رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عمرو زويته يكتب : برا المنهج .. فيلم يواجه حاضر مأزوم على أرضية التاريخ

عمرو زويته

بقلم : عمرو زويته

الفكرة:

الفكرة تكمن فى اسم الفيلم ، برصد مساحة الكذب المفروض علينا وإعادة قراءته خارج دائرة سلطتة ، من خلال تتبع جذوره التاريخية وبيان مقدار الزيف والتلفيق فيما يملى علينا وفهمه باعتباره مقدمة طبيعية للحاضر الذى نعيشه الآن، وقدرته على إنتاج الكذب كأحد الحلول للتعاطى مع قسوته جوه المنهج ، الفكرة واعدة ومبتكرة وجريئة من حيث جودتها وكثافة تأويلها.

المعالجة:

اعتمد العمل ليس على خط درامى واحد بل على خطين مختلفين تماما ، الأول هو الطفل (نور) الذى يعيش أسفل السلم الإجتماعى من خلال واقع تعيس مع خالته الفقيرة وزوج خالته المتشرد الذى يتعاطى المخدرات ويتعامل معه بعنف لأتفه الأسباب ، وسخرية زملائه فى المدرسة من رائحته الكريهة ونظره الضعيف وقسوة المدرسين وإدارة المدرسة معه ، الأمر الذى يجعله يكذب طول الوقت كى يبدو أكثر تماسك أمامهم وأمام البنت الذى يحبها ، هنا هو يلجأ  للكذب كى يحتمى به من واقعه العارى من أى حماية له ، والخط الدرامى الثانى المذيع (أحمد وحيد) الذى يعيش فى أعلى السلم الإجتماعى ، ويمثل نسخة من المذيع (أحمد سعيد) الذى اختار العزلة بعد فضيحة كذب بيانات هزيمة 67 ، ليختفى فى منزل ريفى قديم اضطر إلى أن يجعل من نفسه شبح مرعب بغرض ابتعاد الناس عنه ليحيا فى عزلته ، ثم تخلق الفرصة المواتية لكى يلتقى بالطفل (نور) من خلال مصادفة نزول الكورة فى حديقة منزله ، هنا تنشأ علاقة بينهم وبرغم فارق العمر والتجربة بينهم إلا أنهم اكتشفوا أنهم يكذبوا على بعض ، لأن وجه الشبه كونهم وجهين لعملة الكذب.

وسرعان ماتحولت العلاقة بينهم إلى تعلق أب بابنه وابن بأبوه كتعويض طبيعى لحرمان الاثنين من دفء الأسرة ، تتوثق العلاقة بينهم من خلال حكاوى (أحمد وحيد) للطفل (نور) فى الواقع المليئ بالأكاذيب بتتبع عمقه التاريخى وبيان مساحة التضليل فيه ، وكأنه هو الكذب الذى قاد الواقع لهذا التردى ، من (إخناتون) ودعوته الملفقة فى التوحيد ، إلى خديعة صورة البطل الخارق (صلاح الدين) الذى كان قصير القامة وإحدى قدمية أقصر من الثانية عكس ترويج صورة البطل الهيرو ، إلى محمد على مؤسس مصر الحديثة (جوه المنهج)، بينما هو من تآمر على الثورة وزعيمها الحقيقى عمر مكرم بهدف الوصول لعرش مصر ، إلى تتويج أحرار يوليو بهزيمة 67 ، وكارثية مآلاتها على الصعيد الاجتماعى والاقتصادى ، باعتبارها تاريخ معاصر وصل الأمر بأن أحمد وحيد الذى تحول إلى شبح لايقوى على مواجهة الناس من فرط كونه كان أحد دراويشها وأحد أهم أبواقها الذى إنهار مع الهزيمة.

الهزيمة التى كشفت كارثية تضخم ذاتنا المصنوعة إعلاميا وبين حقيقتنا الهشة التى فضحتها أكاذيب 5 يونيو ، الهزيمة هنا لم تكن هزيمة حربية بل الغرق فى مستنقع الكذب الذى كنا نعيشه ، والذى سمح لشخص أن يفكر ويقرر نيابة عن الأمه ومواطنين غير معنية بذلك ، وإسقاط كل ذلك على الراهن ، هنا الكذب يأتى من الرأس ويفرض نفسه على الجميع ، المؤكد هنا أن (عمرو سلامة) ليس هدفه قراءة للتاريخ (برا المنهج)، بل الحاضر (برا المنهج) لكنه لجأ للتاريخ وتجربة يوليو تحديدا لكونها أصبحت جثة بلا صاحب كى يتلافى الصدام مع الحاضر رقابيا.

تدور هذه المعالجة داخل بيئة تحمل رؤية بصرية واعية ومتنوعة لتردى الواقع نتيجة الكذب ، عكست تدهور بنية التعليم والمستوى البائس للمدرس الفظ غليظ المشاعر المعنى بتحفيظ التلاميذ ويتعامل معهم كأنهم فى معتقل سياسى ، إضافة إلى أجواء الواقع المليئة بالخرافة وتدهور عام فى الوعى العام ، التفكك الأسرى وغياب دور الأب الراعى والحامى غير المعلوم غيابه ، والفقر ووحشية آثاره التدميرية على الصحة النفسية ، اللوحات المهترئة على جدران الفصول ، المقولات المكتوبة على سور المدرسة التى تتناقض مع الواقع ، الآلات الموسيقية التى لاتعمل وعدم الاهتمام بصيانتها.

الطفل (عمر شريف ) أداؤه كان أهم مكافآت الفيلم

مشاكل فى بناء الشخصيات والحبكة الدرامية:

لم يقدم السيناريو مبررات كافيه لتحول (نور) عن الكذب كخيار له ، خاصة ووضعه البائس كما هو لم يتغير فيه شيئ سوى ظهور أحمد وحيد فى حياته ، وبرغم أنه كان يحاول أن يقرأ له التاريخ (برا المنهج) ويكسبه وعيا جديدا ، لكن السيناريو يقع فى خطأ مزدوج لأحمد وحيد الذى يعانى من الكذب ويشكل محنته الأساسية أن يقدم نصيحة لنور ليست على سبيل الطرفة والدعابة بقوله لنور عايز أقولك على حاجة تعرفها ( إذا قررت فى يوم من الأيام تكدب لازم تكون متأكد إنك ماتتفئسش ) ، إذا هو ليس ضد مبدأ الكذب بل مع جودته ، وتطور شخصية أحمد وحيد التواقة للعودة للحياة بقيمها الإيجابية عكس ذلك ، لأنه لو كان كذاب ماكان له أن يختار منفى اختيارى له ولم يؤلمه ضميرة على أنه كان أحد أسباب الهزيمة باستعراض (كريشندو) صوته فى ترديد أكاذيبها ، وأيضا كيف لنور أن يأخذ هذه النصيحة من الرجل الذى غير رؤيته ثم يأخذ الصدق كخيار نهائى له ، ويتسع ترهل البناء حين أتت لنور كل هذه الجسارة صاعدا مسرح المدرسة الصباحى ثم يخطف الميكروفون من يد الناظر القاسى ومعه المدرس ويتحداهم أن الشبح وهم وأنه لن يكذب مرة ثانية ويفضح طلبات الناظر والمدرس منه للشبح ، ولم يقتصر الأمر عند هذا بل واجه إبراهيم زوج خالته المجرم الذى خرج من السجن نتيجة بلاغ نور فيه وهو يسأله: (أنت اللى بلغت عنى وهو ممسك بنبوت مجرد ضربة منه لجسده النحيل فيها موته لامحالة)، ويجيب نور بتحدى صارم : (أيوه أنا اللى بلغت فيضربة بالنبوت ضربة واحدة كانت كافية لإنهاء حياته) ، كيف لنور بهذه الشجاعة التى تتخطى قدرته الإنسانية كطفل وكل ماحوله لايمنحه أى قوة.

والأغرب من شجاعته غير المبررة هو نهاية الفيلم بموت نور ، موت نور هو انتحار لفكرة الخلاص من الغش والكذب الذى يدعو لها العمل ، وهنا أيضا موت لاسم (نور) الذى يشكل ملامح الهوية ، هنا اختلت الحبكة الدرامية ، لأن وجه الشبه بين (أحمد وحيد ونور) هو الكذب ينبغى أن تكون مصائرهم واحدة، أو بالأحرى لماذا لم يرفض الواقع (أحمد وحيد) العائد من أكاذيب نكسة الجيش المصرى الذى يقاتل على تخوم تل أبيب ولم يقبل (نور) الأمل الطفولى الجديد فى إيجاد صورة فى الواقع (برا المنهج) ، وإن كان هناك ضرورة للموت فالاختيار الذى يناسب الفكرة هو موت (أحمد وحيد) لأنه مات فعلا مع تجاوز تجربة يوليو، ولم يعد يهمنا عودته حتى لو كانت إيجابية وتصبح رمزية تجربتة فى الاستفادة وتصحيح مسار نور ، ويستثمر نور كأمل محتمل تحدد قيمتة التجربة التى يخوضها ، وهنا المشاهد سيصبح شريك وليس متلقى لحدوته تفرض عليه.

هنا تصور (عمرو سلامة) أنه أكثر واقعية وموضوعية لأنه تصور أن الواقع الحالى لايتحمل براءة طفل قرر ألا يكذب ، هنا تصور قضائى وليس فنى للواقع.

أسماء أبو اليزيد لم تكن مقنعة أبدا
أحمد خالد صالح لم يكن أداءه على المستوى المطلوب

أخطاء وقع فيها العمل:

صوت الراوى فى بداية الفيلم أفقدت الكثير من المتعة وجائت بشكل خطابى مباشر ، وشتت الرؤية البصرية فى رحلة معاناة نور من بيت خالته إلى المدرسة ليصل إلى سور المدرسة المكتوب عليه ( مصر أجمل مدن العالم ) لنكتشف ببساطة من خلال الصورة تناقض واقعه ، لو تم حذف صوت الراوى لن يخل بالرؤية ولن يضيف أى جديد ، فالصورة أدت دورها بشكل كامل ، إضافة إلى أنه قرار يفترض فيه أن المشاهد غير قادر على الفهم إلا بهذا الخطاب ، صوت الراوى إن لم يكن ورائه ضرورة فنية يصبح بلا جدوى وضد العمل.

أمر آخر كيف لمذيع ذائع الصيت مثل (أحمد وحيد) وهو يسأل (نور) عن صلاح الدين فيرد عليه نور: (أيوه أعرفه) ويحكي من خلال مشاهدته لفيلم الناصر صلاح الدين الذى لم يعرفه أحمد وحيد بالرغم من أن الفيلم أحد الأعمال المشهورة والدعائية لرأس النظام وقتها والفيلم انتاج 1963 أى قبل الهزيمة بأربعة أعوام قبل قرار منفاة الاختيارى.

وفى نهاية الفيلم يعود صوت الراوى ليقرر نهاية ويحتكر تأويلها ، ليقول أن نور واحد من شجعان التاريخ حتى لو لم يجد مايكفى من الحب وأنه قادر على تغيير من حوله ، مع أن المفروض من يتغير هو نور نفسه الذى يمثل المستقبل وليس أحمد وحيد الذى يمثل الماضى.

ماجد الكدواني أدى دور (المراكبي) ببراعة واحترفية
روبي جسدت دور فوزية

أداء الممثلين:

الطفل (عمر شريف ) أداؤه كان أهم مكافآت الفيلم فى تجسيد شخصية (نور) ، ويعود الفضل لجهد المخرج (عمرو سلامة) فى وصوله إلى هذه الحالة من الآداء هو وكل الأطفال الذين قدموا أدوار مميزة خاصة وهى أول تجربة لهم.

(ماجد الكدوانى) كل عمل يقوم به يؤكد موهبة استثنائية وقدرة هائلة فى التجسيد بآداء بسيط ومقنع ويدخل قلبك بسلاسة ودون مشاكل.

(روبى) فى دور (جيهان) مدرسة الموسيقى لنور رغم دورها الشرفى لكن حضورها كان مؤثر وأكسب العمل روح نسائية مفعمة بالحيوية.

(دنيا ماهر) فى دور فوزية كان إضافة لها واستطاعت ان تجسد القهر بكل بساطة وجمال.

(أحمد خالد صالح) رغم صغر مساحة دوره لكن كان دوره مهم وكان باستطاعتة أن يقدم أداءا أفضل من ذلك بكثير ، فأداؤه لم يكن مقنعا وغابت عنه تفاصيل الشخصية وامتلاك تفاصيلها، عكس الممثل (على قاسم) الذى جسد دور الموظف المكلف بهدم المنزل والذى لايملك نص سوى بعض كلمات لكنه استطاع ان يلفت النظر إليه.

(أحمد أمين) فى دور الأب إبراهيم أيضا لم يكن موفقا فى أدائه رغم أهمية دوره المركب حتى لو كان وجوده فى مشهدين فقط ، لم يعطينى أحاسيس متنافضة بين عاطفة الأب وقسوة تخليه عن إبنه.

(أسماء أبو اليزيد) فى دور فريدة إبنة أحمد وحيد لم تكن موفقة فى التجسيد برغم مساحة الدور الصغيرة لكن كان بوسعها أن تقدم أداء كبير لأهمية دورها وأثره الكبير فى حياة أبوها أحمد وحيد.

علي قاسم قدم دور الموظف بتنيك خاص

الموسيقى:

(راجح داوود) كان موفقا فى فهمه لفكرة العمل واختيار الموسيقى المناسبة للعمل فكانت إضافة مهمة للعمل.

التصوير:

مدير التصوير (أحمد بشارى) قدم رؤية بصرية ابتعد فيها عن الاستعراض واقترب من واقعية الأحداث.

الإخراج:

(عمرو سلامة) قدم رؤية سينمائية لم يهتم فيها بشكل (الفريم) بقدر ما اهتم بتقديم واقعية الفكرة والأحداث للمشاهد كما هى ، أدار عناصر العمل بشكل جيد ولم يدخل فى مغامرات فنية تبعده عن هدف الفكرة ، وكان موفق فى اختيار أماكن التصوير وتصميم الديكور المناسب ، أعيب عليه فقط الرؤية البصرية  التاريخية التى قدمها عن (إخناتون أو صلاح الدين أو محمد على) كان يمكنه أن يقدمها على نحو أفضل من ذلك ، وكان لديه الخيال سواء على مستوى الكتابة أو على مستوى التنفيذ وتصميم الجرافيك ، ومع كل هذه المآخذ لكنه فى هذا الفيلم يقدم سينما مختلفة تستحق الإشادة ، ويؤكد من خلال هذا الفيلم أنه مخرج (برا المنهج).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.