رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

“دعاء الكروان” .. شارك في الأوسكار رغم سخرية طه حسين

هنادي وآمنة يفكران فيما سيفعل خالهما

كتب : أحمد السماحي

يعتبر فيلم ” دعاء الكروان” الذى أنتج عام 1959 واحدا من أفضل أفلام السينما المصرية على الإطلاق، لهذا لم يكن مستغربا أن يتم ترشيحه لجائزة “أوسكار” أفضل فيلم أجنبي عام 1960 ، وفاز بشهادة تقدير من هيئة “أوسكار” بهوليود، كما عرض في مهرجان برلين عام 1959، وأحتل المرتبة “السادسة” من بين أفضل عشرة أفلام قدمت في تاريخ السينما المصرية، وذلك بحسب استفتاء مجلة “فنون” عام 1984.

هذا الفيلم كان من المقرر أن تنتجه السينما في منتصف الأربعينات، بعد طرح الرواية بسنوات قليلة جدا، وكان من المقرر أن يقوم ببطولته المطرب “فريد الأطرش” وإخراج “بركات” ونترك “فريد الأطرش” يحكي لنا التفاصيل كما جاءت في مذكراته :

الأم باكية عاى هنادي

بعد وفاة  شقيقتي “أسمهان” مررت بحالة من الضياع الإنساني والفني، ونصحني البعض من أصدقائي المخلصين أن علاجي الوحيد هوالعمل، فاتصلت بصديقي المخرج “هنري بركات” الذى كان ترك عمله الأساسي المحاماة حبا فى الفن، وطلبت منه العمل معي فى فيلم جديد، وبدأنا نبحث عن قصة للفيلم، وعثرنا على قصة “دعاء الكروان” لعميد الأدب العربي الدكتور “طه حسين”،  وذهبت أنا و “بركات” لمقابلة عميد الأدب العربي للاتفاق على تحويل روايته “دعاءالكراون” لفيلم سينمائي، ورحب العميد بالفكرة، وقبل أن تنتهي الجلسة سألني: أنت قرأت الراوية يا أستاذ فريد؟! فأجبت: طبعا سيادة العميد وانبهرت بأجواء الرواية ككل، وبالتفاصيل الموجودة فى الرواية، فسألني العميد مرة ثانية: وهل ستجيد فى تقديم دور “المهندس” الموجود فى الرواية؟! فصمت: وتمتمت بكلمات بسيطة من نوعية: بإذن الله، وربنا يسهل،  فقال عملاق الأدب : “الرواية ليست فيها صور، أنت تعلم أنني لا يمكنني كتابة الصور ببراعة”، فرد عليه بركات: “على العكس يا فندم، الرواية مليئة بالصور”.

المهندس يحاول استمالة “آمنة”

ودار بين “طه حسين” وبيننا نقاش أدبي وفني وسياسي انبهرت فيه بشخصية عملاق الأدب المصري، واستمتعت بحديثه، وتطرقه إلى كل المجالات بأسلوب خبير وروح فنان، وبعد دقائق معدودة اتفقنا على كل ما يتعلق بالفيلم وحرر “أحمد نجيب الهلالي باشا” صيغة العقد ووقع العميد وأنا عليه”.

عندما عكف “بركات ” على دراسة القصة لإعدادها وجد البطل شريرا يعتدي على الأعراض، ولايمكن أن يكون مطربا يشدو بأغاني الحب والغرام التى تلمس القلوب وتجتذب الألوف إلى شباك التذاكر، وكانت خطته مع “فريد الأطرش” أن يكون الفيلم غنائيا استعراضيا لأنه يقدمه لجمهوره الذى يتوقع منه الأغنية والأوبريت والموال، مما لا يتاح فى قصة درامية، أو فى فجيعة فيها سفك دماء وهتك أعراض، فاضطرا إلى تأجيل قصة “دعاء الكروان” لفترة، والبحث مجددا عن قصة تصلح للسينما الغنائية، وبعد أسابيع من البحث، عثرا على ما يبحثان عنه عند الكاتب والشاعر “بديع خيري” الذى أهداهما قصة فيلم “حبيب العمر” التى حققت عام 1947 نجاحا كاسحا وبسببها كون الأطرش ثروة مالية وثنائيا فنيا مع سامية جمال.

آمنة مع زوجة وابنة المأمور

وبعد سنوات  طويلة وبالتحديد عام 1958  تذكر “بركات” قصة ” دعاء الكروان” فأخرجها من الإدراج وأهدها لسيادة الشاشة العربية “فاتن حمامه”، التى طارت بالقصة، ورفضت بسببها فيلم “حسن ونعيمة” الذي كان من المقرر أن تلعبه مع نفس المخرج “بركات”، لأنه ليس من المعقول أن تلعب في عام واحد فتاة ريفية، وأخرى صعيدية.

طه حسين يبكي فاتن حمامه

قبل بدء تصوير الفيلم حصل المنتج والمخرج “بركات” على موعد من “عميد الأدب العربي” لمقابلة بطلة الفيلم “فاتن حمامه”، وبالفعل اصطحب “بركات فاتن” وذهبا إلى زيارة  الدكتور “طه حسين” الذي استقبلهما بحفاوة بالغة، وبعد أن أخذا واجب الضيافة قال لها العميد  بسخرية واستهزاء : انت تقدري تفهمي دور “آمنة” ؟

قالت فاتن : فهمته كويس، وهز “طه حسين” رأسه بسخرية وقال بسخرية أكبر: هنشوف!

وخرجت فاتن من عنده وهى باكية مجروحة مطعونة، وراحت تقول لصديقها “بركات” مخرج ومنتج الفيلم لماذا عرضتني لهذه البهدلة؟.

 وتم تصوير الفيلم وعرض في عرض خاص حضره دكتور “طه حسين” وقرينته وابنته وابنه، وعندما انتهى العرض فوجئت “فاتن” بالدكتور “طه حسين” يقول لها: إن خيالي وأنا أكتب صورة “آمنة” فى القصة هو بالضبط ما فعلتيه أنت، أنت سيدة الشاشة مدام فاتن، وخرجت من العرض وهى طائرة من السعادة وتحمل لقب “سيدة الشاشة “.

الأم تستغرق في التفكير بمصير هنادي

فاتن حمامه تقول :

وعن هذا الفيلم قالت فاتن حمامه للناقد السينمائي الراحل سمير فريد: فيلم “دعاء الكروان” كان عظيما يكفي المعنى الذي يحمله ما هو الأقوى الحب أم الأنتقام؟ هذا الفيلم من الأعمال السينمائية الكبيرة التى شرفت بالعمل فيه مع مجموعة من زملائي الذين أخلص كل واحد في دوره، فأصبح بسبب الحب والتفاني والإخلاص واحد من أهم أفلام السينما المصرية..

أفيش فيلم “دعاء الكروان”

……………………………………………………………………………………………………………………..

بركات يتحدث عن الكروان

كان فريد الأطرش يريد عمل هذه الرواية، فأرسل لي الرواية ولكني بعد أن قرأتها، وذهبنا للقاء عميد الأدب العربي الدكتور “طه حسين” قلت له إنها لا تصلح لك، لكن بقيت الرواية في الذاكرة، وخفت من الاقتراب، حيث وجدت جوها غريب شوية علي، كنت “هايب” من الرواية، وأثناء إخراجي لفيلم “حسن ونعيمة” نشأ بيني وبين “جو” الفلاحين نوع من التفاهم، فتشجعت، وأثناء بحثي عن النماذج التى تصلح كقري نصور فيها، مريت على قرية فقلت : “يا سلام القرية دي تصلح لدعاء الكروان، كانت في بطن الجبل، كما كتب الدكتور طه حسين”، وعندما أنهيت “حسن ونعيمة” قلت سأجازف وأعمل ” دعاء الكروان”، وقد كان.

……………………………………………………………………………………………………………………..

نهايتين لـ “دعاء الكروان”

كان الدكتور “طه حسين” شخص ملتزم جدا، ولا يحب التغيير ولا التبديل في أعماله، وحاول المخرج “بركات” مناقشته في نهاية الرواية، ولكنه رفض تغييرها،  لهذا قام “بركات” بعمل نهايتين للفيلم، نهاية  تتزوج وتعيش فيها “آمنه” مع “المهندس”، والنهاية التى شاهدناها في الفيلم.

وفي العرض الخاص للفيلم عرض “بركات” الفيلم بالنهايتين، وكان يحضر الفيلم الدكتور “طه حسين” وعائلته، ويومها قال له ابنه الدكتور “مؤنس” أن نهاية المخرج هى التى تتماشى مع عقلية المتفرجين، وفي صالح الموضوع، لأن نهاية الفيلم أن “آمنة” تتزوج وتعيش مع المهندس الذي كان سببا في موت أختها كما جاءت فى الرواية غير معقولة، فأقتنع العميد، وأحب أن يهدى القائمين على الفيلم هدية فطلب أن ينهي الفيلم بصوته، وقد كان.

……………………………………………………………………………………………………………………..

عمار الشريعي يتحدث عن موسيقى ” الكروان”

أكد الموسيقار “عمار الشريعي” في برنامجه ” سهرة شريعي” أن “دعاء الكروان” يملك أحلى موسيقى تصويرية كتبت في تاريخ السينما المصرية كله، بالرغم من إدراكه لوجود بعض “الهنات” والتى أبرزها أنه يمكن وصفها بأنها موسيقى “خواجاتي” موسيقى غربي بالشكل والملامح ولكن الجملة الرئيسية شرقية مائة بالمائة، جملة شرقية جميلة جدا، وبسيطة جدا، وسهلة جدا، تترواح بين مقام الكرد وصبا الزمزمة، وهو مقام حزين استخدمه الشيخ زكريا أحمد فى أغنية “هو صحيح الهوى غلاب”، مقام حزين جدا، ولكنه عندما يصاغ على درجة الكرد وتحذف منه “الربع تون” يسمى عندئذ “صبا زمزمة” .

لحظات براءة بين آمنة وهنادي

……………………………………………………………………………………………………………………..

النقاد والكروان

يقول الأديب والكاتب الكبير أحمد رشدي صالح : “من حق المخرج علينا أن نذكر له أنه جاهد وجاهد معه مؤلف الحوار والسيناريو لتحويل “دعاء الكروان” من عمل أدبي كبير طابعه شعري متفرد إلى عمل سينمائي كبير”.

ويقول المخرج السينمائي سمير سيف : “فيلم ” دعاء الكروان” في رأيي أفضل ما قدمه بركات من ناحية المستوى الفني، ويكفيه فخرا أنه قدم أرفع مستوى وصل إليه فيلم مصري، إلا أن هذا لا ينسينا عددا من أعماله الكبيرة الأخرى مثل “في بيتنا رجل، الحرام، الباب المفتوح، سفر برلك”.

……………………………………………………………………………………………………………………..

أشهر أفلام عام 1959

عندما عرض فيلم “دعاء الكروان” كان إنتاج السينما في هذا العام 1959 فيلم أشهر هذه الأفلام “المرأة المجهولة، بين السماء والأرض، من أجل حبي، حسن ونعيمة، الرجل الثاني، صراع في النيل، أنا حرة، بين الأطلال، العتبة الخضراء، حكاية حب، إحنا التلامذة، نساء محرمات، قاطع طريق، أحلام البنات، عفريت سماره، أرحم حبي، فضيحة في الزمالك، بفكر في اللي ناسيني، كل دقة في قلبي، من أجل إمرأة، سجن العذراى، ليلي بنت الشاطئ،  حب إلى الأبد، عش الغرام، مفتش المباحث، عريس مراتي” وغيرها.

……………………………………………………………………………………………………………………..

بطاقة الفيلم

إنتاج : أفلام بركات

سيناريو : بركات ويوسف جوهر

حوار : يوسف جوهر

مونتاج نيجاتيف : مارسيل صالح

مهندس المناظر : ماهر عبدالنور

المصور : مسعود عيسى

مركب الفيلم : فكري رستم

مكياج : ميشو

أكسسوار : نجيب خوري

أخذت المناظر : بإستديو ناصيبان

الموسيقى التصويرية : أندريه رايدر

مدير الإنتاج : عبدالله بركات

التوزيع الخارجي : شركة ” دولار فيلم” إسماعيل الكردي وأولاده

مدير التصوير : وحيد فريد

إخراج : بركات

بطولة : فاتن حمامه، أحمد مظهر، زهرة العلا، أمينة رزق، عبدالعليم خطاب، ميمي شكيب، كوثر رمزي، لطفي الحكيم، حسين عسر، ناهد سمير، رجاء الجداوي، أدمون تويما.

……………………………………………………………………………………………………………………..

غلاف رواية طه حسين

الرواية

رواية “دعاء الكروان” من أشهر روايات عميد الأدب العربي “طه حسين”، نشرت الرواية في عام “1942”م، حاول فيها “طه حسين” أن ينتقد المجتمع المتزمت المحافظ في تلك الفترة، والتي كانت فيه المرأة مهضومة الحقوق وتعد عورة يجب أن يتم حجبها عن العالم، وتناول فيها أيضا الانتقاص والظلم الذي لحق بالمرأة وحقوقها.

وفي الرواية نجد أن المرأة لا تغلب إلا إذا أحبت، ولا تقهر إلا إذا أرادت، ولاتذعِن إلا إذا رغبت في الإذعان، ما أسهل المكر حين تتهيأ له النفس! وما أيسر الكيد حين يطمئن إليه الضمير.

استوحى الشاعر اللبناني “خليل مطران” قصيدة من أجواء الرواية، ترجمت الرواية إلى اللغة الفرنسية عام 1949.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.