رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عصام السيد يكتب : عهدى … الصادق

(خميس الخمس) في (ليالي الحلمية)

بقلم المخرج المسرحي الكبير : عصام السيد

غالبا ما تنتابنا حالة من الطيبة فنبالغ فى ذكر محاسن موتانا ، و نظل نكيل لهم المديح بعد وفاتهم و كأنهم عاشوا بلا نقيصة أو كانوا ملائكة ، ربما كان السبب الذى يدفعنا لتلك المبالغات عاطفيا أو سببا دينيا أو تعويضا عن تقصيرنا فى حقهم و هم أحياء ، أو بإعطائهم حقوقا سلبت منهم و هم بيننا ، و لكن كل هذا لا ينطبق على الحديث عن فناننا الراحل ( عهدى صادق ) . فهذا الفنان الجميل ذو الابتسامة الدائمة و السخرية الحاضرة يستحق أن نذكره بكل الخير و أن نمتدح طويلا صفاته و أخلاقه  و خاصة وفاءه النادر ، و لن نكون فى هذا مبالغين . فالحقيقة إنه كان عملة نادرة من نواح كثيرة ، فمن الصعب أن تجد لعهدى عداوات أو مواقف عدائية ، بل على العكس ستجد غالبية أفراد الوسط الفنى يؤكدون لك أنه صديقهم الحميم ، و كل منهم يحمل له من الذكريات الكثير أغلبها مواقف أخوية مساندة ، و ربما يصر كل منهم على إنه صديقه الأقرب ، فكل من اقترب من عهدى ، أعطاه هذا الإحساس بصدق أفعاله ، و ليس تملقا أو زيفا لذا استحق لقب ( عهدى .. الصادق ).

لا أدرى كيف جمع عهدى هذا الكم من الأصدقاء ؟ و لا كيف كان يزور الجميع ، ويتصل بالجميع ، و لا يقصر فى حق الصداقة مع الجميع ؟ ، بل إنه لم ينقطع عن عائلات أصدقائه الذين فارقونا ، و لم يقصر فى السؤال عنهم ، و ساعده على ذلك ذاكرته الحديدية فى الأرقام ، فقبل اختراع التليفون المحمول الذى تضع عليه كل أرقامك التى تحتاجها ، كنا نحمل جميعا ( نوتة تليفون ) نسجل عليها الأرقام ، و لكن عهدى لم يفعلها فى حياته ، بل يحفظ الأرقام عن ظهر قلب و تراه بالساعات يجلس بجوار التليفون ليهاتف كل أصدقائه سواء من منزله أو من أقرب تليفون متاح و لو عند أحد البقالين .

و فى المساء لابد و أن ترى عهدى فى عدة أماكن فهو قادر على القيام برحلات مكوكية يومية ، تلبية لدعوات أو مؤديا للواجب فى المناسبات ، أو زائرا خفيفا يشيع البهجة ، و فى نفس الليلة  ربما يمر على فاروق الفيشاوى فى منزله ، ثم يظهر مع سيد حجاب فى ستوديو عمار الشريعى ، أو ربما تجده يجلس مع صديقه شوقى شامخ فى انتظار طعام يعده محمد متولى ، ثم يشاكسانه و يسخران من طريقة ( ميتو ) فى الطبخ ، أو فى صحبة سعيد طرابيك يغنيان مع سعيد صالح بعد انتهائهم من العرض المسرحى ، أو فى زيارة لأسرة صبرى عبد المنعم التى كانت أسرة ثانية له ، أو فى صومعة شوقى حجاب يتناقشون حول أفكارا فنية .. أو ربما رأيته فى الأسكندرية يزور أسامة أنور عكاشة ، أو فى صحبة المخرج جمال عبد الحميد .

مع صديقه الصدوق سعيد صالح

أكبر عدد من الأصدقاء و الأحباء يجمعهم قلب عهدى صادق ، لا يختلف مع الناس ألا قليلا و لا يعادى بل ينأى عن العداوات ، فهو لا يحقد على أحد ، و لا يسعى لمصلحة شخصية من خلال الصداقة ، و لا يسعى للحصول على ماليس حقا له ، متصالح مع نفسه ، و راض بما قسمه له الله ، فقد بدأ بأدوار صغيرة بعد تخرجه من المعهد العالى للفنون المسرحية ، و لم يقم بدور بطوله فى حياته سوى مرة واحدة فى مسلسل الأطفال الشهير ( كوكى كاك ) للشاعر و المخرج شوقى حجاب ، و لكن برغم أنه بطل المسلسل لم يظهر وجهه فيه إلا قليلا ، لأنه كان يرتدى ماسك عروسة ضخمة هى كوكى كاك . و برغم أدواره المميزة فى كثير من المسلسلات مثل ( ليالى الحلمية ، و زيزينيا ، و رأفت الهجان و أرابيسك ) ، إلا أنه ظل فى منطقة الأدوار الثانية ، و لكنه اكتفى بأنه كان صاحب دور البطولة فى حياة عائلات أصدقائه ، فقد كانت له مكانة خاصة فى قلوب أبناء هؤلاء الأصدقاء ، ظلت حتى الآن ، لا ندرى ما الذى صنعها ، هل هو حبه للأطفال برغم أنه لم يتزوج و لم ينجب ؟ أم صغر حجمه و دقة جسده التى جعلت الأطفال يحسون أنه واحد منهم ؟ المهم انه كان قادرا على اكتساب محبة هؤلاء بسهولة فائقة ، و لذا وجدنا أن ابناء أصدقائه الأكثر شعورا بالفقد و الأعمق رثاء لعهدى .

و لم تكن لعهدى أسرة واحدة ، بل عدة أسر ، فهو أحد القلائل الذين كانوا يدخلون بيت الشاعر العبقرى صلاح جاهين أثناء حياته فى أى وقت ، بل كان يقال أن عهدى مقيم فى بيت و قلب شاعرنا ، و ظل بعد وفاته عضوا بالأسرة ، يزور أبنائه باستمرار ، و لا يترك أمسية لفرقة إسكندريللا التى قوامها عائلة جاهين و عائلة أبو الشعراء فؤاد حداد التى تربطهما علاقات مصاهرة و صداقة ، و شاركهم أحد الأعمال على المسرح القومى ، و هو أيضا عضو فى أسرة صديقه الحميم سعيد صالح حتى بعد وفاته .

(عم مسعد) في (الفتوة) عمله قبل الأخير

و بعيدا عن الصداقات ستجد عهدى فى عروض مسرحية يتابعها بشغف و فى ندوات ربما كانت ذات طابع سياسى ، و سوف تصادفه فى أمسيات شعرية أو فنية ، يستمع باهتمام و يناقش فى تعقل ، و عندما يحتدم النقاش يلجأ للسخرية و يطلق ضحكته القصيرة الصاخبة فلا تملك سوى الضحك . و لكنه وسط هذا كله عفيف اللسان ، طيب القلب و متسامح . يصوم إذا وجدك صائما حتى لا يثقل عليك ، و يحترم مشاعرك الدينية أيا ما كانت ، و لا يسمح بانتهاك لها و لا من باب الدعابة .

أما فى العمل فهو شخص مطيع بلا مطالب و بلا مشاكل ، لا يعمل إلا ما يرضيه ومايقتنع به ، و لذا فهو قليل الانتشار و لكنه عميق التأثير . و هو صدر حنون يجيد الاستماع للشكوى و يحاول أن يجد لها حلا لو استطاع .

رحم الله الصديق الصدوق ، و أكاد أجزم أنه أسعد حالا بلقيا أصدقاءه الذين سبقوه ، و كل عزائنا للوفاء الذى سنفتقده بفقدانه .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.