيوه يا.. يا ريت!

طب تفضل من قدامي.. انت مرفود.. مفصول.. مطرود.

انت واحد قليل الأدب وردودك سخيفة.. اتفضل امشي مش عاوز أشوف وشك هنا ثاني..

وأجابه عبد الحليم والابتسامه تملا وجهه:

أهو ده كويس.. أنا دلوقت ارتحت.. تفضل بره!!

غادر عبد الحليم مكتب الوزير وقد أحس أن حملا ثقيلا قد ازاح عن كاهله فتنفس لأول مرة في حرية.

ليعلم بعد ذلك أنه كان من خريجي هذه المدرسه (رأفت فهيم – فوت علينا بكره يا سيد) ثم (أنا الزعيم) عادل امام.

وعاد عبد الحليم إلى (معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية) يسأل زملاء الأمس ماذا يفعل؟

وقال كمال الطويل:

انت مش كنت آلاتي.. اسمع أنا ممكن أشركك في أوركسترا زميلك ودفعتك (أحمد فؤاد حسن) وتبقى عازف أوبرا في الفرقه..

ثم واصل كمال الطويل:

لكن انت صوتك حلو يا حليم.. ما تقدم الامتحان للجنه الاستماع وان نجحت بقيت مطرب.

وتقدم عبد الحليم إلى لجنه الاستماع وكانت تضم (أحمد رامي ومدحت عاصم ومحمد حسن الشجاعي) وغنى عبد الحليم فقال أحد أعضاء اللجنه:

يا ابني انت أدائك حلو.. بس تغني خواجاتي.. احنا عايزين نسمع غناء شرقي.

وقال عبد الحليم:

بس دي أغنيه للأستاذ عبد الوهاب.

ايوه احنا عارفين.. بس هو عبد الوهاب.. غنى كل حاجه لكن انت مين؟!

وشكى عبد الحليم ما حدث لكمال الطويل الذي نصحه بأن يختار أغنيه أخرى لكن اللجنة أصرت على رفضه متعللة بأن الأغنيه بلا (قافله).

قال كمال الطويل:

ولا يهمك أنا ممكن أشوفلك في أي برنامج كلمتين تغنيهم لحين ما ربنا يوفق وتبقى مطرب قد الدنيا.. ولا تزعل..

يوسف وهبي

وفي العيد الثاني للثورة استمع (وجيه أباظة) مدير الشؤون المعنويه للقوات المسلحه إلى صوت عبد الحليم فأعجبه فاعطى اسمه للأستاذ (يوسف وهبي) منسق الحفل ليضعه مع من سيشتركون في الحفل… وقد تم تحديد الوقت واقتربوا من الساعة الحاديه عشر دون أن يغني عبد الحليم فسأل عبد الوهاب من سيغني؟

وسأل يوسف وهبي (حليم) انت اسمك ايه؟

فقال له عبد الحليم حافظ..

أيوه يعني هتغني ولا هتقول منولوج ولا هتعمل ايه؟

قال عبد الحليم: راح أغني.

وراح (يوسف وهبي) يبحث عن اسم (عبد الحليم) بين المطربين حتى وجد ان موعد اغنيته هو الواحدة والنصف صباحا، فقال عبد الحليم بثبات لا يعرف من أين جاءه.

لا.. أنا حاغني الساعه 12 بالليل مش هاغني الساعه 1:30 دي أبدا.

واندهش ابو حجاج فقال:

دي مسالة محتاجه مذكره تفسيريه… يعني انت لو ما غنتش الساعه 12 الناس دي كلها هتمشي؟!

لا.. لكن أنا اللي هامشي.

للدرجه دي؟!

وفي كواليس حديقه الأندلس كان الجميع حول الراديو ينتظرون الأخبار حتى تفاجئهم الراديو بإلغاء الملكيه وتشكيل مجلس الوصايا على العرش وإعلان قيام الجمهوريه برئاسه اللواء محمد نجيب.

وقال يوسف وهبي:

اسمع يا ابني… أنا معجب جدا بقرارك ده لأن الفنان لازم يكون عنده ثقه في نفسه وإلا هيبقى أي كلام.

ثم أضاف:

عبد الحليم وكمال الطويل صديق العمر

انت خلاص هتغني الساعه 12:00 وأنا هاقدمك أول مطرب للجمهوريه الجديدة.

وغنى عبد الحليم حافظ (صافيني مرة) فاستقبله الجمهور استقبالا رائعا في العهد الجديد.. وسال فؤاد حسن: وبعد الموجي هتغني ايه يا عبد الحليم فقال عبد الحليم: (على قد الشوق) طبعا بتاعه كمال الطويل فكانت هيىمفتاح نجومي عبد الحليم.

ثم بدأت رحلة السينما بفيلم (لحن الوفاء) من إنتاج أفلام عبد الوهاب الذي انتبه لصوت حليم ثم بعده (بنات اليوم) ثم (أيامنا الحلوة، شارع الحب، البنات والصيف)، وشارك عبد الحليم نجوما ونجمات مثل (سراج منير، فاتن حمامة، مريم فخر الدين، ماجدة الصباحي، عمر الشريف، أحمد رمزي) وسار حليم صديقا للملوك (الحسن الثاني وعبد الله ملك الاردن).

حتى جاءته الدعوة من الجالية العربيه في مدريد ليغني لها هناك، وذهب عبد الحليم ليفاجئ بأن (أحمد بيك نجيب هاشم) سفيرا لمصر في مدريد يجلس في الصف الأمامي باعتباره السفير..

وتبادل الاثنان النظرات، وقال عبد الحليم لنفسه: (سبحان الله ده اللي طردني امبارح ومن يعرف الدنيا لسه مخبية لنا ايه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.