رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

رجاء حسين الموهوبة التى رحلت دون أن تفجر كل طاقتها الفنية

كتب : أحمد السماحي

شيع أمس جثمان الفنانة الكبيرة (رجاء حسين) من مسجد الشرطة، إذ توفيت عن عمر يناهز ٨٥ عاما، إثر أزمة صحية أدخلتها المستشفى، لينعاها جمهورها وكثير من زملائها على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وبرحيلها نفتقد أيقونة من أيقونات زمن الفن الجميل التى حفرت اسمها بحروف من ذهب في سجل الفن المصري، ورغم أنها لم تقدم أدوار البطولة المطلقة، ورغم أنها لم تفجر كل طاقاتها الفنية!، إلا أنها تركت بصماتها القوية على الأعمال التي شاركت فيها من خلال أدائها المميز، وأسلوبها التلقائي البسيط الذي جعلها قريبة من الجمهور، خاصة وأن الأعمال التى قدمتها تمتعت بجماهيرية كبيرة لما حققته من نجاح.

رجاء حسين بين وائل نور وجيهان نصر

علامات على الطريق

لو حاولنا في هذا التقرير استعراض بعض الأدوار التى عبرت عنها (رجاء حسين) ولا نقول إنها قامت بتمثيلها سنجد أننا أمام عالم هائل وحافل بالشخصيات المتنوعة المتناقضة التى حققت فيها إندماجا مدروسا تحتفظ في خلفيتها الذهنية بهامش يقظ يلهمها موتيفات حركية وصوتية معينة تتكئ بها على الجوانب السلبية المرفوضة في الشخصية التى تؤديها وكأنها تضع تحتها خطا ثقيلا تنبهك به إلى هذه المنطقة الشائهة في الشخصية.

رجاء حسين في شخصية (عوالي)

عوالي ونعيمة وإحسان

لعل أبرز مثال على ما سبق وذكرناه دورها البديع لشخصية (عوالي) في مسلسل (مارد الجبل) بطولة نور الشريف، وإخراج أستاذها نور الدمرداش، هذه السيدة التى تفشي وتنشر أسرار بيوت النجع، لهذا أخذت عقابها في نهاية الحلقات وتم قطع لسانها.

ودور (نعيمة) الوفية المخلصة المحبة بكل ذرة في كيانها لفتى أحلامها وحب صباها (إبراهيم الطائر)، في رائعة الكاتب وحيد حامد، والمخرج محمد فاضل (أحلام الفتى الطائر).

ولا أحد منا يستطيع أن ينسى دور (الست إحسان) في رائعة الكاتب أسامة أنور عكاشة، والمخرج إسماعيل عبدالحافظ (الشهد والدموع)، التى مرت بمراحل عديدة في الشخصية بداية من الشباب ثم العنوسة، ثم الزواج من أول وآخر طارق دق بابها وهو زوجها (عبدالبديع) الذي كان خادما لها أكثر من زوج، ولا يناديها إلا بـ (الست إحسان) احتراماً لها، وكذلك نظراً لعلاقة المودة الكبيرة بينهما ضمن أحداث المسلسل، وفي كل هذه المراحل عبرت (رجاء) بصدق عن مشاعر كل مرحلة بسلبياتها وإيجابياتها  في الجزئين، حتى تصالحت مع نفسها، وتتطهرت في نهاية الحلقات وحاولت لم شمل أسرتها المفككة.

مع هند صبري وأحمد فؤاد سليم وطارق الأبياري وسوسن بدر في (عايزه اتجوز)

واحة الغروب والمال والبنون

الأدوار القليلة التى ذكرناها هى بعض العلامات التى قدمتها في التليفزيون، كما قدمت غيرها في مسلسلات مثل (واحة الغروب، عايزة أتجوز، حكايات وبنعيشها، قمر، أزهار، الليل والقمر، السيرة العاشورية، لدواعي أمنية، الكومي، زيزينيا، المال والبنون، أشواك الحب، تعالى نحلم ببكره، زهور شتوية، يا ورد مين يشتريك، سوق الخضار، حكايات المدندش، نافذة على العالم) وغيرها.

(سنية) التى احترفت الدعارة في (أريد حلا)

سنية وجمالات

إذا انتقلنا إلى السينما ستقابلنا على الفور (سنية) إحدى النساء المعذبات في فيلم (أريد حلا) التى تحركت كاميرا المخرج (سعيد مرزوق) بسرعة خاطفة في رحلة سعي (درية / فاتن حمامة) للحصول على الطلاق لتنقل لنا عشرات الوجوه لنساء فقيرات ومتشحات بالسواد ومن بينهن (سنية) هذه السيدة الفقيرة المنهكة التى تبدو على وجوهها علامات القهر والظلم والتى يطلقها زوجها حتى يتزوج من أخرى، وهى معدمة ومعها أولادها ويستغل ظروفها هذا (قواد) ويجعلها تحترف البغاء كما ظهرت في نهاية الفيلم.

والشخصية الثانية التى جسدتها بشكل تلقائي وطبيعي للغاية شخصية (جمالات) شقيقة (نعمت / فاتن حمامة) في فيلم (أفواه وأرانب) التى تشبه الأرانب في إنجابها الكثير مما يجعلها تعاني من الفقر هى وزوجها.

(لواحظ) في فيلم (عودة الإبن الضال)

محطة يوسف شاهين

كما قدمت خمس أفلام مع المخرج يوسف شاهين في أدوار لفتت الانتباه والأنظار إلى موهبتها فهي (زبيدة) المرأة الصعيدية في فيلم (العصفور)، وهى (لواحظ) زوجة حسونة في (عودة الإبن الضال)، فضلا عن مشاركتها في (إسكندرية ليه، وحدوتة مصرية، وإسكندرية كمان وكمان)، هذا غير أفلام البدايات مثل (التلميذة، ملكة الليل، الشوارع الخلفية، الدخيل، الخرساء) وغيرها.

رجاء حسين في مسلسل (المال والبنون)

الفرافير وسكة السلامة والسبنسة

كان أداؤها في أدوارها المسرحية استيلاء للشخصية بكل معنى الكلمة، فكل دور من الأدوار التى قامت بأدائها تتمخض عنه طوال التدريبات، تلده على خشبة المسرح ليلة الافتتاح، تكتب شهادة ميلاده في الليلة التالية، وتظل تربيه وتنميه من ليلة لأخرى حتى يصير حضورا إنسانيا كاملا أوضح وأعمق وأكثر تجذرا في الواقع وثباتا على أرض الحياة من شخصيات كثيرة تجلس في قاعة العرض، فالشخصية التى تؤديها (رجاء حسين) تصبح حقيقة واقعية في الحياة تتمتع بعلاقات قوية مع كافة البشر الذين تعرفوا عليها في أي ليلة من ليالي العرض المسرحي.

ومن أهم العروض المسرحية التى قدمتها (الناس اللي فوق، بير السلم، الفرافير، سكة السلامة، كوبري الناموس، عيلة الدوغري، السبنسة، المحروسة، بداية ونهاية، الجسر) وغيرها.

رحم الله (رجاء حسين) التى ظهرت في عصر فاتنات السينما، فوقع عليها ظلما شديدا، حيث لم تكن تتمتع بالجمال الذي يلفت إلى موهبتها الكثير من المخرجين، ورغم هذا الظلم الذي وقع عليها إلا أنها أمتعتنا بأدوار كثيرة لن تمحى من الذكراة المصرية والعربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.