رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

فيروز(٥) .. حي السريان، (حي التنك)

بقلم : فراس نعناع

ذكرت في المقال السابق، بأن السريان لجؤوا إلى لبنان إبان المجازر العثمانية تجاههم بما فيهم الأرثوذكس والكاثوليك، وكان لهم وجود قليل قبل عام ١٩١٥م وكنيسة فاعلة للأرثوذكس. ولكنهم خسروها في بداية القرن الثامن عشر إثر قيام حركة انفصالية قادها مطران حلب (ميخائيل جروة) الذي نزح إلى لبنان ، وأسس كنيسة في كسروان ١٧٨٢م ، تابعة للكنيسة الكاثوليكية، والتي تعود مرجعتيها لبابا روما (الفاتيكان)، وحمل اتباع تلك الكنيسة تسمية (السريان الموارنة) بعد وصول رهبان مار مارون من سوريا.

في منطقة (الأشرفية) والتي تقع على تلة من الجزء الشرقي لبيروت، أو مزرعة الأشرفية وتعود تسميتها بذلك إلى (الأشرف خليل) الفترة المملوكية، وكانت الأشرفية، عبارة عن مزرعة من ضواحي بيروت فيها أشجار التوت والزيتون والفاكهة، وأسست على أراضي تلك المزرعة الكبيرة مدراس وكنائس مثل (سان ديمتري) وأقامت بعض العوائل اللبنانية الأرستقراطية عدد من الدور والقصور مثل آل (سرسق) وقصرها الشهير والذي يسمى بحي (سرسق) اليوم نسبة للقصر الذي بناه آل سرسق، كما بنُي قصر بسترس ويسمى حي (التباريس).. إنه حي الأرستقراطيين الذين يتحدثون الفرنسية كسمة أساسية.

ضمن هذه التركيبة الجغرافية والسكانية وهبت الكنيسة وبعض رجالات لبنان وبحماية باباوية ورعاية أوروبية، وخاصة فرنسية قطعة من تلك المزرعة الكبيرة للقادمين والناجين من مجارز ارتكبت بحق أقرانهم، حاملين معهم انكساراتهم الفردية والجماعية.

بنى هؤلاء القادمين الجدد بمساعدة بعضهم البعض أكواخاً من المواد المتوفرة الرخيصة، ومما قُدم لهم من مساعدات إغاثية بسيطة، لتكون بيوتا لهم، وغطوا أسقف تلك الجدران بألواح من (التنك) تقي من حر الشمس ومطر شتاء لبنان. ليحمل فيما بعد اسم  (حي التنك، حي السريان)، والذي أصبح امتداداً اقتصادياً واجتماعياً لبيروت القديمة، رغم ما يختزنه المشهد السوريالي للمكان الجغرافي بين تجاور للثراء وللفقر، إنها حكاية المكان لكل تلك الأسر السريانية التي شكلت بثقافتها ولغتها وموروثها المليء جزءاً مهماً في  هوية حركة تاريخ لبنان المعاصر.

تشير السجلات الرسمية اللبنانية عن عدد السريان المسجلين بـ ٧٣ ألفاً، وبموجب (مرسوم التجنيس الذي صدر عام ١٩٩٤م، جنس ما يزيد على ١٢٨ ألف سرياني).

أسس السريان مدراسهم الرسمية والخاصة وكنائسهم والتي تقدر بحوالي ١٣ كنيسة، كما وأسسوا أيضا مجمع اللغة السريانية التي تهتم بطباعة آلاف المخطوطات التي لم ترى النور.

كما وأسسوا الرابطة السريانية والمؤسسات الأهلية، والأندية الاجتماعية، إضافة للكشاف السرياني، واندمجوا بالمجتمع اللبناني، محافظين على لغتهم وعاداتهم وأعيادهم كعيد (مار يعقوب، ومار غبريال) متخطين انكساراتهم وأحزانهم.

كانت من تلك الاسر القادمة (أسرة آل حداد) من اتباع الكنيسة الكاثوليكية، والقادمة من ماردين السورية ١٩١٥م، والتي سكنت في حي السريان هذا.

حيث بدوءا يتفاعلون أكثر مع محيطهم ويخرجون خارج (حي السريان) باحثين عن فرص أكبر، ومنهم الشاب السرياني وديع حداد (والد السيدة فيروز) والذي التحق بعمل في مطبعة لجريدة (لوريون) والتي تصدر بالفرنسية للآن.

تعرف الشاب (وديع حداد) السرياني الكاثوليكي على الشابة (ليزا البستاني) المارونية الكاثوليكية وتزوجا، وانتقل من حي السريان ليسكن بالقرب من ذلك الحي ، في (زقاق البلاط).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.