رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

“سارق الفرح” من عين “حسن حسني” !

حنان ترك ولوسي في “سارق الفرح”

كتب : أحمد السماحي

رحل عن حياتنا أمس السبت النجم الكبير “حسن حسني” الذي أمتعنا بمجموعة كبيرة جدا من الأفلام تنوعت ما بين الكوميديا والتراجيديا، وفى كل هذه الأعمال كان له شخصية خاصة به تميزه فى الأداء وفي طريقة نطق الحروف، واستخراج الابتسامة أو استدراج الدموع، وكان أحد أهم أعماله فيلم “سارق الفرح” الذي قدم فيه واحدا من أهم أدواره على الإطلاق، لهذا قررنا في باب “فيلم لا ينسى” أن نتوقف عنده، ونعرف كل الظروف والكواليس التى أحاطت بهذا العمل الهام فى تاريخ السينما المصرية، وليس فقط فى تاريخ “حسن حسني”، وأيضا لنحتفل به بمناسبة مرور 25 عام على عرضه أول مرة حيث عرض فى مثل هذه الأيام وبالتحديد يوم 3 يونيو 1995 .

قصة سارق الفرح

بعد تعاونه مع الأديب “إبراهيم أصلان” فى روايته “مالك الحزين” التى تحولت لفيلم سينمائي بعنوان “الكيت كات” حقق نجاحا كاسحا عند عرضه، يعود المخرج “دواد عبدالسيد” إلى عالم الأدب مرة أخرى، لكن هذه المرة من خلال قصة قصيرة للأديب “خيري شلبي” قرأها قبل أن تنشر في كتاب حمل نفس الاسم، عن طريق الفنان “لطفي لبيب” صديق أديبنا الكبير “خيري شلبي”، وعن هذه القصة قال “داوود عبدالسيد” فى الكتاب الذي صدر عنه للأستاذ محمد رجاء : “أعجبتني القصة، وشعرت أنها باب يفتح على عالم جذاب، إلا أنه غير موجود، مما دفعني للبحث عنه”.

تدور القصة حول عالم المهمشين، من خلال مجموعة من الأبطال، لكل منهم عالمه الخاص البسيط جدا، والثري جدا، والذي لم تقترب منه السينما المصرية كثيرا، فنشاهد من خلال عين “عم ركبه القرداتي الأعرج” الذي جسده بمهارة شديدة “حسن حسني” حيث اشتري نظارة معظمة يصعد بها إلى أعلى صهريج مياه، ويبدأ فى مشاهدة أهالي الهضبة الذين يسكنون فيها، ومن خلال تعليقاته نعرف أبطال الفيلم، هذا هو “عوض” الذي جسده “ماجد المصري”، شاب مفتول العضلات، وجهه يفيض بالقوة والحيوية، يدرب نفسه على رفع الأثقال، ويحب “أحلام ــ لوسي” وهى أيضا تبادله الحب.

وإلى جانبه صديقه “عنترـ محمد هنيدي” قصير القامه الذي يخلع قميصه ويستنشق نفسا عميقا، نافخا عضلات ذراعيه وصدره، وهذا “شطا ــ محمد شرف” العائد من السعودية بعد عدة سنوات، يتقلب في فراشه، وهذا بائع الجاز على عربته، وبهذه الطريقة نتعرف على الشخصيات الموجودة فى الفيلم.

الحزن يخيم علي حنان ولوسي

كواليس لا يعرفها أحد

ذكر الأستاذ ” محمد رجاء” فى الكتاب الذي أصدره عن المخرج “داوود عبدالسيد” كواليس خروج الفيلم للنور فيقول: بعد أن انتهى “داوود عبدالسيد” من كتابة المعالجة قام بقراءتها إلى صديقه النجم “نور الشريف” فحازت على إعجابه، وطلب منه أن يقوم بإنتاجه، على أن يقوم ببطولته مع زوجته “بوسي” التى ستلعب دور “أحلام”، وبالفعل يتم التعاقد على الفيلم، على الرغم من عدم ميل “داوود” بأن تلعب “بوسي” ذلك الدور، لأنها ببساطة زوجته، مما قد يؤثر على مصداقية العلاقة بين “عوض وأحلام”، إلا أنه لم يعلق على ذلك حينها، وتم التعاقد، لتكون المرة الأولى والأخيرة التى يقوم خلالها بالتعاقد قبل أن يبدأ فى كتابة السيناريو.

استغرقت مرحلة كتابة السيناريو ثلاثة أشهر، ذهب بعدها للرقابة من أجل الحصول على تصريح، فرفض المسئولين إجازته، وقد كان السبب المعلن آنذاك هو أن الفيلم يدور في أجواء شديدة الفقر، وأن أغلب أحداثه تدور داخل عشش بائسة، فتوقف المشروع فترة كبيرة لهذا السبب، وهو ما أثار ضيق “نور الشريف” وجعله يتخلى عن الفيلم، وفى هذه الفترة طلب “سلطان الكاشف” من “داوود” كتابة فيلم يصلح لأن تلعب بطولته زوجته “لوسي” ويدخل من خلاله إلى مجال الإنتاج الفني، فيعرض عليه المخرج “داوود” سيناريو “سارق الفرح” فيوافق على إنتاجه، وليس هذا فقط ولكنه يرد للنجم نور الشريف “العربون” الذي دفعه للمخرج.

أحمد زكي وفؤاد وسارق الفرح

لم يكن النجم “نور الشريف” هو النجم الوحيد الذي تم ترشيحه لدور “عوض”، فقد رشح له “أحمد زكي”، لكنه لم يتفق مع منتج الفيلم “سلطان الكاشف” فى العديد من النقاط، مما جعله يطلب من “داوود” ترك العربون على أن يقوم هو بإنتاجه، لكن “داوود” رفض، بعدها تم عرض الدور على الفنان “نجاح الموجي”، ووافق بالفعل على بطولته، لكنهم وجدوا أنه كبير على الدور، وغير مناسب من الناحية الشكلية، لشاب حلم الفتيات، بعدها تم عرض الدور على المطرب “محمد فؤاد” لكنه طلب آجرا كبيرا، مما جعل المخرج يرشح وجه جديد وكان الدور من نصيب “ماجد المصري” الذي كان يتلمس خطواته الأولى.

المخرج داود عبدالسيد
خيري شلبي مؤلف فيلم “سارق الفرح”
راجح داود مؤلف الموسيقي التصويرية

نقد الفيلم

كتب عن هذا الفيلم العديد من المقالات النقدية الهامة كان أهمها على الإطلاق مقال الناقد السينمائي “حسن الحداد” وإليكم بعض مما جاء فيه:

المخرج المتميز “دواد عبدالسيد” يبحث دائما عن أفلام مختلفة ذات أسلوب ذاتي خاص يحمله رؤيته الفنية والفكرية، ويقدم الموضوعات التي يشعر بها كإنسان وكفنان، فهو يهتم كثيراً بشخصياته أكثر من اهتمامه بالقضية المطروحة على الشاشة مقتنعاً تماماً بأن أية قضية، إنما تبرز عندما تتألق الشخصية لتعبر عن أحلامها وطموحاتها بصدق وواقعية.

وهو بالتالي لا يبحث إطلاقاً عن حكايات تقليدية، وإنما يبحث عن نماذج وحالات اجتماعية نمطية تعيشها شخصياته، ويقدم لنا شخصياته ويتركها تعيش واقعها وتتصرف بحرية وبتلقائية، حتى ولو أدى ذلك الى تصرفات لا أخلاقية، فهو يتركها ويقدمها كما هى، ولكنه يتابعها في نفس الوقت لا ليدينها بل لينظر إليها برحمة متلمساً لها الأعذار والدوافع، متفهماً حاجات النفس والجسد لكل شخصية من شخصياته .

من الشخصيات الهامة التى قدمها فى فيلمه “سارق الفرح”، شخصية ” عم ركبه القرداتي” التى اختار “داوود” أن يبدأ فيلمه بشخصية القرداتي عم ركبه (حسن حسني)، ذلك الأعرج الذي تعدى الخمسين من عمره، ولم يأتي هذا الاختيار عشوائياً، بل لأن هذه الشخصية تشكل نافذة حقيقية، تؤدي بنا الى دواخل الشخصيات الأخرى، نظراً لخبرته في هذه الحياة بحكم سنه، وفهمه الواضح للواقع المحيط به.

شخصية مركبة ترتبط بعلاقات متنوعة مع الآخرين، وتدخل في صميم مشاكلهم، وهي بالرغم من موتها ـ في الربع الأخير من الفيلم ـ إلا أن فعلها الدرامي وتأثيرها على الأحداث يظل يسري في روح الفيلم وشخصياته، فهي شخصية ذات أبعاد ومقومات درامية فلسفية فطرية، ساهمت في توضيح بناء الفيلم الاجتماعي وتوضيح الكثير من الأبعاد الاجتماعية والنفسية التي تقوم عليها بقية شخصيات الفيلم.

فـ “عم ركبه” هذا نراه يهيم بحب رمانة (حنان ترك) أخت (أحلام)، إلا أنه يخجل من الإفصاح عن حبه هذا، وذلك لإحساسه بالفرق الواضح بينه وبينها، وحتى عندما يبوح بسره هذا وهو في لحظة صفاء وتجلي إلى صديقه (عوض)، نرى صديقه هذا لا يستوعب هذا الحب ويبدأ في الضحك والسخرية منه، لذلك فهو يكتم حبه هذا لنفسه، ويكتفي بمتابعة (رمانة) عن بعد، يساعده في ذلك المنظار الذي بحوزته في تقصي خطوات(رمانة)، وفي أكثر من مشهد تتوضح أكثر شخصية “عم ركبه”، وتتوثق علاقته بمن حوله وبالمتفرج أيضاً،  فمثلاً مشهد طلوع الشمس في الفجر، يشكل رؤية فلسفية وفنية، ونحن نرى “عم ركبه” وهو يهز الدف ويناجي الشمس بأن تطلع، داعياً أن تتحقق أحلامه، في يوم كهذا.

مشهد عنف تتعرض له حنان

وتتألق شخصية “ركبه” هذا في مشهد رومانسي شاعري يعد من بين أجمل مشاهد الفيلم، ففي إحدى الليالي القمرية، يصادف أن يشاهد “عم ركبه” حبيبته “رمانة” في فرح بنت الجيران، فيبدأ في الدق على الدف بعد أن شاهدها تهم بالرقص، ويزداد المشهد حرارة وتألقاً و”عم ركبه” في نشوة لا تعادلها نشوة، وهو يرى حبيبته ترقص على ضربات أصابعه بالدف، وتتلوى أمامه بقوامها المياس الى أن ينهكها التعب فتتوقف، لينسحب هو بعد ذلك شارد الذهن في ملكوت أحلامه وهيامه وعشقه.

 فتتبعه “رمانه” التي شعرت بهذا العشق الذي يختزنه “ركبه ” تجاهها، يبتعد عن ضجة الفرح ليختلي بنفسه مع زجاجة الويسكي، وفجأة يرى أمامه رمانة بشحمها ولحمها، وكأنه مازال يعيش في أحلامه، وبعد أن يكتشف حقيقة ما يراه وتلامس أصابعه وجهها وجسمها، ينطلق فرحاً ويتمنى الطيران في تلك اللحظة غير العادية، من غير أن يدري بأن الموت ينتظره على حافة الهضبة.

وقد كان هذا المشهد فى قبول “حسن حسني” لهذا الدور واستعداده التنازل عن أجره مقابل أن يقوم بهذا الدور، وكانت النتيجة حصوله على العديد من الجوائز العالمية والعربية والمصرية عن هذا الدور.

ماجد المصري في دور “عوض” في سارق الفرح

سارق الفرح ينافس طيور الظلام

عرض فى موسم عام 1995 مجموعة قليلة من الأفلام وصل عددها إلى 31 فيلم، أهم هذه الأفلام “الرجل الثالث، طيور الظلام، قشر البندق، البحر بيضحك ليه، قليل من الحب كثير من العنف، طأطأ وريكا وكاظم بيه، بخيت وعديلة، لحم رخيص، إمرأة هزت عرش مصر، عتبة الستات، أبوزيد زمانه، الجراج، الملائكة لا تسكن الأرض، يوم حار جدا، وداعا للعزوبية، عتبة الستات، إحنا ولاد النهاردة، ضربة جزاء، قط الصحراء، طريق الشر، هدى ومعالي الوزير، المعلمة والأستاذ، صمت الخرفان”.

أسوأ أفلام 1995

رصد الناقد الكبير “كمال رمزي” فى كتابه أفلام 1995 مجموعة من أسوأ الأفلام التى عرضت ضمن الـ31 فيلم، وهذه الأفلام هى: “غريب فى الميناء، بلطية بنت بحري، دماء بعد منتصف الليل، كلاب المدينة، هارب إلى السجن، إغتيال فاتن توفيق، فى الصيف الحب جنون”.

أهم أحداث العام السينمائية

انعقد المهرجان القومي الأول للسينما المصرية فى الفترة من 30 إبريل وحتى 8 مايو، وضم لأول مرة مسابقتي الأفلام الروائية والتسجيلية والقصيرة من خلال لجنتي تحكيم الأولى برئاسة الكاتب والناقد “رجاء النقاش”، والثانية برئاسة المخرج “عبدالقادر التلمساني”، اشترك فى المسابقة الروائية 15 فيلما، وحصل فيلم “قليل من الحب كثير من العنف”، إنتاج رأفت الميهي على الجائزة الكبرى ” 100 ألف جنية”، وفيلم “الإرهابي” إنتاج مصطفى متولي وآخرين على الجائزة الثانية 75 ألف جنيه، وفيلم “سارق الفرح” إنتاج “سلطان الكاشف” على الجائزة الثالثة 50 ألف جنية.

كما حصل “عادل إمام” لأول مرة فى تاريخه على جائزة أحسن ممثل عن “الإرهابي”، وحصلت “ليلى علوي” على جائزة أحسن ممثلة عن فيلم “قليل من الحب”، وحصل “يوسف شاهين” على جائزة الإخراج عن فيلمه “المهاجر”.

عرض فى المهرجان فيلم “الضحايا” الناطق إخراج إبراهيم لاما، وبطولة بهيجة حافظ بعد أن قام صندوق التنمية الثقافية بترميمه.

انعقد فى الفترة من 24 يوليو وحتى 31 يوليو مهرجان الإسماعيلية السينمائي الدولي الرابع للأفلام التسجيلية والقصيرة، وقد عرض 88 فيلما من 26 دولة خلال المهرجان منها 41 فيلما فى المسابقة الرسمية من 25 دولة.

بطاقة الفيلم

قصة : خيري شلبي

سيناريو وحوار : داوود عبدالسيد

تصوير : طارق التلمساني

مونتاج : أحمد متولي

صوت : جميل عزيز

ديكور وإشراف فني : أنسي أبوسيف

موسيقى : راجح داود

تاريخ العرض : 3 يونيو 1995

بطولة : لوسي، حنان ترك، ماجد المصري، حسن حسني، عبلة كامل، محمد هنيدي، فتحي عبدالوهاب، لطفي لبيب، محمد شرف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.