رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

خواكين فينيكس .. من جحيم الفقر إلى نعـيم الأوسكار

بوستر فيلم الجوكر JOKER

الجوكر .. رسالة توعوية وتحذيرية للأسرة والمجتمع

بقلم الدكتور: طارق عرابي

فاز بجائزة الأوسكار الأسبوع الماضي كأفضل ممثل في دور رئيسي عن أدائه في فيلم الجوكر JOKER ورُشحَ لثلاث جوائز أوسكار من قبل، عام 2001 كأفضل ممثل مساعد في فيلم المصارع Gladiator، عام 2006 كأفضل ممثل في دور رئيسي عن فيلم Walk The Line، ثم في عام 2013 رُشح للأوسكار كأفضل ممثل في دور رئيسي عن فيلم The Master، إنه الممثل الأمريكي – البورتوريكي الأصل جواكين فينيكس – أو كما ينطقون إسمه بالعربية “خواكين فينيكس” JOAQUIN PHOENIX ، وقد فازت المؤلفة الموسيقية هيلدور جوانيديتور Hildur Guonadottir ، بجائزة الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية بنفس الفيلم “الجوكر” ، وهي صاحبة الموسيقى التصويرية الرائعة كذلك لسلسلة حلقات مسلسل تشيرنوبيل Chernobyl الذي فاز بجائزة إيمي Emmy Awards لأفضل موسيقى تصويرية أصلية لعمل تلفزيوني عام 2019 . وقبل أن نخوض في تناول تفاصيل فيلم “الجوكر” الذي رشح هذا العام لأحد عشر جائزة أوسكار وفاز باثنين منها كان من الضروري أن نتناول قصة نجاح الممثل “خواكين فينيكس” الذي بدأ من العدم ومضى في مشواره الطويل متمسكاً بالحقيقة الثابتة التي تقول: إن لم يصنع المعدوم سنداً من ذاته .. فلتفعل الدنيا ما شاءت بمن لا سندَ له.

الطفلان الموهوبان خواكين وأخوه الأكبر ريفر
أسرة خواكين فينيكس المكونة من 7 أفراد
فينيكس في ريعان الشباب

القصة القصيرة للمشوار الطويل في حياة خواكين فينيكس

ولد خواكين فينيكس في عام 1974 بمدينة سان خوان – بورتوريكو، كان أبوه نجاراً بسيطاً لا يستطيع توفير الحد الأدنى لمعيشة أسرة مكونة من 7 أفراد هم الأب والأم وأربعة أشقاء لخواكين وهم: ريفر River الأخ الأكبر وثلاثة بنات، رين Rain الأخت الكبرى، والأختان الصغرتان ليبرتي Liberty و سمر Summer، نعم إنها أسرة فقيرة لكنها تمتلك كنوزاً من المواهب في أبنائها، وعلى وجه الخصوص موهبة ريفر وخواكين. وبعدما انتقلت الأسرة إلى لوس أنجلوس بدأ الطفلان الصغيران يقدمان عروضاً على أرصفة هوليوود للمارة بغرض جمع تبرعات تقديراً لموهبتهما وحتى تستطيع الأسرة الصمود وعبور تلك المرحلة العصيبة في حياتهم، وكان مفتاح بداية شهرة الطفلين ,ريفر وخواكين, عندما تم اختيارهما للعب دورهما كشقيقين في المسلسل التلفزيوني الأمريكي “سبع عرايس لسبعة أخوة”  Seven Brides for Seven Brothers، وكان ذلك في عام 1982، ثم تأكدت انطلاقة شهرة الطفلين الموهوبين ريفر وخواكين بعدما تم ترشيحهما لجائزة أفضل أصغر فنانين عام 1984 في العمل التلفزيوني  The Riddle of Dyslexia، والذي يعني “لغز صعوبة التعلم” حيث أن Dyslexia هي صعوبة القراءة والتعلم وحل الرموز ولكنها لا تعني نقصاً في الذكاء العقلي.

وجاءت الصدمة الكبرى لخواكين عندما توفى أخوه الأكبر ريفر في الخامسة والعشرين في عام 1993 إثر جرعة مفرطة من الممنوعات، ورغم انكساره وحزنه أصر ,خواكين, على استكمال مشواره ليصل إلى تحقيق حلمه في التمثيل، وواجه خواكين حتى بعد نجاحه كثيراً من المطبات النفسية والعوائق العديدة في طريقه نحو تحقيق جائزة الأوسكار التي ترشح لها ثلاث مرات منذ عام 2001 حتى حصل عليها الأسبوع الماضي لأول مرة في جوائز الأوسكار لعام 2020.   

آرثر لحظة انتظاره قبل الدخول على الهواء لاستوديو برنامج موراي فرانكلين

فيلم الجوكر .. رسالة تحذيرية استحقت الترشح لـ 11 أوسكار

في بداية الفيلم نسمع صوت محطة أخبار تتحدث عن استمرار إضراب عمال النظافة مما تسبب في امتلاء شوارع المدينة بالقمامة وهو الذي لم تسلم منه حتى أرقى أحياء المدينة ، بينما نرى آرثر(الممثل خواكين فينيكس) جالساً أمام مرآة يضع على وجهه مكياج المهرج وتقترب الصورة أكثر فأكثر من وجهه لنرى بعضاً من حركات وتعبيرات وجهه والتي تعكس في مجملها أننا أمام شخص غير سوي نفسياً، ثم نكتشف أنه يقوم بعمله لصالح إحدى المحلات التجارية والتي يقف أمامها بشكله المهرج وبيده لافتة إعلان محاولاً جذب المارة لشراء سلعة ما من محل ما.

ومن بين المارة يسخر منه بعض الشباب صغار السن ويخطفون اللافتة التي بيده كنوع من التهريج الذي يستهين به ويبدي له عدم الاحترام ويركضون بعيداً ، ويبدأ  في الركض خلفهم ليستعيد لافتته وعندما يلحق بهم ينهالون عليه ضرباً باللافتة وبأيديهم وأرجلهم ، واستمروا في ضربه بقسوة حتى بعد أن أسقطوه أرضاً وحطموا لافتته.

وبالمشهد التالي مباشرة في عيادة الطب النفسي بإحدى المستشفيات ، يأتي آداء ,خواكين, ولا أروع وربما يكون من أهم المشاهد التي تسببت في ترشحه لجائزة الأوسكار والفوز بها، حيث نرى آرثر وهو يصيبنا بالحيرة في شخصيته فلا تستطيع أن تعرف هل هو يضحك أم يتألم أم يبكي.. ثم ينهي ضحكه وألمه وبكاءه بسؤال يوجهه لسكرتيرة الطبيب: هل هذا هو شعوري وحدي أم أن الجنون قد أصاب الجميع بالخارج؟!، ويدور الحوار بينه وبين هذه السيدة (سكرتيرة الطبيب) التي تفيده بأن الأوضاع عصيبة حيث أن الناس منزعجون، فالجميع يعانون ويبحثون عن فرصة عمل في وقتٍ غاية في الصعوبة ، ثم تسأله عن أحواله هو وما إذا كان مستمراً في كتابة يومياته كما طلب منه الطبيب أم لا؟، ثم يخرج دفتراً من حقيبته الموضوعة أرضاً بجانب مقعده ويناولها للسيدة، وتبدأ السيدة بتصفح دفتر مذكراته بينما يبدو التوتر على آرثر من خلال مشهد اهتزاز طرفيه السفليين بشكل متتالي ويقول لها: إنني أستعملها في كتابة مذكراتي وكذلك بعض الخواطر الطريفة المضحكة، لأنني أمضي في طريقي للعمل بمجال تأدية المواقف الكوميدية.

لا أريد أن أشعر بمزيد من الألم بعد الآن

وفجأة تنزعج السيدة من جملة كتبها بإحدى صفحات مذكراته يقول فيها: “يا ليت موتي يكون منطقياً ومفيداً أكثر مما هي عليه حياتي” ثم يطلب منها أن تجعل طبيبه يكتب له مزيد من الأدوية فتخبره بأنه يتناول حالياً 7 أنواع من الدواء وأنها بالتأكيد تؤتي مفعولها المطلوب ، فيرد عليها قائلاً: إنني لا أريد أن أشعر بمزيد من الألم بعد الآن.

خواكين فينيكس في المشهد الذي يعكس العبقريات الثلاث لآدائه الجسدي والمخرج ومدير التصوير

ثم نرى ,آرثر, جالساً على إحدى مقاعد “باص” محلي وبالمقعد الذي أمامه تجلس أم وطفلها ذو البشرة السمراء الذي يجلس على ركبتيه في وضع عكس مسار الباص محدقاً بوجه آرثر الذي هو الأخر يلحظ ذلك فيبدأ في محاولة إضحاك هذا الطفل من خلال بعض الحركات بيديه وعينيه وعضلات وجهه مما يلفت انتباه أم الطفل فتستدير وتوبخه وتطلب منه أن يكُف عن إزعاج طفلها، وتصر الأم على إحراج آرثر الذي يضحك فجأة بطريقة تعكس عدم استقراره النفسي، ثم يتأسف آرثر لأم الطفل ويخرج من جيبه بطاقة بيضاء تشبه “بطاقة البزنس كارد” فتتناولها الأم والتي نقرأ من خلالها ما كُتب على البطاقة: “سامحوني على ضحكي بهذه الطريقة فأنا أعاني من حالة مرضية – المزيد خلف البطاقة” ثم تعكس أم الطفل وضع البطاقة التي بيدها لتقرأ مكتوباً خلفها: إنها حالة مرضية تسبب ضحكاً مفاجئاً ومتكرراً لا يتوافق مع ما تشعر به في داخلك ، وهي حالة تحدث مع من لديهم إصابات دماغية أو اضطرابات عصبية محددة ، شكراً لكم ، أرجو إعادة البطاقة” .. ولكننا نحن المشاهدين للفيلم لا نستطيع أن نعرف هل آرثر هو الذي كتب ما بهذه البطاقة أم أن طبيبه منحه إياها ليستعملها عند غضب أحدهم عليه جراء ضحكه المَرَضِّي.

لجظة حصوله على الأوسكار 2020 لأفضل ممثل عن فيلم ” الجوكر “

ثم ينتقل الفيلم بالخيط الدرامي لحياة آرثر لنتعرف على أمه وعلاقته بها ، فنراه عائداً إلى المنزل، بعد أن فحص صندوق البريد الخاص بشقتهم والكائن بمدخل المبنى، ويدخل إلى أمه بغرفتها ويخبرها بأنه لا رسائل جديدة بالصندوق فترد عليه متحدثة عن شخص لا نعرف من هو قائلة: ربما لم تصله أي من رسائلي، ويرد آرثر: إنه “توماس وين” يا أمي الرجل المرموق والمشغول دائماً، ويجلس آرثر بينما تكمل أمه حديثها عن هذا الرجل: سيكون عمدة رائعاً ،، وتكمل أم آرثر حوارها مع إبنها عن أن هذا الرجل يشهد له الجميع بأنه سينقذ المدينة مما هي عليه ، وسنكتشف لاحقاً بأن هذا الشخص الشهير “توماس وين” هو والد آرثر الذي هجرهم منذ زمن طويل وتزوج بأخرى وأسس عائلة جديدة تعيش في أعلى المستويات المالية والاجتماعية، ونلحظ فجأة اهتمام آرثر ببرنامج تلفزيوني يحمل إسم “مباشر مع موراي فرانكلين” ، ثم يظهر على الشاشة مقدم العرض موراي فرانكلين “الممثل البارع روبرت دي نيرو” ومعه مطرب شهير بفرقته ويبدأون بعزف “موسيقى الجاز”.

آرثر مع موراي فرانكلين الممثل البارع روبرت دي نيرو

موراي فرانكلين القدوة لآرثر

وبنعومة شديدة ينتقل مخرج الفيلم بالحدث من مجرد برنامج يشاهده آرثر على التلفاز لنجد العرض حياً ومباشرةً من المسرح ذاته ثم نرى آرثر جالساً وسط الجمهور ،، حيث أن موراي فرانكلين هو القدوة لآرثر الذي يريد أن يكون ناجحاً مثله في تقديم عرض كوميدي يجعله شهيراً مثل فرانكلين ،، وبينما يبدأ موراي فرانكلين التحدث إلى الجمهور يسمع صوتاً عالياً يتحدث إليه من بين الجمهور: أحبك يا موراي ، ويرد موراي على الصوت: وأنا أيضاً أحبك ،، ويضحك الجمهور الحاضر بالقاعة ،، ثم يطلب موراي من مسئول إضاءة المسرح أن يضيء قاعة الجمهور ليتعرف إلى صاحب هذا الصوت.

وعندما تُضاء قاعة المسرح يتعرف موراي إلى صاحب الصوت وهو آرثر، وعندما يتأكد أنه هو من قال له “أحبك يا موراي” يطلب منه الوقوف ويسأل عن إسمه وأين يعيش ويخبره آرثر بـأنه يعيش بالمدينة مع أمه، فيضحك الجمهور، ويخاطب موراي الجمهور على ضحكهم بأن هذا ليس أمراً طريفاً لأنه شخصياً (موراي) كان يعيش مع أمه هو أيضاً قبل أن يصبح فرانكلين الشهير، ويقول إنه عاش مع أمه وحدهما منذ ذهب أبوه لشراء علبة سجائر ولم يعد إلى المنزل حتى وقتنا هذا، ويضحك الجمهور، ثم يوجه موراي كلامه إلى آرثر: إنني أدرك شعورك يا آرثر لأنني أصبحتُ رجلَ البيت المسئول منذ أن وعيت على الدنيا ،، ويرد عليه آرثر مستعرضاً جانب نبلٍ في شخصيته: لقد اعتنيت دائماً بأمي أفضل عناية ،، فيصفق له الجمهور ونشعر بنشوة آرثر تجاه تصفيق الجمهور له، فيسأله موراي توكيداً: لابد وأن والدتك تحبك كثيراً بعد كل هذه التضحية من أجلها.

ويرد آرثر بتفاخر: نعم هي تحبني وتسألني دائماً أن أبتهج وأجعل الابتسامة على وجهي طوال الوقت وتقول عني دائماً إنني خُلقتُ لنشر السعادة والضحك، ويصفق الجمهور لآرثر هذه المرة تصفيقاً حاداً ويبدو الضيق على وجه موراي فرانكلين ومع ذلك يطلب من آرثر أن يصعد إلى المسرح فيستجيب آرثر على الفور وعندما يصعد إلى خشبة المسرح يستقبله موراي بعناق ثم تعانق يده يد آرثر ويرفعها مع يده وكأنهما نجمان يقدمان تحية للجمهور فيصفق الجمهور بشدة ، ثم يتوجه موراي للجمهور بإعلانه: يبدو أن لدينا عرضاً عظيماً الليلة فلاتذهبوا بعيداً وسنعود إليكم فوراً ،، ثم يدور حوار خاص قصير بين موراي وآرثر على خشبة المسرح ينتهي بأن يقول موراي لآرثر: هل ترى كل هذه الأضواء والشهرة والبرنامج والمشاهدين وكل هذا النجاح الرائع؟ إنني كنت لأتخلى عن كل هذه الأمور الرائعة بدون تفكير لأحظى بإبنٍ مثلك، فيتأثر آرثر ويعانق موراي.

ثم يعود بنا المخرج بنعومة شديدة إلى حيث كان يشاهد آرثر البرنامج على التلفاز مع أمه لتتحير كمشاهد وتسأل نفسك: هل أن آرثر كان يشاهد البرنامج على التلفاز وتذكر إحدى المرات الحقيقية التي حضر فيها عرض موراي فرانكلين؟ أم أن آرثر تمنى وتخيل أثناء مشاهدته للبرنامج تحقيق هذا الحلم الذي يتمناه ليصبح شهيراً مثل فرانكلين؟!

الأخ الأكبر لخواكين ، الممثل ريفر فينيكس الذي توفي إثر جرعة مفرطة من الممنوعات وعمره 25 عاما

مواطن نكرة لا قيمة له

كان من الضروري جداً سرد هذه المشاهد وتفاصيلها حتى نتعرف على خلفيات حياة آرثر ولكي نتمكن من توضيح بعض الأمور الهامة التي مهدت الطريق لخلق هذه الشخصية المعتلة نفسياً، وعندما نعرف ما حدث من والد آرثر تجاهه وعندما نعرف أن المجتمع المحيط بآرثر استهان به وجعله يشعر دائماً بأنه مواطن نكرة لا قيمة له في مجتمعه، فإننا ربما نراجع أنفسنا ونحاسبها (أفراداً وأسراً ومجتمعات) كي نتفادى كل ما يمكن أن يقود إنسان نحو الفشل وإلحاق الضرر بنفسه وبغيره.

وتسير أحداث الفيلم في اتجاه تصاعدي تزداد معه حالة آرثر سوءً، ولا يفوتني أن أذكر هنا واحداً من أروع مشاهد الفيلم ، حيث نرى آرثر من الخلف جالساً ونصفه الأعلى من جسده عارياً ، فبعبقرية الآداء الجسدي للممثل خواكين فينيكس بالإضافة إلى إبداع وعبقرية كل من المصور والمخرج ستشعر كمشاهد بحالة إعتلال نفسي قبل الضعف الجسماني لآرثر ، ثم نراه يمزق حذاءه بإحداث شق به وستشعر أن الذي يتمزق هو نفسه بالداخل وليس الحذاء، وكان آرثر حينها يتجهز لشخصية المهرج بمقر عمله.

ويبدأ هنا دور من حوله في دفعه للخروج من ضعفه بمنطق غاية في الغباء وذلك حينما يحدثه أحدهم بصالة التجهيزات بمقر عمله أنه قد سمع بحادثة ضرب الشباب له ورغم أن آرثر يرد عليه بشخصيته المسالمة ويشرح له أنهم مجرد صبية صغار وأنه كان لا ينبغي عليه أن يضخم الأمر، إلا أن هذا الشخص يخبره بأنه إن فعل ذلك وظل مسالماً فإنه سيكون شخصاً ضعيفاً يستحق الإهانة، ثم نرى هذا الشخص والذي يبدو وكأنه صديق مخلص لآرثر يخرج كيساً ورقياً من دولابه الخاص ويمنحه لآرثر كهدية له ، ويفتح آرثر الكيس الورقي وعندما يجد أن ما كان بداخله هو مسدس يخبره صاحبه بأن هذه الهدية من أجل أن يردع كل من يحاول إهانته ثم ينتهي المشهد بطلب حضوره إلى مديره في العمل الذي يخبره بورود شكوى عليه من صاحب المحل التجاري الذي تحطمت لافتته في حادث ضربه من الصبية الذين حطموا اللافتة على رأسه وجسده، ويخبره مديره في العمل ، رغم علمه بحادثة ضرب الصبية له ، بأنه غير مرغوب في استمراره بالعمل لدى الشركة.

أهم أسباب التطرف والإرهاب

هناك حقيقة تقول إن “هناك من ضاق بالعيش لضيقه، وهناك من ضاق بالعيش لسعته”، وأنا شخصياً أؤمن بذلك ، ولكني أملك دليلاً على وجود حالة ثالثة أكثر أهمية وهي أن “هناك من ضاق بالعيش ليس لضيقه ولا لسعته بل لضيقِ أفقِ أسرته أو مجتمعه الذي يعيش فيه”، فبينما في مجتمعاتنا العربية يرددون دائماً أن الفقر والبطالة هما أهم أسباب التطرف والإرهاب إلا أنني أملك البرهان على أن شعور المرء بأنه نكرة ولا قيمة له هو مفتاح تحوله إلى فريسة سهلة للإجرام أوالإدمان أوالتطرف والإرهاب، فأسامة بن لادن لم يكن فقيراً ، وكذلك لم يكن ثراء عائلته أو ثراؤه سبباً لما وصل إليه.

آرثر لحظة قتله للمذيع الشهير موراي فرانكلين على الهواء مباشرة أمام ملايين

بل إن السبب الحقيقي يعود إلى معاملة أشقائه له ، حيث كانوا دائماً يشعرونه بأنه “الأخ المدلل الفاشل” ولم يكن له دور ملموس في أعمال والده المقاول الثري كما كان دور أشقائه الآخرين ، وهذا الشعور باللاقيمة وبأنه نكرة هو ما دفعه إلى اتخاذ طريق يصنع منه نقيضاً لما هو عليه ، فاختار أسامة أن يكون “بالوهم” بطل الإسلام والمسلمين من خلال أفعال تجعله الأشهر بل والشغل الشاغل لكل قادة العالم.

وعليه ، فإنه بالعودة إلى فيلم “الجوكر”، فإنه كلما يتعمق شعور الإهانة والتحقير داخل نفس آرثر سواء كانت هذه الإهانة من والده أو من رئيسه في العمل أو من تحقير المجتمع له ولقيمته كإنسان ، فإننا سنرى شخصاً ضعيفاً مسالماً يتحول بكل ما ترسب في نفسه البشرية من إهانات وإحباطات إلى كائن يشكل خطراً كبيراً على نفسه وعلى كل من حوله ، وهذا هو ما سيدفع آرثر لاحقاً إلى معاقبة ، بل وقتل ، كل من يهينه أو يحقر من شأنه ،، حتى يصل في نهاية الفيلم ليكون ضيفاً حقيقياً مع موراي فرانكلين في برنامجه الشهير بحضور ضيفين آخرين أحدهما طبيبة نفسية شهيرة ، ويدور الحوار بين آرثر وفرانكلين أمام جمهور المسرح وملايين المشاهدين للبرنامج على شاشة التلفاز.

إن هذا الحوار يعكس وعياً وإبداعاً كبيرين من المؤلف والسيناريست الذي بلور من خلاله عدة رسائل غاية في الأهمية ، وهي في مجملها تحذر الأسرة والأفراد والمجتمع ككل من خطر الاستهانة أو الاستهتار بأي مواطن وبمشاعره ، ويسلط الضوء على أننا جميعاً مذنبون بسبب ما صنعناه من سوء وإحباط داخل نفس هذا المواطن وكذلك بسبب غفلتنا عما كان يمكننا أن نصنعه من خير وإصلاح في هذه الشخصية التي تحتاج إلى الاهتمام منا جميعاً، وأننا نحن “الأسرة والأفراد والمجتمع” من نساهم في صنع ملايين “آرثر” بضيق أفقنا وبسخريتنا على ضعف وقلة حيلة أي إنسان وبغفلتنا عما يشعر به من إهانة وإحباط وبمساهمتنا المباشرة والغير مباشرة عن دون وعي في تعميق شعوره بأنه مجرد نكرة بين أفراد أسرته أو مجتمعه.

وينتهي الحال بآرثر في حواره مع فرانكلين على الهواء مباشرة، وبعدما رأيناه يُخرج دفتر يومياته ويفتحه على الصفحة التي كتب فيها “يا ليت موتي يكون منطقياً ومفيداً أكثر مما هي عليه حياتي” ، أن يعلن ولأول مرة عن أنه القاتل الحقيقي وراء جرائم القتل التي حدثت في المدينة بالأسابيع القليلة الماضية ويظن فرانكلين أنها مزحة أو “نكتة” لكن آرثر يؤكد له أمام كل الجمهور أنها ليست مزحة وأنه هو القاتل الحقيقي لثلاثة شبان بمترو الأنفاق، ويبرر آرثر سبب اعترافه بجرائمه بأنه لم يعد لديه ما يخسره وأنه لا يوجد شيء في هذه الحياة يمكن أن يؤذيه (أكثر مما فعل المجتمع به).

رقصة قصيرة تختم العرض

ويصف آرثر فرانكلين وجهاً لوجه وعلى الهواء مباشرة بأنه إنسان فظيع لأنه دعاه إلى البرنامج من أجل تحقيره والاستهزاء به ،، ثم يخرج مسدساً من جيبه ويطلق الرصاص عليه عدة مرات أمام جمهور الصالة وعلى الهواء مباشرة أمام ملايين المشاهدين الذين يتابعون البرنامج عبر شاشة التلفاز، ودونما أدنى شعور بأي ذنب تجاه ما فعله للتو يضحك آرثر ضحكته المعهودة ويقف وسط ذهول الجميع ليقدم رقصة قصيرة ويختم العرض بتحية الجمهور وكأنه هو بطل هذا العرض قائلاً للجميع: طابت ليلتكم. ويتم القبض على آرثر في نهاية الأمر.

فيلم الجوكر JOKER سيناريو مشترك بين المخرج “تود فيليبس” Todd Phillips الذي رُشح للأوسكار كمخرج وككاتب سيناريو 4 مرات ، و “سكوت سيلفر”  Scott Silver الذي رُشح للأوسكار ككاتب سيناريو مرتين ، والفيلم من بطولة خواكين فينيكس (الفائز بجائزة الأوسكار كأفضل ممثل في دور رئيسي لهذا العام 2020) والممثل البارع روبرت دي نيرو Robert De Niro الذي رُشح للأوسكار 8 مرات فاز بمرتين منها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.