رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

“باب الحديد” .. درة أفلام يوسف شاهين

مشهد صعب جدا بين هنومة وقناوي

* كان من المقرر أن يقوم ببطولته شكري سرحان ومحمود مرسي

* عبدالحي أديب: بسببه ودعت التفكير السينمائي وقبلت أن أنفذ أفكار المنتجين

* يوسف شاهين : أحد المتفرجين بصق في وجهي ليلة الافتتاح وقدمت بعده 4 أفلام غير راضي عنهم.

* هند رستم: أدواري في كفة و” هنومة” في كفة!

فريد شوقي أجاد في دوره

كتب : أحمد السماحي

يعتبر فيلم “باب الحديد” درة أفلام ” يوسف شاهين”، وواحد من أهم ” كلاسيكيات السينما المصرية” بأسلوبه السينمائي الجديد المتفرد فى هذا الوقت 1958، رغم فشله الجماهيري الساحق، لكن هذا الفشل تحول إلى إعجاب، وحب بعد سنوات من عرض الفيلم الذي يأسرك بموضوعه وأبطاله، والمكان الذي تدور فيه الأحداث، كل شيئ فيه يؤكد تميزه، لهذا سكن ذاكراتنا ولم يبارحها منذ قدم وحتى الآن.

هذا الأسبوع قررنا في باب “فيلم لا ينسى” الحديث عن كواليسه، والمفارقات التى صاحبت اختيار أبطاله، والمشاهد التى لا ينساها صناعه وقت عرضه.

“باب الحديد” ينافس “إمرأة في الطريق”

عرضت  السينما المصرية عام 1958 وقت عرض فيلم “باب الحديد” 55 فيلما سينمائيا، من أهم أفلام هذا العام “جميلة بو حيرد، شارع الحب، الملاك الصغير، إمرأة في الطريق، سيدة القصر، قلوب العذارى، سلطان، الطريق المسدود، أحبك يا حسن، مجرم فى إجازة، غريبة، شاطئ الأسرار، أمسك حرامي، ساحر النساء، هذا هو الحب، الأخ الكبير، ماليش غيرك، أبو عيون جريئة، حبيبي الأسمر، مع الأيام، الزوجة العذراء، رحمة من السماء، بنت 17، المعلمة، حب من نار” وغيرها.

كما شاركت مصر في عدة مهرجانات دولية، حيث شاركت في مهرجان برلين بفيلم “باب الحديد” إخراج ” يوسف شاهين، وفي مهرجان بروكسل بفيلم “رد قلبي” إخراج “عز الدين ذوالفقار”، وفي “كارلو فيفاري” بفيلم ” أرضنا الخضراء “إخراج أحمد ضياء الدين”، وشاركت أيضا في مهرجان “طشقند” بفيلم “خالد بن الوليد” إخراج حسين صدقي.

من كواليس الفيلم 1
من كواليس الفيلم 2

ميلاد “باب الحديد”

يقول الكاتب والسيناريست الكبير “عبدالحي أديب” فى كتاب “عبدالحي أديب… دراما بلا حدود” للزميلة الناقدة السينمائية “نهاد إبراهيم” عن كيفية ولادة فيلم “باب الحديد”: طرأت على فكرة فيلم “باب الحديد” أثناء كتابتي سيناريو فيلم “إمرأة في الطريق” بعدما وصلت لنصفه تقريبا، ففي هذا الوقت هاجمني إلهام سيناريو “باب الحديد” من منطلق عدة دوافع اجتمعت كلها في وقت واحد، فقد استلفت نظري تلك الإثارة الدرامية النابعة من محطة السكك الحديدية أو محطة مصر التى يلتقي فيها كل طوائف المجتمع بين مسافرين وعائدين، محملين بالعديد من المواقف والصراعات الدرامية التى تصلح كسيناريو لأفلام كثيرة، ففكرت فى توظيف محطة مصر كمرآة كاشفة فاضحة للمجتمع ككل، معتمدا على لغة الواقعية الحديث التى تأثرت بها من متابعتي لأفلام السينما الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية.

قناوي يهمس لهنومة

مجنون هند رستم

وقد استدعت ذاكرتي بيتنا فى المحلة الكبرى المطل على محطة السكة الحديد الصغيرة، وانبهارنا بالمغامرات العاطفية التى تحدث بين عربات القطار، ولكنني لم أكتب سيناريو “باب الحديد” فعليا إلا بعدما شاهدت بائع جرائد أبرصا يتجول أمام نقابة الممثلين، لا يغلف غطاء الصحف الجلدي إلا بصور الفنانة هند رستم، التى كانت فاتنة الفاتنات بمعنى الكلمة، فتحدثت معه، وعرفت أنه مجنون بها، وبعدها بدأت الكتابة، وطرحت فى السيناريو فكرة هذه العلاقة المعقدة ممتزجة بنظرة شمولية عن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.

وقد تعمدت خوض تجربة أصعب أنواع الدراما التى تلتزم بوحدة الزمان والمكان والحدث كما أشار “أرسطو”، وبعدما انتهيت من كتابة “باب الحديد”، وتخلصت من إلحاحه المستمر على ذهني، عدت مرة أخرى لاستكمال كتابة سيناريو فيلم “إمرأة في الطريق”.

شكري ومرسي

ويستكمل السيناريست الكبير “عبدالحي أديب” كواليس اختيار أبطال الفيلم فيقول: أخذ صديقي المخرج الإيطالي المقيم في مصر “فرنتشو” الفيلمين وعرضهما على صديقه النجم “فريد شوقي” الذي كان يعيش أوج أزمته المالية من جراء فيلميه “المجد، وبورسعيد” عام 1957، وقرأت زوجته الفنانة “هدى سلطان” الفيلمين فأعجبت بهما بشدة، وأعطتهما للمخرج “نيازي مصطفى” الخبير بكل أسرار السينما.

وأعجب ” نيازي” بسيناريو “باب الحديد” بشدة، وقرر إخراج مشاهده الأكشن على أن يتولى “يوسف شاهين” إخراج بقية المشاهد، لكن “يوسف” أبلغني أنه يريد إخراج الفيلم بمفرده، وتقبل “نيازي” الأمر بروح فنية عالية، مقدرا طموح المخرج الشاب.

ورشحنا “شكري سرحان” لدور “قناوي” لكن لخلاف على الأجر تم استبعاده، بعدها تم ترشيح “محمد توفيق” لكن لإنشغاله بتصوير أكثر من فيلم، تم استبعاده أيضا، واقترح “شاهين” تمثيل الدور، فواقفت بمنطق حماس الشباب، ولم أكن أعرف وقتها قيمة وجود النجم فى الفيلم تجاريا، كما استبدلنا ترشيح الفنان “محمود مرسي” القادم من فرنسا لتوه بالنجم “فريد شوقي” ليلعب دور “أبوسريع” لاحتياجنا لإسم تجاري، وبسبب ظروفه المالية الصعبة قبل “فريد” أن يلعب الدور الثاني فى البطولة على أن يلعب دور البطولة في “إمرأة في الطريق” مع زوجته “هدى سلطان” التى لم تجد نفسها في “باب الحديد”.

فريد شوقي وهند رستم

صدمة الفشل

تقول الناقدة “نهاد إبراهيم” عن صدمة فشل الفيلم جماهيريا: برغم المردود النقدي الطيب الذي استقبل به فيلم “باب الحديد”، إلا أن فشله التجاري كان له أثاره الشديدة القريبة والبعيدة المدى على الكثيرين، وعلى رأسهم الفنان “عبدالحي أديب”، فعلى المستوى القريب تخلص “فريد شوقي” سريعا من سيناريو “إمرأة في الطريق” وباعه للمنتج “حلمي رفله”، الذي رشح “عز الدين ذوالفقار” لإخراجه، ويحل “رشدي أباظة” محل “فريد شوقي” فى دور “صابر”، مع الاحتفاظ بالفنانة “هدى سلطان” بطلة للفيلم.

أما “يوسف شاهين” فقد صرح أن فشل “باب الحديد” جماهيريا أصابه بصدمة كبيرة، مما دفعه لتقديم بعض الأفلام التى ندم عليها فيما بعد، وعلى مدى المستقبل البعيد تعثرت المشروعات السينمائية بين “عبدالحي، وشاهين”، ووصلت لدرجة متفاقمة في فيلم “نداء العشاق” عام 1960، عندما أحضر “شاهين” وجيه نجيب لتعديل بعض مناطق سيناريو “أديب”، ولهذا أعاد “عبدالحي أديب” تقديم نفس القصة مع المخرج يحيي العلمي عام 1981 بعنوان “صراع العشاق”.

ماذا فعل “باب الحديد” في صاحبه؟!

يقول عبدالحي أديب عن الأثر النفسي الذي تركه فشل باب الحديد على نفسه: لم أشعر بطعم نجاح فيلمي “إمرأة في الطريق” الذي عرض بعد “باب الحديد”، وتحولت من صاحب فكر إلى حرفي، فامتنعت تماما عن تقديم أفكار، وكنت أسأل المنتجين ماذا تريدون أنتم؟! وأحول أفكارهم لسيناريوهات سينمائية حتى لو كانت الفكرة سخيفة!

قناوي يبيع الجرائد

يوسف شاهين يتحدث

في حوار ليوسف شاهين مع الكاتب والناقد السينمائي “قصي صالح درويش” سأله: “باب الحديد” ماذا شكل في مسارك السينمائي؟ فأجاب: كان مهما جدا لأنه كان دورا داخليا، والمنتج قال لي: أعمل الدور ده، ولم أصدق!، كان دورا نفسيا جدا فيه كثير من الصراع الداخلي ويجب أن تقرأ في العيون، وكانت “هند رستم” تحضر وتشاهد المشاهد التى أقوم بتمثيلها بمفردي، وتحييني عليها أو تعطيني ملاحظاتها، ثم تترك مكان التصوير وتعود لبيتها أو لشغلها، عموما هى “بنى أدمية جميلة قوي ودمها خفيف جدا”.

وفي العرض الخاص للفيلم لاقى رفضا من الجمهور، والفشل الذي لاقاه “باب الحديد” كان صاعقا، وليلة الافتتاح بصق متفرج في وجهي، وكل هذا لأننى أظهرت تعاسة الحرمان الجنسي الذي يعيشه بائع جرائد فى محطة مصر، واضطررت إلى تغيير أشياء في الفيلم، وأضافة لقطات قريبة إلى عيون “قناوي” بعدما أصر المنتج ومن حولنا أنها تساعد على تفسير الأشياء، بالطبع لم تصف اللقطات الجديدة أي شيئ إلى مسيرة الفيلم، وكل ما فعلته بتنازلي هو التشويه فى أسلوبه.

بعد عشرين عاما من عرضه سينمائيا، وعندما عرضه “التليفزيون المصري” أصبح “باب الحديد” فيلمي الأكثر شعبية، ويعيد التليفزيون عرضه باستمرار.

 وبعد فشل هذا الفيلم عملت أربع أفلام سميتهم بالمرحلة السوداء في حياتي وهذه الأفلام هى “حب إلى الأبد، نداء العشاق، بين ايديك، رجل في حياتي”.

يوسف شاهين في دور قناوي

هند رستم : رشحت “شاهين” لدور “قناوي”

في حديث للنجمة الكبير “هند رستم” فى مجلة ” سينما” قالت عن دورها في “باب الحديد”: عملت مع “يوسف شاهين” فى ثلاثة أفلام هى “بابا أمين، إنت حبيبي، باب الحديد”، قبل “باب الحديد” شاركت في عشرات الأفلام، حين عرض على “جو” دور “هنومة” بائعة زجاجات المياه الغازية بمحطة مصر، تذكرت فورا نصيحة أستاذي “حسن الإمام” الذي قال لي: “إذا عرض عليك دورا مختلف عن أدوراك المعتادة اقبليه على الفور”، وجدت فعلا أن “باب الحديد” كله في أجوائه وأحداثه ونماذجه البشرية يختلف عن المسار العام للسينما المصرية فقبلته على الفور.

وقابلت “هنومة” الحقيقية واستفسرت منها عن حياتها اليومية، وعلاقاتها وهمومها، وجوانبها الخفية، وتهيأت للدور نفسانيا وبدنيا، وعملت على أن أكون متوافقة مع الجلباب الواحد، المبتل بالماء، ودلو زجاجات المياه الغازية، الذي يعتبر جزءا مني لا أتركه أبدا، حتى حين يطاردني رجال الشرطة، وتعبت كثيرا فى هذا الدور، لهذا أقول: “أدواري كلها في كفة” وهنومة في كفة!

ولقد نصحت “يوسف شاهين” بتمثيل دور “قناوي” الذي رشح له “محمد توفيق، وصلاح منصور” وتردد ثم وافق على تمثيله، وكنت أذهب إليه فى الأيام التى لا يوجد لي تصوير لأشاهده وهو يمثل دور “قناوي”.

في المشهد الأخير في نوبة هيسيتريا “قناوي” وهو على حافة الجنون، يمسك “بهنومة” منبطحا بين قضيبي السكة الحديد، بينما القطار قادما نحوهما قبل عدة أمتار عن وصول القطار، طلب مني “شاهين” أن أقف وأجري بعيدا، لكن بسبب متاعب ظهري لم أتمكن من القيام، واضطر “جو” للجري لأنه لم يستطع حملي! وهو نفسه يذكر هذه الواقعة التى كنت فيها على مشارف الموت”.

هنومة موحولة في ملابسها

……………………………………………………………………………………………………………………..بطاقة الفيلم

قصة وسيناريو: عبدالحي أديب

حوار: محمد أبو يوسف

مهندس الديكور: عباس حلمي

مدير التصوير : الفيزي أورفانللي

المكياج: سيد محمد، حمدي رأفت

المصور: مسعود عيسى

مهندس الصوت: عزيز فاضل

الموسيقى التصويرية: فؤاد الظاهري

المونتاج: كمال أبوالعلا

إنتاج : جبرائيل تلحي

الأبطال: فريد شوقي، هند رستم، يوسف شاهين، حسن البارودي، نعيمة وصفي، عبدالعزيز خليل، سعيد خليل، عبدالغني النجدي، لطفي الحكيم، فاروق الدرمرداش، عبدالحميد بدوي، أحمد أباظة، هناء عبدالفتاح، سيد العربي، صبري عبدالعزيز، والوجوه الجديدة: ” صفية ثروت، أسعد قلادة، شيرين، جلال عيسى، سهير، عصمت محمود، غريب معوض، نوال مرسي، محمد مظهر، أحمد طنطاوي”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.