رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

الفن بلا قيمة على الإطلاق!!

بقلم : محمد عبودة

حدثني رجل من العجائز ذات يوم بما يجول في خاطره من ازدراء للفنون وأهل الفن، ولعله نطق عما يحوي قلبه مدفوعًا بطنين رغبة ملحة لاستفزازي وقد أحاط علما بأني مهووس بالفنون حد الجنون!، وعن الفن قال: “هو دعارة مقننة ولا شك في ذلك!” ولما استشعر امتعاضي، واطمأن إلى سكوتي، واصل حديثه قائلًا: “والفنان وإن عظم شأنه لا يزيد قدره عن مكانة (صبي العالمة) على أحسن تقدير”.

ترفعت عن الرد وما كان هو ليسمح لي بعرض رأيٍ مغاير، والصمت وإن كنت وسأظل ألعنه ما حييت قد يغني أحيانًا عن حتمية الخوض في نقاش بيزنطي!، انسحبت إلى فوضى أفكاري وقد تبدى لي الرجل وهو يستأنس في وحدته بأغاني الراحلة أم كلثوم، ذاك الصوت الذي قد يعبق بأجواء أي جلسة دون استئذان ومع ذلك فهو دائمًا مرحب به مهما كان حال أهل الجلسة من بأس أو ضيق! ثم ابتسمت من عجب المفارقة ولم أنبس.

وجعلت أفتش في ثنايا عقلي عن أي قيمة تنسب للفنون على غير هداية، وربما دونما رغبة في الوصول إلى إجابة شافية، وترددت على ذهني ترهات من أقاويل بعض الفنانين ممن يوجه إليهم بغتة الاتهام بصغر شأن قيمة ما يشتغلون به فيتمخضون عن أحاديث إنشائية أكاد أجزم أنهم لا يؤمنون بحرف منها، أو تلك الإجابات المنمقة المنبعثة من أفواه أهل الصفوة في حق الفنون حينما يخشون انتزاع لقب “المثقف” من أحدهم إذا ما قال في الفنون ما لا يليق، فيمضي في أقاويل فارغة تنسب قيمًة مفتعلة إلى الفنون دفاعًا عنها!

ثم مررت بعدة صور ذهنية تراءت أمامي كشريط سينمائي، ورأيت فيما يرى الحالم الرجل البدائي، رأيته وقد ألم الوهن به، وخارت قواه من شدة الكد في رحلات الصيد ليدبر قوت يومه، أو جولات المقاومة ضد الافتراس، وأعباء توفير مسكن يأويه ورعيته! ثم أدرك الإنسان البدائي مدى عبثية تلك الحلقة المفرغة من الكد، ولعله تمنى أن يوارى تحت التراب حتى يكسر الحلقة، ولكن غريزة الخوف أبقته عبدًا للكد الذي أبغضه، ولما فطن إلى أنه ليس له من ملاذ سوى التعبير، ولم تُعرف وقتها أي من اللغات، عمد إلى جدران كهفه فنقش عليها ما يمليه الفؤاد في صيغة رسومات بدائية (أو ما يعرف بالفن البدائي) تخلد ذكراه.. رسومات متواضعة، يعبر فيها الشكل عن شخص أو كائن أو أداة يستخدمها، لتنقل معاناته، وترسخ هويته، وتمكنه من نفي صفة النكرة عن وجوده!.

تلى تلك الحقبة تشييد الحضارات، وسادت أعراف عدة وسط بني البشر، وسنت القوانين، واشتغل البعض بالسياسة وسرعان ما وجدت العلوم على اختلاف ألوانها طريقًا لذوي الفكر، وخلقت الفلسفة آفاقًا لم تعرف من ذي قبل، ووجدت اللغات واختلفت الألسنة، ولكن حينما رغبت الحضارات في تخليد ذكراها، وإرساء قواعدها الجغرافية (والأحقية بملكية الأراضي للأجيال المتعاقبة)، عمدوا جميعًا إلى شتى أشكال الفنون فكانت التماثيل وخلقت المعابد والنقوش على الجدران، ولم يكتفوا بكتب أو برديات قد فقدت أو علوم اندثرت أو كانت قواعد لعلوم أحدث.

ثم أرسلت بصري إلى الأديان بعين المتأملين، فوجدت الرب، ولله المثل الأعلى، قد أبدع في تصميم كوٍن بأعظم أشكال الفنون، وحينما شاء الهداية لبني آدم، كانت الأديان! فتجد في الإسلام فنون التراتيل، وقرآناً لو اجتمع شعراء وأدباء الأرض على أن يأتوا بمثله لما استطاعوا لذلك سبيلًا! إنه أعظم أشكال الفنون! تكامل غير معهود في القَصص، وعظمة لا مزيد عليها في السرد! ثم انظر في المسيحية تجد الكنائس تتغنى بأعذب الترانيم، بألسنة أبنائها المخلصين الذين كرسوا جل جهدهم في إتقان ما يعملون، وكذا في اليهودية، وحتى في الأديان غير السماوية، تجد المعابد تعلو بحسن مناظرها، وتماثيل نحتها المنتشون بالروحانيات في تفاٍن يغبط!

إذن فالروحانية هى أعظم وأهول أشكال الفنون! وإذا ما ترجمنا الروحانية في صورة فنية، تجد الموسيقى هى أول ما يتبادر إلى الأذهان في خلق حالة أقرب ما تكون إلى تلك نشوة وتجلي الروح، ذاك الفن الذي قال عنه شوبنهاور: “كل الفنون تحاول أن تكون الموسيقى”!

** ** **

المزيد من المشاركات

أفقت على ضجر من زحام أفكاري، وخلصت من شرودي بأن اهتديت إلى إجابة تشفي غليلي، قد تبدو هي الأسهل، ولكنها حتمًا الأبلغ والأكثر ترفعًا، ألا وهي أن الفنون جمعاء بلا قيمة على الإطلاق!

نعم.. أحببت أن أجرد الفن من أية قيمة! والقيمة وإن نسبت إلى شيء قد تكون أول طرق التسليع، وهو ما أبغض بحق! الفن بلا قيمة.. بل لأجله توجد القيمة، وبفضله يقدر الإنسان على الاستمرار في ممارسة حصته الجنونية من الحياة، ومنه يستمد الضعيف صوته، وبه يتجرد العزيز من جبروته فيجثو على ركبتيه منتشيًا مسحورًا بجمال الضعف الإنساني إذا ما تمثل في صورة من الشجن هى ما ينشد الفؤاد حتى لا يتصلب فينكسر، ولا يرفض الفنون سوى جاحد أو من انتزعت منه إنسانيته بفعل فاعل خبيث.

وإذا ما اندثرت الفنون أو فنت، يضحى العالم أكثر وحشية، فعندما يفقد المرء متنفسه من الخيال الذي توفره له الفنون، يصب جام غضبه على كل من حوله، ويصبح الكون أكثر اختلالًا، وتمضي البشرية في طريق أكثر إظلام..

إذن، عن أي قيمة نفتش؟! وأي اتهام ذاك الذي نجاهد كي ننفيه؟! ولا أخال أن الإله قد ميز بني البشر عن الحيوان بالعقل، فللحيوان عقل مستقل، وضمير لا غبار عليه، وقوانين صارمة يلزمه بها القطيع، ولكن الله قد ميزنا ولا شك بالقدرة على تذوق الجمال، ومن هنا نشأت الفنون لتسرد معاناة الشخص، أو تخفف عنه، لتعبر عن حبور أو تجسد فكرة أنهكت صاحبها من كثرة التدبر.

ولكنني جعلت أفكر.. إذا ما أسقطت القيمة عن الفن، وإذا ما تغاضينا عن أحكام الرأسمالية الشيطانية والتي تبتغي تسليع الفنون كما جعلت من كل شيء سلعة حتى الهواء، وإذا ما تناسينا تلك القلة القليلة من الفنانين الأوفر حظًا بدخل عاٍل يصل إلى أرقام خيالية نظير مجهوداتهم وأعمالهم، وجدت نفسي أتساءل عما قد يدفع كثيرين ممن ارتضوا على أنفسهم الاشتغال بالفنون، وأبوا قمع الوظيفة وهيمنة الروتين، ما الذي قد يدفعهم إلى القيام من على أسرتهم ليسعوا إلى رزق من مجالات قد لا تدر عليهم أي دخل أو بالكاد توفر لهم الشحيح من الرزق والقوت اليومي؟! ما الذي يجبرهم على هذا التمسك الجنوني بنشوة الفن وقد يعيش المرء منهم حياته مغمورًا ويسلم روحه إلى بارئها ولم ترى أعماله النور؟!.

وهنا أيقنت بحق الغاية من الفن.. علمت أن البشر يشحذون التعاطف والاهتمام! وتجد سياسيًا تافهًا يستقطب تعاطفك بتسليط الضوء على حالة إنسانية كي يجني حفنة من الأصوات، أو ناشطًا حقوقيًا يسبح بحمد الشهرة ليل نهار يشحذ تعاطف المتعبين من جحيم الحياة، ودائمًا ما يكون تعاطفًا انفعاليًا لحظيًا لا يدوم، فقد تتعاطف من ضرير أو أحدب ولا تكترث بضحايا الحروب، وقد تبكي بحرقة أثناء استماعك لخطبة عصماء ألقاها تاجر دين استوصاك بها على الفقراء، وفي نهاية اليوم تضع رأسك على وسادتك وقد خلت من أي فكر لا يخص مصيرك وحدك، وتصبح قضيتك الثابتة هى ذاتك، ويصبح تعاطفك هو عملة تافهة، ذاك الثمن البخس الذي تتبرع به لمروجي سلعة التعاطف و”الصعبانيات” لأغراض دنيوية حقيرة.

وعلمت أيضًا أن المرء سريع النسيان، وقد ينكر فضل عالم كرس حياته في أبحاث تنقذ المجتمع من الهلاك، وقد لا يدين بأي عرفان لفيلسوف مستبصر لولاه لبقيت البشرية في وحل التخلف والظلام، ففي نهاية الأمر، مهما عظم شأنك، لست محور الكون، وما أكثر البشر حتى صاروا آفة الحياة! هناك ما يزيد عن السبعة مليارات ونصف المليار من بني البشر، ولن يضير الكون فناء بضع آلاف أو ملايين في حروب أو نزاعات جنونية، لن يضيره حتى فناء نصف سكان الأرض، ولن يكترث النصف الآخر بمن رحل أو أنهكه العوز والجوع.. فالكل يصرخ: “نفسي، نفسي”، وتلك هى سنة الحياة!

وهنا تبدت لي أهمية الفنون واضحة جلية، وبالتحديد أهميتها للفنان نفسه، وليس مريديه من عشاق الفنون! الفن يعطي أفضلية غير مسبوقة للفنان بأن يسمع صوته! أن يتوقف الكون عن الدوران في فلكه لبرهة من الزمان، وأن يستمع كلٌ بآذان صاغية لمعاناة الفنان! نعم، هو في تلك اللحظة محور الكون.. إنه أهم شخص في الحياة، وسيرته على كل الألسنة، وهى سيرة باقية، وفي كل مرة تزور فيها المرء بفنك سوف تجني كل التعاطف والاحترام.. تعاطف حقيقي لا يشوبه شائبة، لأنه ترفع عن رخص التسليع، ولأنه لم يشحذ الاهتمام، بل لأنه حالة روحانية، تتجسد فيها جل الآلام والمعاناة بأسمى الصور والأشجان، فيرتبط بها وجدان العاشقين ومتذوقي الفنون، ويجدون فيها المرايا التي تعكس همومهم ولو بشكل رمزي أو سوريالي!

لذلك بقيت الفنون، واندثر كل شيء آخر، ولذلك سيستأنس العجوز البغيض في وحدته بصوت أم كلثوم في الأصيل، حتى وإن دخل بيته دون استئذان، حتى وإن مضى عليه مئات السنين.. وحتى فناء الكون!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.